عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


التكتيكي والإستراتيجي
جمع المتناقضين
الكلفة والعائد

تحيي حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هذه الأيام ذكرى تأسيسها الـ27، وهي فترة كافية لإنضاج النقاشات الداخلية التي تشهدها الحركة، في مرحلة قد تبدو الأقسى عليها منذ تأسيسها.

وربما يشكل العمل العسكري والمقاومة المسلحة في إرث حماس السياسي نافذة مهمة للدخول في إجراء مثل هذا النقاش الجاد والموضوعي، طالما أنها تطرق كل الأبواب التي من شأنها أن تقربها نحو أهدافها المعلنة.

التكتيكي والإستراتيجي
أثبتت السنوات الأخيرة التي شهدت اندلاع ثلاث حروب في غزة بين عامي 2008 و2014، أن اللجوء إلى المقاومة المسلحة يجب أن يخضع لدراسة دقيقة لمعطيات الواقع، ومدى الفوائد التي تحققها، خشية غياب الخيط الفاصل بين الهدف الإستراتيجي ووسائله التكتيكية، والخوف من أن تشهد حماس حالة "التناحر" بين التكتيكي والإستراتيجي، وتقدم الأول على الثاني، وربما أخطر من ذلك أن يتم توظيف الثاني لخدمة الأول!

أثبتت السنوات الأخيرة التي شهدت اندلاع ثلاث حروب في غزة أن اللجوء إلى المقاومة المسلحة يجب أن يخضع لدراسة دقيقة لمعطيات الواقع ومدى الفوائد التي تحققها، خشية غياب الخيط الفاصل بين الهدف الإستراتيجي ووسائله التكتيكية

هنا يمكن الرجوع سنوات إلى الوراء حين اجتهدت حماس في المزج بين الفعلين السياسي والعسكري:

أ‌- تمارس المقاومة وكأنها ليست في الحكومة.
ب- تمارس استحقاقات الحكم بحيث لا تؤثر على أداء المقاومة.

وتم تمرير هذه المعادلة بصعوبة بالغة، لأن وجود حماس في الحكم بين عامي 2006 و2014 جعلها جزءا من المعادلة السياسية، شاءت أم أبت، وكان السؤال الملح على الدوام منذ وجود حماس في الحكومة إلى حين استقالة حكومتها أوائل يونيو/حزيران الماضي: كيف يمكن أن تكون الحركة جزءا من منظومة يلزم أن تكون فيها ضمن إستراتيجية التسوية، بينما نداء الحق والواجب يستصرخها أن تبقي يدها على الزناد؟ ولعل هذا ما أدى في بعض المراحل إلى تمزق نفسي وجدل داخلي في جنبات الحركة، يشدها ذات اليمين تارة وذات اليسار تارة أخرى. وهكذا انشغلت الحركة بالجمع بين أمرين يبدوان "متناقضين"!

حماس اعترفت في السنوات الأخيرة -على استحياء- بأن المخاوف بدت أكبر من الآمال، ولم يكن أمامها حين خاضت تجربة سياسية مخاطرُها لا تقل عن إشكالياتها، وتداعياتها أسرع من التوقعات، سوى المراهنة فقط على وعي المقاومة، لأن فخ المغريات لا يقل خطرا عن واقع التضييق والمهددات.

لكن المثير في كثير مما قيل حول علاقة حماس بمسار المقاومة وإمكانية ترشيده خلال فترة ما بعد تسلمها للسلطة بفعل إنجاز اتفاق المصالحة، أن هناك مسوغات تساق من قبل عدد من ساستها والمقربين منها، كالقول مثلا إن الانسحاب من خيار الحكومة لا يعني عودة سريعة إلى المقاومة المسلحة، رغم أنها خاضت حربين سابقتين (2008 و2012) وهي على رأس الحكومة في غزة، وخاضت الحرب الثالثة (2014) وهي خارجها.

في ذات الوقت ليس مطلوبا من حماس أن تودع نهج المقاومة فور خروجها من حلبة الحكم والسلطة، فما دام هناك احتلال تظل تلك المقاومة شرعية، لكن السؤال هو: إلى متى يستمر الحديث عن نهج المقاومة بشكل مبهم دون تحديد ماهيتها وأولوياتها، وانتهاج الأكثر جدوى منها، وتقنينها بالاتجاه الذي لا يجلب المزيد من الضغط الخارجي، ويبرر صعود القوى المهادنة؟

جمع المتناقضين
رغم كل ذلك، لم توجد إجابات واضحة مجمع عليها داخل حماس، فضلا عن بعض التصريحات التي لم تعبر عن رؤية متكاملة في حينها، بين مؤيد للمقاومة المسلحة بصورة مطلقة، ومتحفظ على بعض وسائلها وتوقيتاتها، ومُطالب بالبحث في جدوى وفاعلية المقاومة الشعبية السلمية.

وقد يبقى هذا الموقف "الانتظاري" من حماس دون أن يقدم إجابة واضحة مرة أخرى، لكن يجب أن لا يفهم منه أن المطلوب الإقلاع عن نهج المقاومة، بل توجيهها بدل أن تتحول إلى "استعراضية" تجلب الضغط الخارجي، هذا إن كنا حريصين على استمرار شرعية المقاومة ما استمر الاحتلال.

بعد خروجها من الحكومة وبروز بعض الأصوات التي تقول إنها تحررت من الأعباء الداخلية والمسؤوليات الإدارية، وبإمكانها الآن العودة بقوة إلى خيار المقاومة المسلحة، يظهر أن حماس بحاجة إلى البحث عن الآليات التي يجب أن تتسلح بها لاجتياز هذا التحدي بأقل الخسائر

بالتأكيد لا أحد يشك في حرص حماس على استمرار المقاومة، لكن التصويب مطلوب، والترشيد ملح، والتركيز ضروري، رغم وجود ثنائية غريبة بحاجة إلى حل في الساحة الفلسطينية تقول إن انسداد أفق التسوية الذي تتبناه حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) يزيد وهج المقاومة المسلحة التي مثلتها حماس. وكان درس الانسحاب الإسرائيلي من غزة أن المقاومة لا المفاوضات هي التي دفعت إسرائيل إلى التراجع.

لذلك، هناك من ينظر إلى سلوك حماس المقاوم بعد حرب غزة 2014 بالتطلع إلى تأسيس هدنة حقيقية مع إسرائيل، وبصورة منضبطة تنظم عمليات الرد على أي اختراق إسرائيلي للهدنة، فيأتي الرد مناسبا ومرتبطا بما قام به الاحتلال من عمل عسكري، ويشمل تحديد المواقف التي لا يكون الرد فيها مفيدا، وبهذا يتحقق قرار جماعي مشترك لحركات المقاومة، ويمكن تحقيقه من خلال لجنة تنسيق أو غرفة عمليات لحركات المقاومة.

هنا أستحضر السؤال الذي طرحناه عديد المرات على قيادات حماس في جلسات بحثية ولقاءات صحفية خلال السنوات السابقة عندما كانت في الحكم وتدير في الوقت ذاته دفة المقاومة: كيف يمكن أن تنجح حكومة حماس في إدارة الأوضاع الحياتية للفلسطينيين بطريقة فاعلة، ونصف وزرائها وثلث نوابها في الحكومة العاشرة 2006، والعشرات من رؤساء وأعضاء مجالسها البلدية في الضفة الغربية، يقبعون في السجون الإسرائيلية؟

وكيف يمكن أن تحقق هذه الحكومة طموحات ناخبيها ورئيس وزرائها مطارد، ورئيس البرلمان التابع لها معتقل، والشيء نفسه يقال عن نائب رئيس حكومتها، ووزرائها الذين يتنقلون بسرية مطلقة خشية مواجهة ذات المصير؟

آنذاك -وأتحدث عن مرحلة ما قبل المصالحة الأخيرة 2014- كان على حكومة حماس وحركتها، الإدراك منذ البداية -حفاظا على مشروع المقاومة- أن الجلوس على مقعدين أمر متعذر، وسيفضي إلى كسر ظهر الجالس بينهما، رغم أنه من حق الحركة استثمار فوزها وأن تحظى بفرصها، والاختيار بين السلطة بما عليها من واجبات والتزامات، أو المعارضة-المقاومة بما لديها من هوامش حركة ومرونة.

الكلفة والعائد
بعد خروجها من الحكومة منتصف العام 2014، وبروز بعض الأصوات التي تقول إنها تحررت من الأعباء الداخلية والمسؤوليات الإدارية، وبإمكانها الآن العودة بقوة إلى خيار المقاومة المسلحة، يظهر أن حماس بحاجة إلى البحث عن الميكانيزمات والآليات التي يجب أن تتسلح بها لاجتياز هذا التحدي بأقل الخسائر.

والوضع السائد في غزة اليوم بعد الحرب الأخيرة، يؤكد أن حماس ماضية في طريق ترسيخ قوتها العسكرية رغم كلفة حرب غزة الأخيرة، وهي تنتهج في سبيل ذلك جملة من الوسائل والأساليب، من بينها:

أ‌- في غزة: تخزين السلاح والعتاد والتدريبات الميدانية لعناصرها، بل وإنتاجه وتصنيعه، وتحسين فعالية صواريخها وقدرات قذائفها لتتمكن من ضرب مدن أساسية في إسرائيل، والسعي لبناء أنظمة مضادة للدبابات والطائرات قد تشل قدرة الجيش الإسرائيلي على احتلال غزة بسهولة.

ب‌- في الضفة: محاولة نقل حماس لتجربة المقاومة المسلحة مع إسرائيل إليها، بدعوة عدد من قياداتها الذين طالبوا بنقل نموذج غزة إلى الضفة، لتقصير عمر الاحتلال، ومنع اعتداءاته على الفلسطينيين، والإسراع بتحرير فلسطين.

حماس تعتقد بإمكانية العمل الجاد لإعادة بناء أجهزتها العسكرية في الضفة والتي اعتراها الضعف الناتج عن عمليات الاعتقال والاغتيال لكوادرها العسكرية، وتدمير بنيتها التحتية في السنوات الأخيرة، لأن الضفة ستكون الساحة الحقيقية للمعركة مع إسرائيل، وتنتشر فيها الأهداف الإسرائيلية

لكن هذه الرغبة الحمساوية ستصطدم حتما برفض صارم من السلطة الفلسطينية التي تستبعد تحقيق السيناريو الذي تدعو إليه حماس بنقل العمل المسلح ضد إسرائيل إلى الضفة، لأنه كفيل -بنظر السلطة- بضرب المشروع الوطني برمته، والإطاحة بالسلطة كلها. والفلسطينيون ليسوا بهذه السذاجة التي تجعلهم انتحاريين بهذه الطريقة العدمية، فالسلطة تسمح بالمقاومة السلمية والشعبية ضد الاحتلال في الضفة، وهي تؤتي أكلها أكثر بكثير من بعض الأعمال المسلحة التي ضررها أكثر من نفعها، ولا يستفيد منها سوى اليمين الإسرائيلي.

كما أن الوضع الأمني في الضفة سيئ للغاية، والملاحقة الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية المشتركة لعناصر حماس هناك، تضرب أي مفاصل تنظيمية جديدة قد تنشأ فيها، بما في ذلك أي نواة عسكرية صغيرة.

مع كل ذلك، تعتقد حماس بإمكانية العمل الجاد لإعادة بناء أجهزتها العسكرية في الضفة بعدما اعتراها الضعف الناتج عن عمليات الاعتقال والاغتيال لكوادرها العسكرية، وتدمير بنيتها التحتية في السنوات الأخيرة، لأن الضفة ستكون الساحة الحقيقية للمعركة مع إسرائيل، وتنتشر فيها الأهداف الإسرائيلية: العسكرية والاستيطانية على مدار الساعة، مما يمهد الطريق لتحقيق انسحابات متوقعة كما حصل في غزة، رغم المخاوف من إمكانية الصدام مع السلطة الفلسطينية.

عامل آخر يدفع حماس للذهاب نحو تفعيل المقاومة المسلحة في الضفة، ويتعلق بالحالة الصعبة التي تعانيها غزة التي تشكل 1% من مساحة فلسطين التاريخية وخاضت ثلاث حروب متلاحقة في أقل من ست سنوات، وحان الوقت لكي تأخذ استراحة محارب، وترمم بناها التحتية.

أخيرا.. فإن حماس التي احتكمت في مواقفها تجاه النظام السياسي الفلسطيني إلى قاعدة الربح والخسارة من الناحية السياسية، وليس الحلال والحرام من الجانب الديني، وهو ما فسر الكثير من سلوكياتها البراغماتية في علاقاتها السياسية، يمكن أن تكون أكثر جرأة في إخضاع مستقبل المقاومة المسلحة للنقاش الموضوعي الجاد، دون استبعاد أو إلغاء له، لكن المطلوب من حماس أن تدخل عامها الثامن والعشرين وقد عرفت بالضبط ماذا تريد، وكيف تحقق ما تريد، وبأي وسيلة، بأقل الأثمان وأكبر الإنجازات.. فهل تفعل؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك