إبراهيم حمامي

إبراهيم حمامي

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني


الاعتراف بدولة فلسطين
الحراك المضاد
حل الدولة الواحدة
جدية الأوروبيين

منذ صدور إعلان قمة البندقية عام 1980 الذي اعتبر أن "حل الدولتين هو الحل الوحيد لإنهاء النزاع بشكل عادل وفق المصلحة الأوروبية"، تلعب أوروبا دورا محوريا إلى جانب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تمت بلورته لاحقا فيما يسمى "الرباعية الدولية".

أوروبا تتحرك اليوم وبشكل مفاجئ على محورين: المحور الأول هو الاعترافات الرمزية وغير الملزمة المتتالية من البرلمانات الوطنية بدولة فلسطين، والتي بدأت من السويد مرورا ببريطانيا وفرنسا وإسبانيا وإيرلندا. والمحور الثاني إحباط وإجهاض أي توجه لا يرضي إسرائيل في الأمم المتحدة.

والحقيقة أنه لا تناقض بين المحورين، بل يكمّل أحدهما الآخر، والمتضرر الوحيد من الحراك الأوروبي الأخير هو الشعب الفلسطيني وحقوقه التي يتم التلاعب بها بمكر ودهاء وعلى طريقة إبر التخدير بين الفينة والأخرى كما سنوضح.

رغم أنه لا يساورنا شك في أن الحراك الأوروبي ما هي إلا إنقاذ لما تسمى عملية السلام واستباق لانهيارها والتخلي عن حل الدولتين، فإنه لا يمكن التقليل من شأنه من ناحية التغير في المزاج السياسي الأوروبي، وضعف هيمنة لوبيات الضغط، واتساع حجم التأييد للقضية

الاعتراف بدولة فلسطين
جاءت موجة التوصيات غير الملزمة التي اتخذتها بعض البرلمانات الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطين -رغم رمزيتها- في وقت دقيق وحساس تمر به المنطقة العربية بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص، مع حالة استياء شديدة تشهدها أوروبا ضد الممارسات الإجرامية للاحتلال، والعدوان المتكرر على قطاع غزة، واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني، ومع زيادة التضامن معه بزخم متصاعد، ورفضٍ لسياسات الحكومات تجاه الصراع وصل حد استقالة الوزيرة وارسي من الحكومة البريطانية احتجاجا على موقفها من العدوان على غزة.

وبالتأكيد ورغم أنه لا يساورنا شك في أن تلك التوصيات ما هي إلا إنقاذ لما تسمى عملية السلام في الشرق الأوسط، واستباق لانهيارها والتخلي عن حل الدولتين الذي يصب أولا وأخيرا في مصلحة الاحتلال، فإنه لا يمكن التقليل من شأنها من ناحية التغير في المزاج السياسي الأوروبي، وضعف هيمنة "لوبيات" الضغط، واتساع حجم التأييد داخل الأحزاب السياسية لفلسطين بشكل عام.

أوروبا تدرك أن بديل حل الدولتين هو حل الدولة الواحدة الذي ترفضه إسرائيل وترفضه أوروبا حتى اللحظة على الأقل، ولهذا جاء التحرك.

قبل أعوام قليلة لم يكن مسموحا حتى بمجرد التفكير في دعم فلسطين بأي شكل، وهنا نأخذ البرلمان البريطاني كمثال، حيث كان مؤيدو القضية الفلسطينية من كل الأحزاب لا يتجاوزون في أحسن الأحوال أصابع اليد، مع تعرضهم لضغوطات شديدة وحملات تشويه شخصية تطال كل كبيرة وصغيرة.

متغيرات كثيرة غيرت الأمر، منها: صمود الشعب الفلسطيني الأسطوري في وجه الحصار الجائر أو العدوان المتكرر على قطاع غزة، وكذلك ممارسات الاحتلال الهمجية في القدس، وتحديه للإرادة الدولية ومنع لجان التحقيق من ممارسة مهامها، واستطلاعات الرأي الأوروبية التي تعتبر إسرائيل أكبر خطر يتهدد العالم، والأزمة الاقتصادية التي تعني عدم قدرة الغرب على تمويل حماقات وجرائم قادة الاحتلال.

اختلف الوضع إذا وبات "أصدقاء فلسطين" في كل الأحزاب، حتى أشدها تعصبا وانحيازا إلى إسرائيل، وأصبح عدد البرلمانيين المؤيدين لقضية الشعب الفلسطيني بالمئات وبشكل علني. وهنا تكمن أهمية هذه الخطوات بغض النظر عن هدفها النهائي الذي يمكن من خلال اللقاءات والنقاشات والندوات تصحيح مساره إن تطلب الأمر، خاصة مع وجود شخصيات ومؤسسات فلسطينية وعربية فاعلة لها حضور على الساحة الأوروبية.

بمعنى آخر أنه رغم المحاذير والشكوك فإن مثل تلك الخطوات مرحب بها باعتبارها خطوات أولى تنهي الرواية ذات الطرف الواحد أوروبيا، وتفتح باب النقاش وربما الجدل السياسي حول القضية برمتها.

الحراك المضاد
تتزعم فرنسا وبريطانيا وألمانيا حراكا أوروبيا من نوع آخر، يقطع الطريق تماما على أي إمكانية لعمل دبلوماسي فلسطيني أو عربي -بغض النظر عن نجاعته- يتمثل في استصدار قرار من مجلس الأمن لإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطين بشكل كامل، رغم سيطرتهم على مجلس الأمن عبر حق النقض، ورغم وجود عشرات القرارات السابقة التي تقر بحق الشعب الفلسطيني في وطنه دون تطبيق.

هو سباق مع الزمن لفرض حل يصب في مصلحة إسرائيل ويكرس مطالبها، وفي نفس الوقت يسترضي الشعوب والبرلمانات الأوروبية ويتحايل على ضغوطها من خلال الظهور بمن يقوم بعمل ما وبخطة لإنهاء الصراع.

أوروبا تتحايل وتحاول إغراق كل الأطراف في مفاوضات لمدة عامين قابلة للتمديد على الأرجح وبقرار دولي ملزم، سيحظى في نهاية المطاف بموافقة الولايات المتحدة المطلعة على تفاصيله

الملفت أن الخطة الثلاثية الفرنسية البريطانية الألمانية ترتكز على أمور تجعل من الصعب رفضها من قبل الولايات المتحدة أو الدول العربية، أي أنها تحشر الجميع في الزاوية سياسيا، وهنا نرصد أهم نقاطها:

- تضع الخطة سقفا زمنيا مدته سنتان لإنهاء المفاوضات، فهي -فعليا- تمديد للمفاوضات.
- يرتبط ذلك بشكل مباشر بالفترة المتبقية للرئيس الأميركي باراك أوباما في منصبه.
- لا تنص على إنهاء الاحتلال، لكن إنهاء المفاوضات فقط.
- لا ترسم حدودا للدولة الفلسطينية وتترك ذلك للتفاهم بين الطرفين.
- لا تنص على اعتراف فوري بدولة فلسطين كما تذهب إليه الخطة العربية التي سيتقدم بها الأردن لمجلس الأمن خلال أسابيع.
- تحاول ألمانيا إضافة نص أن "إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي".

أوروبا إذن تتحايل وتحاول إغراق كل الأطراف في مفاوضات لمدة عامين قابلة للتمديد على الأرجح وبقرار دولي ملزم، سيحظى في نهاية المطاف بموافقة الولايات المتحدة المطلعة على تفاصيله.

وفي تلك الأثناء يستمر الاحتلال في تغيير الواقع الجغرافي والسكاني لما تبقى من الضفة الغربية.

حل الدولة الواحدة
ما تخشاه أوروبا والغرب عموما هو فقدان الثقة بحل الدولتين والتوجه نحو حل الدولة الواحدة، وهو الذي بدأ باستقطاب عدد من المؤيدين من الطرفين، مستلهمين تجربة جنوب أفريقيا التي اعتمدت مبدأ "رجل واحد صوت واحد" لتنهي الصراع هناك.. هذا المبدأ الذي ترفضه إسرائيل تماما لأنه سيجعل من "اليهود" أقلية في فلسطين التاريخية وينهي ادعاءاتهم في المنطقة، ويعيد اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي هجروا منها.

ولقطع الطريق على حل الدولة الواحدة الذي يجد معارضة فلسطينية أيضا لأنه يعني إعطاء شرعية وحق لمن لا يملكون حقا في هذه الأرض أصلا، يحاول الإسرائيليون استصدار حزمة قوانين لإضفاء طابع "اليهودية" على الدولة، ويضغطون في اتجاه اعتراف العرب والعالم بأن إسرائيل هي الوطن القومي للشعب اليهودي، وهو ما تؤيده الولايات المتحدة ليس اليوم، لكن منذ وعد بوش الشهير في أبريل/نيسان 2004.

جدير بالذكر أن قيادة السلطة الفلسطينية السابقة والحالية لا تعارض ما تسمى "يهودية إسرائيل"، فقد سبق أن صرح رأس السلطة محمود عباس أنه "بإمكان إسرائيل أن تطلق على نفسها أية تسمية تريدها.. فيمكن أن تطلق على نفسها حتى اسم الإمبراطورية اليهودية الصهيونية الإسرائيلية" (راديو سوا الأميركي ووكالة معا الإخبارية، سبتمبر/أيلول 2010).

وقد سبقه إلى ذلك ياسر عرفات حين أقر بيهودية إسرائيل في يونيو/حزيران 2004 في لقاء مع صحيفة هآرتس العبرية، والذي ذكر به من أجروا اللقاء في تحقيق مطول يوم 20 فبراير/شباط 2014. وهناك تسجيل مصور أيضا يعود إلى العام 1988 يعترف فيه عرفات بذلك.

عودة إلى الموقف الأوروبي الذي يريد إبقاء حل الدولتين غير القابل للتنفيذ اليوم في ظل ممارسات الاحتلال وتغييره للوقائع على الأرض، وهو ما يجعل أي حديث أوروبي أو غربي عن حل الدولتين يقترن بعبارة "قابلة للحياة"، الأمر الذي انتهى بتقسيم الضفة إلى مجموعة من الجزر المتناثرة التي تفصل بينها مستوطنات وطرق التفافية وجدار وحواجز!

الخوف من انهيار هذا الحال والتوجه نحو الدولة الواحدة ومسابقة الزمن لإقرار يهودية الكيان، كلها عوامل أثارت حماس الأوروبيين هذه الأيام من خلال المحورين المذكورين.

الاستقلال والدول والحقوق لا تستجدى من الغير، ولا نحصل عليها بقرار أو توصية، وقيام الدول لا يكون بالاعترافات الشكلية والرمزية، وإنما بالحق والقوة التي تحمي هذا الحق، وبفرض إرادة الشعوب على الأرض

جدية الأوروبيين
مع التأكيد مرة أخرى على أهمية التغير في المزاج الأوروبي الشعبي والسياسي لصالح القضية الفلسطينية، ودون أن يخالجنا شك في نوايا التحايل والالتفاف الرسمية، يمكن القول إنه لا جدية حقيقية لدى أوروبا الرسمية لدعم القضية الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني، بل هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وإعطاء المزيد من الوقت لاستكمال "تهويد" ما لم يهود بعد.

وفي هذا الصدد يتساءل الأكاديمي الدكتور رامي عبدو ويقول "أمام موجة الاعترافات الرمزية في البرلمانات الأوروبية بدولة فلسطينية، وإزاء الترحيب بهذه الخطوات، علينا أن نضع نصب أعيننا أيضا عددا من التساؤلات العامة لسياقات ومآلات تلك الاعترافات:

- هل يمثل الأمر اعترافا منقوصا ومشوها للحق الفلسطيني؟ هل جاءت تلك الاعترافات في سياقات كابحة لحضور فلسطيني غير مسبوق للحق الفلسطيني؟ هل تمثل تلك الاعترافات عملا تقييديا للعمل المقاوم وفرصة لحشره في زاوية الإجماع الدولي مستقبلا؟ هل ساوت تلك الاعترافات بين المحتل المستعمر والشعب الذي يرزح تحت الاحتلال؟ هل تعطي تلك الاعترافات الشرعية الكاملة للاحتلال ووجوده وجرائمه منذ بدأ احتلاله إلى يومنا هذا؟".

تساؤلات مهمة وجادة تضع المزيد من علامات الاستفهام حول الدور الأوروبي السابق والحالي، وحول الموقف الرسمي الفلسطيني والعربي من هذا الدور، والأهم من ذلك موقف ودور الجاليات الفلسطينية والعربية في دول الاتحاد الأوروبي ومدى تأثيرها على صناعة القرار هناك.

خلاصة القول إن الاستقلال والدول والحقوق لا تُستجدى من الغير، ولا نحصل عليها بقرار أو بيان أو توصية، وقيام الدول لا يكون بالاعترافات الشكلية والرمزية، وإنما بالحق والقوة التي تحمي هذا الحق، وبفرض إرادة الشعوب على الأرض وعلى العالم، وانتزاع الحقوق بالتضحيات لا بالمفاوضات ولا التنازلات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك