عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


شروط التدخل وحيثياته
شرارة التدخل

بعد تصويت البرلمان التركي على مشروع قرار يسمح للحكومة بالقيام بعمليات عسكرية في كل من سوريا والعراق ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، إضافة إلى السماح لقوات أجنبية باستخدام أراض تركية لهذه الغاية، فإن الطريق بات ممهدا لتدخل عسكري تركي محتمل في سوريا.

وبات السؤال مطروحا عن مدى هذا التدخل وتوقيته وأهدافه، خاصة وأن تقديم مشروع القرار جاء بعد استرجاع تركيا لدبلوماسييها، الذين احتجزهم تنظيم داعش في الموصل، وتزامن مع حشود عسكرية تركية كبيرة على الحدود مع سوريا، في المنطقة المقابلة لمدينة عين العرب (كوباني)، التي يحاصرها منذ مدة تنظيم داعش، ويحاول جاهدا اقتحامها، والسيطرة عليها، في وقت أكد فيه رئيس الوزراء التركي، أحمد داوود أوغلو، أن تركيا ستبذل كل ما في وسعها من أجل تفادي سقوط هذه المدينة.

يعطي قرار التدخل المصادق عليه برلمانيا، الحكومة التركية حرية المناورة والتفاوض مع الأميركيين حول شروطها المعلنة لدخول التحالف، التي منها إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري

غير أن القرار لا يفضي إلى الدخول التلقائي في التحالف الدولي، الذي شكلته الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم داعش، لكنه يمنح الحكومة إمكانية الانضمام إليه، وبما يمكّنها من طرح شروطها وأهدافها وتوقيتها على الولايات المتحدة الأميركية وباقي دول التحالف، بالنظر إلى فعّالية التدخل التركي وقدرته على تغيير التوازنات وطبيعة العمليات خاصة في شمال سوريا، كما يمنح تفويضا شعبيا للحكومة، بالنظر إلى أن القرار حظي بتأييد ٢٩٨ نائبا في البرلمان التركي، مقابل معارضة ٩٨ آخرين.

شروط التدخل وحيثياته
سياسيا، يعطي القرار الحكومة التركية حرية المناورة والتفاوض بقوة مع الإدارة الأميركية حول شروطها المعلنة لدخول التحالف، التي حددتها في إنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري، بما يعني حظر طيران النظام السوري فوقها ومنعه من استهدافها، وتقديم ضمانات لعدم وصول أسلحة متطورة إلى مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا، الفرع أو النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني الذي مازالت تركيا تعتبره منظمة إرهابية، بالرغم من عملية السلام الداخلي التي بدأتها معه منذ فترة.

هذا إضافة إلى ضمان عدم استفادة النظام السوري من هذه الضربات، بل والعمل على إسقاط نظام الأسد، حيث أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صراحة أن إسقاطه يشكل أولوية بالنسبة إلى القيادة التركية.

وبالمعنى الإستراتيجي والجيوسياسي، فإن تصويت البرلمان على القرار، يتيح للحكومة التركية فرصة لتطوير وتفعيل دورها السياسي في الأزمة السورية، خاصة وأن القادة الأتراك انخرطوا فيها منذ البداية، بالنظر إلى أسباب عديدة، حيث قام رئيس الوزراء الحالي أحمد داوود أوغلو -الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية في ذلك الوقت- بأكثر من 30 زيارة إلى دمشق، قبل أن تنقطع الصلة بنظام الأسد مع بداية عام 2012.

وقد حمل في تلك الزيارات إلى بشار الأسد نصائح وتوصيات عديدة من القيادة التركية، بل وقدم برامج للإصلاح والتغيير التدريجي في سوريا، لكن الأسد ضرب بها عرض الحائط واستخف بكل المقترحات التركية، نظرا لأنه ليس رجل سياسة بالمعنى المتعارف عليه دوليا، بل هو ديكتاتور بدأ منذ اللحظة الأولى للثورة السورية بشن حرب شاملة ضد غالبية شعبه.

لا شك أن عدم وضوح الإستراتيجية الأميركية حيال نظام الأسد واعتمادها على قوات البشمركة في العراق لقتال داعش ومدها بسلاح متطور يثير مخاوف القادة الأتراك

ولا شك في أن التدخل العسكري التركي المحتمل -والوشيك ربما- سيشكل نقطة تغير إستراتيجية في مسار الأزمة السورية، بالنظر إلى أثره الحاسم والقوي الذي يتجاوز تأثير الضربات الجوية والصاروخية التي تقوم بها دول التحالف ضد داعش، ذلك أن تركيا تملك حدودا بطول أكثر من 850 كيلومتر مع سوريا وتملك جيشا قويا مجهزا بأحدث الأسلحة، إضافة إلى أن السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية الضخمة مثل قاعدة "إنجرليك" في هذه الحرب سيقدم دعما كبيرا للتحالف وسيفتح إمكانية فرض حظر جوي في مرحلة لاحقة، حسبما أشار إلى ذلك رئيس هيئة الأركان الأميركي مارتن ديمبسي.

وربما سيضطر حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاقه ويسهم في تقديم غطاء جوي للمنطقة الآمنة التي تشترط تركيا إقامتها للانضمام إلى التحالف، لذلك تعي الإدارة الأميركية جيدا أهمية القرار التركي بالانضمام إلى التحالف، ولا مفرّ لديها من التنسيق السياسي والعسكري مع القيادة التركية بخصوص تطورات ومآلات الأزمة السورية، بالرغم من سعي إسرائيل المتواصل إلى استغلال الخلافات بين الإدارة الأميركية والقيادة التركية ومحاولاتها إفشال مساعي الرئيس التركي الرامية إلى إسقاط نظام بشار الأسد.

وإذا كان القرار التركي قد جاء بعد تردد وتريث أبدتهما تركيا حيال التحالف الدولي ضد داعش، حيث لم توقع "بيان جدة" واكتفى ساستها بالقول إن تركيا ستكتفي بالانخراط في الجانب الإنساني، فإن ذلك يعود إلى غموض الإستراتيجية الأميركية في سوريا خصوصا حيال نظام بشار الأسد الذي وصفه أردوغان بالإرهابي في أكثر من مناسبة، ويرى فيه عدوا لدودا، حيث لم تقدم الإدارة الأميركية أية إيضاحات حيال إمكانية استفادة الأسد من ضرب داعش، كونها وضعت إستراتيجية ذات بعد عسكري فقط، يتمثل في توجيه ضربات جوية وصاروخية، وتدريب عدد من عناصر المعارضة السورية في المملكة العربية السعودية لمحاربة داعش، الأمر الذي رفع كثيرا من الحذر التركي حيال مثل هذه الإستراتيجية، بوصفها تغض النظر عن السبب الرئيسي للأزمة السورية -وصعود داعش وأشباهه- المتمثل في نظام الأسد.

ولا شك في أن عدم وضوح الإستراتيجية الأميركية حيال نظام الأسد واعتمادها على قوات البشمركة في العراق لقتال داعش ومدها بسلاح متطور، يثير مخاوف القادة الأتراك من اعتماد مماثل للإدارة الأميركية على أكراد سوريا، وبالتحديد على قوات "الأشايس" التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي -النسخة السورية لحزب العمال الكردي- وهو أمر يغذي النزوع الانفصالي لأكراد سوريا ويؤثر على القضية الكردية في تركيا وعلى سير عملية السلام التي بدأها أردوغان ويعول عليها لحل القضية الكردية في بلاده، لذلك يركز القادة الأتراك على إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري كي يقطعوا الطريق أمام النزعة الكردية الانفصالية.

غير أن التركيز التركي على المنطقة الآمنة أو العازلة -التي تشكل أحد الشروط التي وضعها أردوغان للانضمام إلى التحالف ضد داعش-  يهدف أيضا إلى تشكيل قاعدة انطلاق جديدة للمعارضة السورية وللحكومة السورية المؤقتة، ومن ثم القطيعة مع حالة الشتات التي تعاني منها المعارضة، كما تهدف إلى إعادة مئات آلاف النازحين السوريين من عرب وأكراد وتركمان، وتوفير ملاذ آمن لهم داخل الاراضي السورية، لكن مثل هذه الخطوة لن تنجح دون التعاون مع دول التحالف، كونها تتطلب حظرا جويا صارما لا يمكن لتركيا وحدها أن تقوم به.

شرارة التدخل

يمتلك الأتراك جيبا في منطقة "قلعة جعبر" داخل الأراضي السورية، حيث يرقد "سليمان شاه" -جد مؤسس الدولة العثمانية- ويحرسه عدد من عناصر الجيش التركي، بوصفها منطقة تركية حسب "اتفاقية أنقرة"
من المهم القول إن تركيا ليست بحاجة إلى ذرائع إضافية للتدخل العسكري في سوريا، فقد تعرضت لتأثيرات وإرهاصات ما يجري من أحداث في أكثر من مناسبة، بل وتعرضت لاعتداءات من طرف قوات نظام الأسد التي أسقطت لها طائرة حربية، وحدثت تفجيرات في أكثر من منطقة تركية، فيما تسقط قذائف متعمدة وغير متعمدة باستمرار على أراضيها.

ويمتلك الأتراك جيبا في منطقة "قلعة جعبر" داخل الأراضي السورية، حيث يرقد "سليمان شاه" -جد مؤسس الدولة العثمانية- ويحرسه عدد من عناصر الجيش التركي، بوصفها منطقة تركية حسب "اتفاقية أنقرة" التي أُبرمت بين مجلس الأمة التركي (البرلمان) والحكومة الفرنسيّة المنتدبة على سوريا في 20 أكتوبر/تشرين الأول 1921، ثم نقل هذا القبر في عام 1973 من موقعه السابق إلى منطقة "قرة قوزاق" نظرا لأن بحيرة أقيمت على نهر الفرات غمرت القلعة.

ومع التحضير لتصويت البرلمان التركي على قرار تفويض الحكومة للقيام بعمليات عسكرية خارج تركيا، عاد الحديث عن الضريح إلى الظهور من جديد، وأطلق المسؤولون الأتراك تحذيرات عديدة لداعش من المساس به أو بالجنود الذين يحمونه، حيث خاطب رئيس هيئة الأركان التركية الجنرال نجدت أوزال الجنود الأتراك الذين يحمون الضريح قائلا: "لستم وحدكم هناك، كونوا على ثقة أنّه عند وصول خبر واحد منكم ستجدون القوات المسلّحة التركية إلى جانبكم فورا".

وجاءت التحذيرات التركية مع توارد أنباء عن محاصرة داعش للضريح وللجنود الذين يحرسونه، وقد تشكل أي خطوة عدوانية في هذا الاتجاه ذريعة كافية لتدخل عسكري تركي، مع أن أمر التدخل ليس مرهونا بالضريح وحراسه، بل يتعدى ذلك إلى حسابات سياسية، وحسابات الأمن والمصلحة القومية التركية، والأيام القليلة القادمة ستكشف عن مدى جدية القرار التركي الذي سيتوقف عليه الدور الإقليمي التركي في سوريا والمنطقة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات