عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


حول العملية
بين التهدئة والتوتير
البعد الإستراتيجي للعملية

العملية الجريئة التي قام بها فلسطينيان في كنيس يهودي بمدينة القدس تركت آثارا كبيرة ستتفاعل مقتضياتها على الساحة الفلسطينية لفترة من الزمن. ومن الواضح أن هذه العملية تأتي في سياق من الاعتداءات الصهيونية على القدس والمسجد الأقصى، وفي اليوم الذي تلا شنق سائق الحافلة الصهيونية الفلسطيني من قبل مستوطنين يهود.

حول العملية
حملت هذه العملية رمزية مكانية ربما كان المنفذان يقصدانها، وهي أنها تمت في كنيس يهودي، في رسالة واضحة إلى المستوطنين والمتطرفين من كافة الأصناف والألوان بأن الاعتداء على المقدسات العربية سيؤدي إلى مهاجمة الكنس والأماكن المقدسة اليهودية. الفلسطينيون لا يعتدون على مقدسات الأديان الأخرى، لكنهم مستعدون أن ينقلوا الرسالة بوضوح لكل الذين يعتدون على مقدساتهم.

العملية كانت أيضا واضحة من ناحية الجرأة والإقدام، وقد جاءت ضمن عدد من العمليات الجريئة قام بها الفلسطينيون في الآونة الأخيرة ضد الإسرائيليين وخاصة في مدينة القدس، لكن هذه العملية كانت الأكثر جرأة لأنها تمت ضد جمهور وبأسلحة بدائية. تناقلت وسائل الإعلام أن الفلسطينيين استخدما مسدسا آليا، لكن السلاح الأهم كان السلاح الأبيض المتمثل بالسكاكين والبلطات. لقد كانت عملية شجاعة، وتمت فجأة وبدون سابق إنذار.

عملية القدس حملت رمزية مكانية ربما قصدها المنفذان، في رسالة واضحة إلى المستوطنين والمتطرفين من كافة الأصناف والألوان بأن الاعتداء على المقدسات العربية سيؤدي إلى مهاجمة الكنس والأماكن المقدسة اليهودية

لم تكن هذه ضمن منطق الإرهاب وفق ما يقوله الأميركيون والإسرائيليون وأعوانهم العرب، وإنما كانت من منطلق الدفاع عن الذات، وإنقاذ الشعب الفلسطيني.

لقد تعرض الشعب الفلسطيني في الآونة الأخيرة بخاصة في القدس إلى اعتداءات مكثفة وبطريقة استهترت به، وأخذ المستوطنون يصولون ويجولون في القدس والمقدسات على هواهم وكأن الشعب الفلسطيني غير موجود، وألحقوا بالناس الإهانات والإذلال، وحرموهم من التجول بحرية على الطرقات الرئيسية التي تربط بين المدن والقرى في الضفة الغربية.

لقد تعرض الشعب الفلسطيني في الآونة الأخيرة إلى أسوأ حالات الإهانة والإذلال من قبل الصهاينة، فضلا عن أعداد الفلسطينيين الذين قضوا مؤخرا في العدوان على غزة. فإذا كان الفلسطينيون يقومون بأعمال ضد الإسرائيليين الآن، فذلك -وفق أغلب الفلسطينيين- دفاعا عن الشعب الفلسطيني وثأرا لكرامة الشعب ورد اعتبار لشأنه واحترامه، وهو ما يفسر فرحة الشارع الفلسطيني بهذه العملية، ونشوته وشعوره بالقوة.

لقد بثت العملية في النفوس الفلسطينية القوة والاعتزاز، وقدمت لهم طاقة كبيرة ورفعت من معنوياتهم. هؤلاء الشباب الذين هبوا ضد الإسرائيليين ليسوا قتلة أو مجرمين، وإنما يصفهم الشارع الفلسطيني بأنهم مناضلون من أجل الحرية، وهم يرون أن على الشعب الفلسطيني أن يدافع عن نفسه حتى لو تعاون العرب وبعض الفلسطينيين مع الإسرائيليين.

لا حاجة للفلسطينيين في أن يشهدوا أحداثا مؤلمة باستمرار وبصورة يومية كي يثأروا لأنفسهم، لأن الاستفزاز مستمر وقائم بسبب وجود الاحتلال الذي يشكل أكبر مبرر أمامهم ليدافعوا عن أنفسهم. وإذا كان من سبب لأعمال العنف التي تتواصل في فلسطين فإنه الاحتلال الإسرائيلي.

الاحتلال يحمل في داخله نفيه، وغبي من يظن أن الاحتلال سيستمر بدون مقاومة من قبل الذين يقع عليهم الاحتلال. فإذا كان لدولة أو جهة أن تلوم، فإن عليها أن تلوم الاحتلال وتقف ضده، وتعمل على إزالته إذا أرادت للاستقرار أن يحل في المنطقة العربية الإسلامية والعالم.

وهنا يستوقفني تعليق وزير الخارجية الأميركي الذي قال بأن عملية القدس لا تمت إلى الإنسانية بصلة، لكن لم يذكر إن كان الاحتلال يمت أيضا إلى الإنسانية بصلة أم لا. وقوله هذا يؤكد المؤكد وهو أن أميركا تنطق كفرا عندما تتحدث في القضية الفلسطينية بسبب انحيازها المطلق إلى إسرائيل، والذي يجعلها طرفا في الصراع لا حَكما.

وهنا أيضا لا بد من الإشارة إلى أن تعليق رئيس السلطة الفلسطينية على العملية لم يختلف كثيرا عن تعليق الوزير الأميركي، فهو أيضا أدان العملية. لم يطلب فلسطيني من رئيس السلطة تعليقا، لكنه تطوع كما يتطوع عادة بعبارات تحمل الكثير من الغبن للشعب الفلسطيني. كان بإمكانه أن يحمّل بقاء الاحتلال مسؤولية استمرار العمليات، دون أن يحاول التأثير سلبا على شعور الفلسطينيين بالقوة التي تبلورت في النفوس عقب العملية.

بين التهدئة والتوتير
هناك دعوات للفلسطينيين بضرورة الحرص على التهدئة في المنطقة، وهي دعوات غير منطقية لأنها تتناسى وجود الاحتلال. من يريد تهدئة عليه أن يقف بحزم ضد الاحتلال، لأن الاحتلال نفسه عامل عدم استقرار وعامل عنف وحروب. ثم أين المنطق في الطلب من أناس يعيشون تحت الاحتلال أن يهدؤوا؟

على الشعب الواقع تحت الاحتلال أن يوتر الأوضاع باستمرار إذا رغب في لفت نظر العالم وإجبار المعنيين على البحث عن حلول مرضية، فالتوتير يشد انتباه العالم، وتحسب له الدول حسابا من أجل استقرار مصالحها

إذا كان هناك منطق إنساني وحرص على حقوق الإنسان فإن على الدول أن تقدم كل الدعم للذين يقعون تحت الاحتلال من أجل التخلص من العدو الغاشم، حيث لا يوجد في التاريخ مهادنة مع الاحتلال أو تهدئة، ويبدو أن الحالة الفلسطينية هي التي أدخلت إلى القاموس السياسي مصطلح التهدئة مع الاحتلال.

هذا لا يعني أن على الواقعين تحت الاحتلال أن يستمروا في خوض المعارك، لكنه يعني أنهم هم من يقيّمون الأوضاع ويقررون في النهاية إن كانت قدراتهم تسمح لهم بمواجهة الاحتلال أم لا. أما الدعوة إلى التهدئة فتعني الهدوء تحت الاحتلال أو التعايش معه، وإذا كان للشعب أن يتعايش مع الاحتلال فإن الأخير لن يجد نفسه مضطرا للرحيل أو الاعتراف بحقوق الشعب الذي يحتله.

اليوم هناك عرب عموما، وفلسطينيون خصوصا، يطالبون الشعب الفلسطيني بالتعايش مع الاحتلال، ولذا كان الاحتلال الإسرائيلي عبر السنوات السابقة احتلالا بلا تكاليف، وكان نافعا ومفيدا للإسرائيليين على حساب الفلسطينيين.

من مسؤولية الشعب الواقع تحت الاحتلال أن يحرص دائما على توتير الأوضاع لكي يحول دون استقرار الدولة المحتلة واستقرار الدول الداعمة لها، فإذا شعر العالم بالاستقرار فلن يتحرك للتخلص من المشكلة، ولهذا شهدت حالات الهدوء على الساحة الفلسطينية استهتارا دوليا بالقضية الفلسطينية، وأكبر دليل على ذلك هو استهتار أميركا والدول الأوروبية بالقضية الفلسطينية منذ قيام السلطة التي أخذت تحرس الأمن الإسرائيلي.

على الشعب الواقع تحت الاحتلال أن يوتر الأوضاع باستمرار إذا رغب في لفت نظر العالم وإجبار الدول المعنية على البحث عن حلول مرضية. فالتوتير يشد انتباه العالم، وتحسب له الدول حسابا، وذلك من أجل استقرار مصالحها، وحتى لا يلحق بهذه المصالح أذى.

القاموس السياسي الفلسطيني تلوث بالكثير من عبارات المنطق والهدوء وضبط النفس وما شابهها، والإسرائيليون يصادرون الأراضي ويقيمون المستوطنات، ولا يتخذ أحد إجراءات ضدهم، أما الفلسطيني فعليه أن يحفظ لسانه إذا أراد أن يحصل على بعض فتات المال من الدول المانحة.

يجب أن يكون الضعيف ماهرا في صناعة الأزمات لكي يجر العالم جرا إلى ملعبه، فالاستكانة والتخاذل يضران ولا ينفعان، وللفلسطينيين تجارب مريرة في هذا المجال.

حاول قادة فلسطين لعب دور الضعيف الذي لا حول له ولا قوة، وكانت النتيجة فرض أمر واقع على الفلسطينيين أسوأ بكثير مما كانت عليه الأمور قبل قيام السلطة الفلسطينية. وصناعة الأزمات فن، ومن شأنها أن تساعد في حشر العالم في زاوية لا يستطيع معها تجاهل الحقوق المستحقة للضعفاء.

البعد الإستراتيجي للعملية
تعتبر إسرائيل عمليات عسكرية من هذا القبيل من أخطر العمليات وأقساها، وذلك لصعوبة كشفها وتتبعها وإجهاضها. 

إسرائيل صورت نفسها دائما بأنها واحة الأمن التي يجد فيها اليهود أمنهم وراحتهم، لكن توالي الحروب وعمليات المقاومة أخذت تقنع الإسرائيليين بأنها آخر بقعة في الأرض يمكن أن توفر الأمن للإسرائيليين
ويتم التخطيط لمثل هذه العمليات في دوائر مغلقة تماما، وكذلك التنفيذ. وفي أغلب الأحيان يتم التخطيط بين الشخص ونفسه دون مشاركة أحد، وهذا يجعل من الأمر سرا مطلقا لا ينفذ إليه أحد. قرارات التخطيط والتنفيذ في مثل هذه العملية محصنة تماما من الناحية الأمنية، ولا توجد فرصة أمام الأجهزة الأمنية لاكتشافها وتتبعها إلا إذا تطورت التقنية بصورة تدخل بين المرء ونفسه.

ولهذا تتم هذه العمليات فجأة وتفاجئ أجهزة الأمن كما تفاجئ الإنسان العادي. من يخطط لعملية من هذا القبيل لا يتصل بأحد، ولا ينسق مع أحد، بل ولا يتلقى أوامر من أحد. كما لا يستعمل الهاتف أو أي وسيلة اتصالات أخرى، وعليه لا يمكن لأجهزة الأمن أن تمسك بطرف خيط تبني عليه بطريقة تؤدي إلى اكتشاف السر وإحباط العمل.

ولهذا تجد إسرائيل في هذه العمليات ما يهدد استقراراها ويهدد معنويات شعبها، إنها تقف عاجزة تماما أمامها ولا تملك سوى الوعيد والتهديد الذي قد يفاقم الأمور بالمزيد إن نفذ.
 
تدرك إسرائيل أن عمليات من هذا القبيل تعبر عن رد فعل، وإذا كان لها أن ترفع مستوى الإجراءات القمعية ضد الشعب الفلسطيني فإن آثار ذلك سترتد على الإسرائيليين، أي أن إسرائيل في ورطة كيفما فكرت وعملت، فلهذه العمليات مردود على معنويات الإسرائيليين، ومن شأنها أن تعزز قناعة تبلورت لدى الإسرائيليين بأن إسرائيل آخر مكان آمن بالنسبة لليهود.

لقد صورت إسرائيل نفسها دائما أنها واحة الأمن التي يجد فيها اليهود أمنهم وراحتهم واسترخاءهم، لكن توالي الحروب وعمليات المقاومة أخذ يقنع الإسرائيليين بأن إسرائيل آخر بقعة في الأرض يمكن أن توفر الأمن للإسرائيليين. ولهذا نجد أن العديد من الإسرائيليين أخذوا يفكرون بالرحيل عن فلسطين، وبعضم -وخاصة من الميسورين ماديا- قد رحلوا فعلا. فإذا استمرت أعمال المقاومة هذه، فإن الروح المعنوية للإسرائيليين ستضمحل، وستدفع بهم خارج فلسطين.

والنتيجة أن من يلعب دور الضعيف خاسر أبدا، ولا ينال حقوقه إلا من أصرّ على بناء قوة يدافع بها عن نفسه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك