مقدمة

مقدمة

منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013 يقبع آلاف المعتقلين في السجون المصرية، في أوضاع تصفها المنظمات الحقوقية بـ"الصعبة للغاية وغير الإنسانية"، وهو ما أدى إلى وفاة المئات منهم نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي.

وتتوالى الشهادات المروعة من المعتقلين أنفسهم ومن أهاليهم -فضلا عن المنظمات الحقوقية- عما يلاقيه هؤلاء في سجونهم من التعذيب، والزج بهم في معتقلات لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة، أو حرمانهم من الدواء والغذاء لأيام طويلة. علما بأن آلافا منهم صدرت بحقهم أحكام، وآخرون لا يزالون قيد الحبس الاحتياطي ولم يقدموا إلى محاكمة.

وبينما تواصل منظمات حقوقية مصرية ودولية توجيه انتقادات للنظام في مصر مطالبة إياه بالإفراج عن المعتقلين أو توفير الحد الأدنى من ظروف الاحتجاز الإنسانية لهم، لا تكاد تتوقف الاعتقالات، وأحكام القضاء لا تزال تنهمر إعداما وحبسا، في وقت يعيش هؤلاء على أمل تنفس نسيم الحرية.

سجون مصر.. كاملة العدد

السجون المصرية تمتلأ بآلاف المعتقلين من معارضي الانقلاب العسكري (الجزيرة)
 
بدر محمد بدر-القاهرة

ذكر تقرير أعدته منظمة العفو الدولية أن أعداد المعتقلين في مصر منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013 وحتى 30 يونيو/حزيران 2015 بلغت أكثر من 41 ألفا بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية أو القوات المسلحة أو النيابة العامة والقضاء.

ووصف التقرير، الذي صدر تحت عنوان "سجن جيل"، ما يجري في مصر بأنه عودة إلى "دولة القمع الشامل" و"السياسة القمعية"، موضحا أن مصر "تسحق آمال جيل كامل متطلع إلى مستقبل أكثر إشراقا".

وفي تقرير لفريق الاعتقال التعسفي التابع للأمم المتحدة، قال إن هناك أكثر من 3200 طفل تحت سن الـ18 اعتقلوا منذ الانقلاب، ما زال أكثر من 800 منهم رهن الاعتقال، وتعرض أغلبهم للتعذيب والضرب المبرح داخل مراكز الاحتجاز المختلفة.

ولم يتوقف الاعتقال على الإسلاميين فقط، فقد شمل رموزا من شباب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 أيدوا انقلاب السيسي لاحقا، أبرزهم مؤسس حركة 6 أبريل أحمد ماهر، وعضو المكتب السياسي للحركة محمد عادل، والناشط اليساري علاء عبد الفتاح وشقيقته سناء، والناشط أحمد دومة.

الرئيس المعزول محمد مرسي يأتي في مقدمة من حكم عليهم بالإعدام (غيتي إيميجز)

إعدام وطن
وأكد تقرير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات بعنوان "إعدام وطن"، الصادر في ذكرى مرور عامين على الانقلاب، أن أحكام الإعدام بلغت حتى الذكرى الثانية للانقلاب 1163 حكما، تم تنفيذ سبعة منها بالفعل، ولا يزال الحكم ساريا بحق 413، وتم قبول الطعن بحق 496 وإدانتهم بأحكام أخرى غير الإعدام، إضافة إلى 247 تم قبول الطعن وإلغاء الحكم ضدهم.

وأشارت التنسيقية إلى أن القضاء أصدر 1693 أمر إحالة إلى مفتي الجمهورية تمهيدا لإصدار الحكم بالإعدام، لكن العدد تراجع عند إصدار الأحكام إلى 1163 فقط، "وهي مرحلة غير مسبوقة في تاريخ مصر، وجميع هذه القضايا سياسية ترتبط بالاتهام بالانتماء لجماعة محظورة، أو المشاركة في مظاهرة أو اقتحام لمراكز الشرطة والسجون".

ويعد الرئيس المعزول محمد مرسي أبرز من صدر الحكم في حقهم بالإعدام، بالإضافة إلى المرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع (صدر بحقه 5 أحكام بالإعدام)، ورئيس البرلمان المنحل محمد سعد الكتاتني، والقيادي في حزب الحرية والعدالة محمد البلتاجي، والداعية صفوت حجازي، وعدد كبير من قياديي الإخوان المسلمين.

محمد حسن رمضان عبد النبي (وسط) واحد من سبعة تم إعدامهم بالفعل (أسوشيتد برس)

وحظيت محافظة المنيا (شمال الصعيد) بالعدد الأكبر في أوامر الإحالة إلى المفتي، إذ بلغت 1211، تليها الجيزة 233، ثم القاهرة 178. ويتنوع المحالون للمفتي والمحكوم عليهم بالإعدام بين شرائح ثقافية واجتماعية عدة، منها: أئمة وخطباء مساجد، وباحثون وأساتذة جامعات، وطلاب، وصحفيون ومهندسون وأطباء ورجال أعمال، إضافة إلى ربات البيوت.

وقال التقرير إنه في الفترة نفسها لقي 268 معتقلا حتفهم داخل السجون وأماكن الاحتجاز بسبب الإهمال الطبي أو التعذيب، إضافة إلى 1406 تمت تصفيتهم خلال فض المظاهرات والاعتصامات بالقوة أو أثناء عملية الاعتقال ذاتها، ليس من بينها مجزرتا فض اعتصامي رابعة والنهضة.

ومن ناحيته كشف "مرصد طلاب حرية"، المعني بمتابعة حريات وحقوق طلاب الجامعات المصرية، في أحدث إحصائية منذ الانقلاب وحتى 11 فبراير/شباط 2015، أن إجمالي عدد القتلى من الطلاب خارج إطار القانون بلغ 228، بينهم 6 طالبات, كما بلغت حالات الإخفاء القسري 164.

وبلغ عدد الطلاب الذين تم اعتقالهم حتى التاريخ ذاته 3242 طالبا وطالبة, لا يزال منهم رهن الاعتقال 1898 طالبا وطالبة، منهم 160 حالة تعرضوا للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف بتهم لم يرتكبوها.

 السجون المصرية تضم نحو 60 ألف معتقل منذ الانقلاب العسكري، وفي الصورة سجن طرة بالقاهرة (الفرنسية)

العدد الحقيقي
وعن العدد الحقيقي للمعتقلين، قال الناشط الحقوقي محمد أ. هـ إن الأرقام أكبر من ذلك بكثير، إذا وضعنا في الاعتبار أن هذه الإحصاءات قديمة نوعا ما، وأن هناك اعتقالات يومية في أغلب المحافظات حتى الآن، بما يرفع الرقم إلى نحو 60 ألفا، تم اعتقالهم لأسباب سياسية، بمن فيهم من تم الإفراج عنهم.

وأضاف الناشط في حديث للجزيرة نت، أن الظاهرة غير المسبوقة في تاريخ مصر هي القبض على المحامين الذين يترافعون عن المعتقلين، بل إدخالهم متهمين في القضايا، حيث بلغ عددهم 300 محام، إضافة إلى 280 صدر بحقهم أمر ضبط وإحضار، "وهذا مؤشر واضح على غياب أي أساس للعدالة في مصر الآن".

معتقلو مصر يواجهون القتل البطيء

معتقلو مصر يواجهون القتل البطيء
اكتظاظ السجون والتعذيب والإهمال الطبي أسباب أدت لوفاة عدد من المعتقلين (الجزيرة نت)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

تخرج مبادرات ومظاهرات تدعو لإنقاذه، ويصرخ أناس من تياره السياسي أمام أضواء الكاميرات التلفزيونية لانتشاله من معاناته، ويبقى المعتقل السياسي في مصر مسلوب الحرية، ووحده مع أسرته يداومون على معاناة السجن.

وداخل السجون المصرية يقبع آلاف المعتقلين السياسيين، منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي يوم 3 يوليو/تموز 2013.

يقول المرصد المصري للحقوق والحريات إن 268 شخصا قتلوا خلال عامين داخل أماكن الاحتجاز منذ الانقلاب وحتى 30 يونيو/حزيران 2015، جراء التعذيب البدني والإهمال الطبي.

كما ذكر تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش أن السلطات المصرية لا تتخذ خطوات جادة لتحسين وضع السجون المكتظة، مما يتسبب في وقوع حالات وفاة. وتحدث التقرير عن التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون، موضحا تردي الخدمات الصحية داخل السجون.

أهالي المعتقلين لا يتمكنون أحيانا من رؤيتهم سوى بقاعات المحاكمة (الجزيرة نت)

العقرب
ربما يُحدث وقع اسمه رجفة في نفس أي مصري، فسجن العقرب، سيئ السمعة، شديد الحراسة، الذي يقع ضمن مجموعة سجون طرة جنوب القاهرة، له تاريخ من روايات التعذيب المروع الذي وقعت بداخله منذ إنشائه قبل 25 سنة.

المتحدثة باسم "رابطة أهالي المعتقلين بسجن العقرب" آية علاء حسني، وصفت السجن بـ"المقبرة التي يحكمها قانون الغابة".

وأوضحت المتحدثة، وهي زوجة الصحفي المعتقل حسن القباني المدان بالقضية المعروفة إعلاميا بـ"غرفة عمليات رابعة" أن المعتقلين يتعرضون للتعذيب المادي والمعنوي داخل سجن العقرب، مشيرة إلى معاناة الحبس الانفرادي بزنزانة ضيقة مع منع التريض (ممارسة التمارين الرياضية).

وأضافت للجزيرة نت أن إدارة السجن تمنع الأدوية عن المعتقلين وترفض دخول الطعام الذي يصطحبه الأهالي لذويهم، لافتة إلى الانقطاع المستمر للكهرباء والمياه الصالحة للشرب داخل عنابر السجن.

وتابعت زوجة المعتقل "يقدمون لهم طعاما رديئا بدون ملح في أيام كثيرة، ثم يقدمونه بكمية عالية من الملح في أيام أخرى ما يسبب اختلالا بنسبة الصوديوم في الدم لدى المعتقلين".

وأشارت إلى تدني مستوى النظافة، بالإضافة لنوم المعتقلين على أرضية أسمنتية ما يسبب حساسية ومشاكل خطيرة بالعمود الفقري، مضيفة أن إدارة السجن لا تصرف سوى طقم ملابس واحد فقط، وعلى المعتقل غسله وانتظار جفافه ليعاود ارتداءه.

محمد سلطان عانى صحيا بسبب الإضراب قبل أن يُفرج عنه (غيتي إيميجز)

ومعاناة أهالي المعتقلين عديدة، بداية من صعوبة الحصول على تصريح الزيارة، والانتظار أكثر من ست ساعات في طابور الزيارة، إلى التفتيش الذاتي للنساء والتحرش بهن، كما حكت زوجة الصحفي المعتقل.

وأضافت أن زيارة المعتقل داخل سجن العقرب لا تتعدى ثلاث دقائق وتكون عبر حاجز زجاجي، واختتمت الزوجة حديثها قائلة "إنهم يقتلونهم ببطء".

وأما نهى عبد الله زوجة عصام سلطان نائب رئيس حزب الوسط والمعتقل بسجن العقرب، فتحدثت عن الرفض الأمني لزيارة زوجها طيلة ثلاثة أشهر.

وأضافت، في تصريح تلفزيوني، أنها بعد شهور من المعاناة نجحت في زيارته لتصدم بفقدانه نحو عشرين كيلو جراما من وزنه.

وتابعت "الزيارة استغرقت خمس دقائق، وحكى لي خلالها منع الأكل عنه بشكل متواصل خلال شهر رمضان" لافتة إلى رفض إدارة السجن دخول الطعام الذي اصطحبته لزوجها. وأردفت أنه كان معها سمكة واحدة فسمحوا بدخول نصفها ومعلقتي أرز "ورجّعوا لي باقي السمكة".

قادة الإخوان وبينهم الشاطر (وسط) يتعرضون لمعاملة سيئة كما يقول أهاليهم (رويترز)

معاناة مضاعفة
أما عائشة ابنة خيرت الشاطر نائب مرشد جماعة الإخوان المسلمين المعتقل بسجن العقرب، فروت الكثير من المعاناة عند زيارة والدها.

وقالت إن أصعب معاناة هي منع إدارة السجن اصطحاب الأطفال خلال الزيارة، ما يمنع رؤية الشاطر لأحفاده الصغار.

وأردفت "رأيت بعيني زوجة تتوسل للسجان لكي يُدخل مولودتها معها ليراها أبوها للمرة الأولى، لكن توسلاتها لم تجدِ".

وتحدثت عائشة للجزيرة نت عن تعنت إدارة السجن مع أسرتها تحديدا، موضحة عدم قبول زيارة والدها إلا بتصريح من النائب العام، في تجاوز واضح للقانون الذي يكفل زيارة أسبوعية دون تصريح.

وعن معاناة الشاطر، قالت الابنة إن الأمن يرفض دخول الأدوية له رغم مرضه بالقلب والضغط والسكري، لافتة إلى حملات تفتيش يصل عددها لعشر مرات في اليوم على زنزانته فضلا عن سحب مرتبة كان مصرح له طبيا بالنوم عليها، وإدخال الكلاب البوليسية زنازين قيادات الإخوان والتطاول عليهم بالسب.

واختتمت بمعاناة المعتقلين خلال شهر رمضان، موضحة أن الأمن سحب ساعات اليد من كل السجناء، وكان الرد الأمني "علشان ماتعرفوش وقت الإفطار أو السحور".

من جهته، يقول والد المعتقل محمد السيد إن هناك حربا نفسية على المعتقلين فضلا عن "التعذيب البدني". وأضاف للجزيرة نت أن إدارة السجن سحبت المصاحف من المعتقلين، ما أثر سلبيا على نفسيتهم خاصة خلال شهر رمضان.

وأشار الوالد إلى انقطاع المياه بشكل مستمر ما يدفع المعتقلين للتيمم لأداء الصلاة، لافتا إلى حبس نجله بزنزانة التأديب مرتين رغم عدم تجاوزه أي من قواعد السجن.

وزنزانة التأديب تكون ضيقة المساحة جدا لدرجة عدم قدرة المعتقل على الجلوس بشكل مريح، فضلا عن سوء الطعام المقدم له، وفق قوله.

سجون مصر.. قمع حتى الموت

فريد إسماعيل (يمين) وعصام دربالة قياديان معارضان ماتا بالسجن نتيجة الإهمال الطبي (الجزيرة نت)

يوسف حسني-القاهرة

تحولت السجون ومقار الاحتجاز في مصر، منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، إلى ما تشبه المقابر الجماعية بالنظر إلى المعاملة غير الآدمية والتعذيب البدني والنفسي غير المسبوقين، واللذين يمارسان بحق معارضي قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

ولم تفلح التقارير الحقوقية المحلية والدولية، ولا الإدانات، في وقف هذه الانتهاكات ولا حتى التخفيف منها، فقد استمر النظام في انتهاج سياسة ممنهجة للتعذيب أودت بحياة مئات تحت التعذيب أو بسبب الظروف المعيشية البالغة السوء أو الإهمال الطبي ومنع تلقي العلاج.

الباحث بمركز الكرامة لحقوق الإنسان أحمد مفرح قال للجزيرة نت إن نحو 300 معتقل قضوا منذ الانقلاب وحتى الآن، بينهم 165 قتلوا بعد وصول السيسي للحكم، و62 منهم قتلوا في عهد وزير الداخلية الحالي مجدي عبد الغفار.

طارق الغندور أستاذ بكلية الطب توفي بالسجن بعد إصابته بنزيف حاد (الجزيرة)

قتل بالإهمال
ومن بين هؤلاء الضحايا قيادات وأسماء بارزة في جماعة الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية، أبرزهم وكيل لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب السابق فريد إسماعيل، الذي قضى في مايو/أيار الماضي بمستشفى سجن العقرب بالقاهرة بعد دخوله في غيبوبة كبدية، وبعد عشرة أيام توفي عضو مجلس الشعب عن محافظة دمياط محمد الفلاحجي بعد غيبوبة مماثلة.

وسبق هؤلاء موت أستاذ الأمراض الجلدية بجامعة عين شمس الدكتور طارق الغندور بعد إصابته بنزيف حاد يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وفي 9 أغسطس/آب 2015 توفي رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية عصام دربالة أثناء نقله من محبسه بسجن طرة الشديد الحراسة إلى أحد مستشفيات العاصمة. وفي 28 أغسطس/آب توفي القيادي بجماعة الإخوان خالد زهران، الذي كان يمضي عقوبة بالسجن ثلاث سنوات، بمستشفى أسيوط الجامعي بعد تدهور حالته الصحية.

وفي الأول من سبتمبر/أيلول 2015 توفي المعتقل حسني خيري بسجن طرة نتيجة الإهمال الطبي رغم معاناته من سرطان الكبد.

ولم تقتصر حالات القتل على المسجونين فقط، ففي فبراير/شباط الماضي لقي المحامي كريم حمدي مصرعه بعد تعرضه للتعذيب المبرح على يد ضباط الأمن الوطني بقسم شرطة المطرية (شرقي القاهرة)، كما لقي المحامي إمام محمود المصير ذاته في أبريل/نيسان السابق على يد أفراد الأمن بقسم الشرطة نفسه.

كثير من قيادات الإخوان يشكون من الإهمال الطبي بالسجون رغم إصابتهم بأمراض خطيرة (رويترز)

تعذيب ممنهج
وأكد حقوقيون أن محافظ كفر الشيخ السابق سعد الحسيني يواجه خطر الموت في أي لحظة بسبب التدهور الشديد في حالته الصحية، مشيرين إلى أنه يحضر جلسات محاكمته على كرسي متحرك. إضافة إلى تدهور الحالة الصحية للقيادي محمد البلتاجي وأسامة ياسين وزير الشباب في عهد مرسي.

ووفق تقارير حقوقية وشهادات تم تسريبها من المعتقلين، فإن أساليب التعذيب التي تمارس تتمثل في الحرمان من الماء والطعام الصحي، والحرمان من الدواء وعدم التعرض للشمس لفترات تصل إلى شهرين متواصلين. كما أكد بعض المفرج عنهم تعرضهم للضرب المبرح والصعق الكهربائي والاعتداء الجنسي.

وكما كان منع الأغطية وسيلةً للتعذيب خلال الشتاء الماضي، فإن اكتظاظ أماكن الاحتجاز بأعداد كبيرة من المعتقلين وعدم تهويتها أصبحا وسيلتي التعذيب، وأحيانا القتل، خلال الصيف الجاري، خاصة مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.

آثار تعذيب على جثة حسن الكردي (الجزيرة)

اتهامات ونفي
ويؤكد مركز الكرامة لحقوق الإنسان أن أكثر من 5000 معتقل سياسي بحاجة عاجلة للرعاية الطبية، كثيرون منهم يعيشون ظروفا صحية تهدد حياتهم.

ودعا بيان مشترك لعدد من منظمات المجتمع المدني المصرية، بنيها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الشرطة المصرية لإجراء فحوص طبية على المعتقلين بواسطة لجان مستقلة.

ويتهم حقوقيون ومحامون عن المعتقلين النيابة المصرية بالامتناع عن التحقيق في هذه الانتهاكات، رغم تقديم الشكاوى وتوافر الأدلة وتأكيد تقارير الطب الشرعي المصري التي تؤكد صدقية هذه الشكاوى، في حين تنفي الحكومة المصرية هذه الاتهامات جملة وتفصيلا.

فتيات معتقلات.. انكسر الخط الأحمر

فتيات معتقلات.. انكسر الخط الأحمر
فتيات حركة "7 الصبح" حكم عليهن بالسجن قبل أن يفرج عنهن لاحقا (رويترز)

عبد الرحمن أبو العُلا

ظل اعتقال الفتيات في مصر خطا أحمر طيلة عقود مضت، إلا أن الانقلاب العسكري كسر هذا الخط، وأصبح مألوفا ليس فقط أن تعتقل فتاة، بل أن تتعرض لصنوف مختلفة من الإيذاء النفسي واللفظي، والاعتداء البدني وحتى الاغتصاب، قبل أن يصدر في حقها حكم ربما يصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد.

وبينما تشير تقارير حقوقية إلى أن مئات الفتيات تعرضن للاعتقال منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، فإن إحصاء موثقا أُعد منتصف أغسطس/آب الماضي يشير إلى أن هناك 93 فتاة لا زلن قيد الحبس.

ونُظمت عدة حملات تدعو لإطلاق سراح الفتيات، بينها حملة "أفرجوا عن بنات مصر"، التي يقول قائمون عليها إنه بعد أن "كانت حرائر مصر خطا أحمر في الأنظمة السابقة، أصبحت الحرية لهن أسمى مطالب الأهالي والأصدقاء والنشطاء في ظل نظام الانقلاب".

وكان اللافت أن عددا كبير من الفتيات تم اعتقالهن من داخل الجامعات المصرية المختلفة، خصوصا جامعة الأزهر التي سمح رئيسها أسامة العبد أكثر من مرة لقوات الأمن باقتحامها واعتقال طالبات.

اعتداء وانتهاكات عدة تتعرض لها الفتيات المعتقلات (الفرنسية)

انتهاكات
ومن أبرز أشكال الانتهاك التي تتعرض لها الفتيات المعتقلات -بحسب ناشطين ومنظمات حقوقية وحركة "نساء ضد الانقلاب"- "التعرض للضرب المبرح والسحل والتحرش من قبل قوات الأمن، وإجبارهن على ارتداء ملابس السجن الخفيفة الشفافة، وتعرضهن إلى تفتيش ذاتي مهين وصل إلى حد التحرش، وحجز الفتيات في عنابر الجنائيات مما يجعلهن في قلق دائم خوفا من إيذائهن".

وتحدثت الناشطة هبة دياب عن وقائع اغتصاب لمعتقلات داخل السجون المصرية، بينهن حالتان موثقتان.

وتشير المنظمة العربية لحقوق الإنسان إلى تلقيها عدة شكاوى من أسر طالبات معتقلات بتعرضهن للضرب والإهانة والتحرش الجنسي.

وكانت القضية التي عرفت بـ"فتيات 7 الصبح" قد أثارت جدلا واسعا بعد اعتقال 21 سيدة وفتاة من الإسكندرية، خرجن صباح 31 أكتوبر/تشرين الأول 2013 في وقفة احتجاجية على الانقلاب العسكري.

ووجهت المحكمة لهن تهم "التجمهر والبلطجة وإتلاف ممتلكات عامة"، وقضت بالحبس 11 عاما وشهرا واحدا لكل واحدة منهن، قبل أن يُقبل استئنافهن ويفرج عنهن بعد ضغوط دولية ومحلية.

ومن أبرز الفتيات المعتقلات، الأختان رشا وهند منير عبد الوهاب، اللتان حكم عليهما بالسجن المؤبد. وكان زوج رشا قد توفي أثناء انتظاره في طابور الزيارة بالسجن، قبل أن يعتقل أخوهما من منزله.

السيدة حسناء وابنتاها رواء وروضة اعتقلن من منزلهن بالمنصورة (ناشطون)

في الاعتقال سواء
وهناك أيضا المعتقلة سامية شنن (٥4 عاما) التي حكم عليها بالإعدام على خلفية أحداث كرداسة، حيث وجهت لها تهمة المشاركة في قتل وسحل عدد من ضباط الشرطة، ولم تقبل محكمة النقض طلبها بإعادة النظر بالحكم الصادر في حقها.

ويقول ناشطون إنها اعتقلت بداية للضغط على ابنها لتسليم نفسه، إلا أنها أضيفت لاحقا لقضية كرداسة.

ولم تتوقف اعتقالات الفتيات ذوات التوجه الإسلامي، فهناك سناء سيف ويارا سلام وسمر إبراهيم وحنان الطحان وناهد الشريف ورانيا الشيخ وسلوى محرز، اللاتي اعتقلن في مسيرة ضد قانون التظاهر، وحكم عليهن بالسجن ثلاث سنوات، قبل أن تخفضه محكمة الاستئناف إلى سنتين فقط.

ويضم سجل المعتقلات الناشطة إسراء الطويل التي أخفيت قسريا مدة أسبوعين قبل أن تظهر لاحقا في سجن القناطر، رغم إصابتها بشلل.

وتشكل حادثة السيدة حسناء التي اعتقلت هي وابنتاها رواء وروضة من منزلهن بالمنصورة في محافظة الدقهلية، نموذجا لاعتقال أفراد من أسرة واحدة.

السيدة وداد كمال (٥٦ عاما) من الإسكندرية حكم عليها بالسجن ثلاث سنوات (ناشطون)

ولم تتوقف الاعتقالات على المشاركات في أنشطة معارضة للانقلاب العسكري، فأحيانا تكون زيارة الزوج المعتقل سببا للاعتقال، كما حدث مع كل من رحمة مجدي الدعدع، وأسماء محمد الغريب.

كما أثار الحكم الذي صدر في الثالث من سبتمبر/أيلول الحالي على السيدة وداد كمال (٥٦ عاما) من الإسكندرية بالسجن ثلاث سنوات، ردود فعل كبيرة باعتبارها أكبر معتقلة سياسية في مصر، وهي أم وجدة.

ورغم اعتقالها من منزلها، فإن تهمتي قطع الطريق وتكدير الأمن العام وجهتا إليها!!

الاختطاف القسري.. سلاح النظام الجديد

عمر محمد وإسراء الطويل وصهيب سعد نشطاء ثلاثة تم اختطافهم وإخفائهم فترة قبل أن يظهروا بالسجون (ناشطون)

الجزيرة نت-القاهرة

مع اتساع رقعة المعارضة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتصاعد الأصوات الحقوقية المنددة بما يتعرض له المعتقلون من تعذيب وقتل وغياب للعدالة، اتخذت أجهزة الأمن المصري طريقا جديدا للقضاء على المعارضة، وتخويف كل صاحب صوت، وهو الإخفاء القسري للمعارضين. فقد تزايدت أعداد المختفين قسريا خلال الشهور الثلاثة الماضية بشكل لم تعرفه مصر من قبل.

وقد تم الإفصاح عن أماكن بعض المختفين وتحويلهم لمحاكمات جنائية بسبب حملات إعلامية، في حين تمت تصفية البعض الآخر قبل القول إنهم قتلوا في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة.

ووفق تقارير حقوقية ونشطاء، فقد تجاوزت أعداد المختفين قسريا 3000 حالة، بينهم نحو 20 مختطفا لا تعرف أماكنهم منذ مذبحة الحرس الجمهوري في يوليو/تموز 2013.

ويقول الباحث بمركز الكرامة لحقوق الإنسان أحمد مفرح إن الاختطاف القسري بات يمارس بطريقة ممنهجة في مصر، بعد أن أدركت أجهزة الأمن أنها لن تتعرض للمساءلة، وأضاف مفرح للجزيرة نت "أجهزة الأمن تعتقد أن الاختطاف وسيلة ناجحة في مواجهة معارضي الانقلاب".

ووفق مفرح فقد وقعت نصف حالات الاختطاف تقريبا في ظل حكم عبد الفتاح السيسي، حيث بلغ عدد المختطفين منذ توليه السلطة في يونيو/حزيران 2014 وحتى الآن نحو 1730.

القيادي بجماعة الإخوان المحامى ناصر الحافى قتل وثمانية آخرين على أيدي قوات الأمن (الجزيرة نت)

تزايد ملفت
وتقول منظمات حقوقية إن حالات الإخفاء القسري بمصر وصلت ذروتها في عهد وزير الداخلية الحالي اللواء مجدي عبد الغفار، فقد زادت عن 1500 حالة.

وبعد ظهورهم، أكد كثيرون ممن تم اختطافهم أنهم كانوا معتقلين داخل مراكز تابعة للأمن الوطني، وأنهم تعرضوا لتعذيب بالكهرباء لتقديم اعترافات بارتكابهم أعمالا إجرامية .

وتؤكد المنظمات الحقوقية أنه لم يتم فتح تحقيق واحد في حالات الإخفاء القسري أو البلاغات المقدمة للنائب العام حتى بعد ظهور المعتقل وعرضه على النيابة العامة التي تتجاهل التحقيق في وقائع تزوير الأمن الوطني أو المباحث لمحاضر الضبط والاعتقال.

ورصدت مبادرة "الحرية للجدعان" اختفاء 163 حالة من محافظات مختلفة منذ أبريل/نيسان وحتى السابع من يونيو/حزيران الماضيين من دون إجراء التحقيقات، من بينها 66 حالة لم يستدل على مكان احتجازها، و31 حالة لم تتمكن الحملة من معرفة مصيرها، و64 حالة تم معرفة أماكنها بعد 24 ساعة من الاحتجاز من دون تحقيق في المخالفة للدستور الحالي، وحالتان تم قتلهما بعد اختفائهما، أشهرهما الطالب بكلية الهندسة جامعة عين شمس إسلام عطيتو الذي تم اعتقاله أثناء أدائه امتحان نهاية العام يوم 19 مايو/أيار الماضي ثم وجد مقتولا في إحدى المناطق الصحراوية شرق القاهرة، وأكدت أسرته أن آثار التعذيب كانت واضحة على جسده.

طارق خليل قيادي بجماعة الإخوان اختفى قسريا وعثر على جثته بعد أسبوعين (الجزيرة)

عشاء ينتهي باختطاف
إسراء الطويل وصهيب سعد وعمر محمد، نشطاء ثلاثة تم اختطافهم من كورنيش النيل بصورة مفاجئة، بعدما كانوا على موعد لتناول العشاء مساء الأول من يونيو/حزيران الماضي، لتظهر إسراء بعد أسبوعين من القبض عليها في سجن القناطر للنساء بالقليوبية، بينما ظهر صهيب بعد 20 يوما من اختفائه في فيديو بثته القوات المسلحة يعترف فيه بقيامه بأعمال إرهابية.

وفي الأول من يوليو/تموز السابق قامت أجهزة الأمن بتصفية 9 من قيادات الإخوان المسلمين بينهم عضو مجلس الشعب السابق المحامي ناصر الحافي، بعد اعتقالهم بساعات، وادعت أنهم قتلوا في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة. كما قتلت 5 من أعضاء الإخوان بمحافظة الفيوم جنوب غرب مصر يوم 6 أغسطس/آب الجاري بالطريقة نفسها.

واتهم نقيب الصحفيين يحيى قلاش يوم 22 يونيو/حزيران الماضي وزارة الداخلية باختطاف الصحفي محمد صابر البطاوي من مؤسسة "أخبار اليوم" القومية، واقتياده إلى مكان غير معلوم. كما طالبت اللجنة المعنية بحالات الإخفاء القسري بالأمم المتحدة السلطات المصرية بالكشف عن مصير المئات من حالات الاختفاء القسري في البلاد.

الاعتقال.. مرارة الذكريات

صورة على مواقع التواصل الاجتماعي لمجموعة من المعتقلين بأحد السجون المصرية (ناشطون)

عبد الرحمن أبو الغيط

لا يكاد يمر يوم بمصر منذ الانقلاب العسكري حتى تعلن وزارة الداخلية اعتقال عشرات المعارضين السياسيين. ويقبع آلاف المعتقلين في السجون وأقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي وحتى في سجون عسكرية عدة، في أوضاع تصفها المنظمات الحقوقية بـ"الصعبة للغاية وغير الإنسانية"، مما أدى إلى وفاة المئات منهم نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي.

وتتنوع أشكال المعاناة داخل السجون بين ما يطلق عليها "حفلات" التعذيب، والإكراه على الاعتراف بتهمة ملفقة، ووضع المعتقلين السياسيين في زنازين مشتركة مع السجناء الجنائيين، والحبس الانفرادي، ومنع الزيارة وإدخال الطعام والأدوية، لكن تظل فترة التحقيق داخل أقبية جهاز الأمن الوطني هي الأصعب والأقسى على الإطلاق.

كثير من عمليات الاعتقال تتم عشوائيا وخارج إطار القانون (الفرنسية)

مرحلة التحقيق
المعتقل السابق أحمد محمد من محافظة القليوبية يروي رحلة التحقيق داخل جهاز الأمن الوطني قائلا "فوجئت في الساعة الثالثة من فجر يوم 11 مايو/أيار الماضي بعدد كبير من قوات الأمن الملثمين يحاصرون الشارع الذي أسكن فيه ويكسرون باب بيتي، ويصعدون إلى غرفتي، ولم يقوموا بتفتيش المنزل واكتفوا بأخذ هاتفي الجوال وجهاز الحاسوب".

وأضاف للجزيرة نت "قام أفراد الأمن بتعصيب عيني قبل ركوب السيارة، وتوجهنا إلى أحد المقرات الأمنية التي عرفت لاحقا أنه مقر جهاز الأمن الوطني بشبرا الخيمة الشهير باسم الفيلا، وهناك أدخلوني مع خمسة معتقلين إلى حجرة مظلمة فارغة أسفل الأرض، وتركونا معصوبي الأعين ومكبلي اليدين".

وتابع "في الصباح بدأ يستيقظ باقي المعتقلين، وعرفنا منهم ضوابط المكان: ممنوع الحديث إلا همسا، وممنوع الصلاة في جماعة، وممنوع إزالة الغمامة إلا بالقدر الذي ترى به موضع قدميك عند التحرك للحمام أو عند تناول الطعام، وبدأنا نتعرف منهم على قصص وحكايات وأشكال التعذيب البشعة كالصعق بالكهرباء، والتعليق، والضرب، والوقوف على القدمين لمدد طويلة تصل لأيام، والحرمان من النوم".

وأردف "ضباط الأمن الوطني كانوا حريصين خلال التحقيق على انتزاع أي معلومات عن المجهولين الذين ينفذون العمليات النوعية ضد قوات الأمن، وبعد انتهاء التحقيقات تم عرضي على النيابة بعدة تهم من أبرزها الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين ونية المشاركة في المظاهرات وأعمال العنف، وتم نقلي لزنزانة في معسكر قوات الأمن المركزي ببنها".

وشدد على أن أسوأ ما يواجه أي معتقل هو مرحلة وجوده في مقر الأمن الوطني، فهناك لا كرامة لأي إنسان ويمكن قتل أي معتقل من دون أي سبب.

المعتقلون يتعرضون لمعاملة سيئة من لحظة إلقاء القبض عليهم (الأوروبية)

داخل السجن
"موت بطيء وإذلال متواصل وحفلات تعذيب يومية لمدة عامين قضيتها في سجن وادي النطرون، وهو مكان للذل والقهر والتنكيل بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، بهذه الكلمات وصف المعتقل السابق سالم مصطفى رحلة اعتقاله.

وأضاف للجزيرة نت "ما إن تطأ قدماك أرض السجن حتى يتم استقبالك بالتشريفة، حيث يصطف عشرات الجنود في صفين متقابلين ويمر المعتقل وسط الجنود وهو يجري، بينما يقوم الجنود بضربه إما بالسياط وإما بعصي خشبية وبلاستيكية، وبعدها يتم تجريد المعتقل من ملابسه وإحراقها أمامه، ثم يتسلم ملابس السجن".

وأوضح أن إدارة السجن تمنع لفترات طويلة دخول الأدوية والطعام والشراب والملابس للمعتقلين، ومن يعترض على ذلك تلغى عنه الزيارات ويعاقب بالضرب والحبس الانفرادي لأيام أو أسابيع عدة.

وبسؤاله عن الزنزانة التي يحتجز بها المعتقلون، قال إنها مشيدة من الخرسانة المسلحة ولا توجد بها فتحات للتهوية، الأمر الذي يجعلها شديدة الحرارة صيفا، شديدة البرودة شتاء، مشيرا إلى أن الزنزانة الواحدة بها ما بين 40 و60 معتقلا، مما يضطرهم للتناوب على الجلوس والنوم والوقوف.

إدانة حقوقية دولية وتواطؤ محلي

شعارات عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والمصرية (الجزيرة نت)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

على الرغم من تواتر شهادات المعتقلين في السجون المصرية وأهاليهم، وكذلك توثيق وإدانة المنظمات الحقوقية الدولية لما يتعرض له المعتقلون من انتهاكات صارخة، لا يزال المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر يعزف منفردا بنفيه المتكرر وقوع تلك الانتهاكات.

المجلس، الذي زار مؤخرا سجن العقرب السيئ السمعة والذي يتعرض معتقلوه لأشد المعاملات سوءا حسب منظمات حقوقية دولية، أصدر تقريرا الخميس الماضي عن تلك الزيارة أكد فيه أنه "لا يوجد في السجون المصرية أي شبهة لتعذيب ممنهج".

ويأتي ذلك مخالفا لما حذر منه عضو المجلس ناصر أمين في تصريحات تلفزيونية قبل أيام من تعرض مسؤولين مصريين وشخصيات سياسية للمساءلة القانونية إذا استمرت الانتهاكات وحالات الإهمال داخل السجون.

منع الزيارات عن المعتقلين أحد أبرز أشكال المعاناة التي يعانيها المعتقلون وذويهم (رويترز)

غير مستقل
التقرير رفضته منظمات حقوقية، منها مؤسسة الكرامة الدولية التي قالت في بيان لها إنه "لا يمكن اعتبار المجلس جهة حقوقية مستقلة ومحايدة، فتقاريرها مطعون فيها وفي نتائجها بسبب عدم استقلالية المجلس وأعضائه، كونهم معينين من الدولة".

وبخلاف تقرير المجلس القومي الذي يرى فيه مراقبون تعبيرا عن رؤية السلطة في مصر، نددت منظمات حقوقية دولية بما تشهده السجون المصرية من انتهاكات ومخالفات جسيمة موثقين العديد منها في تقارير وبيانات.

منظمة العفو الدولية قالت في تقريرها السنوي الأخير إن السجون ومقار الاحتجاز في مصر تشهد "استخدام التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة على نحو روتيني مع المشتبه فيهم لانتزاع الاعترافات ومعاقبتهم وإهانتهم وأدى ذلك إلى العديد من الوفيات بين المعتقلين".

ورصدت المنظمة أساليب تعذيب منها "توجيه الصدمات الكهربية للأعضاء التناسلية وغيرها من المناطق الحساسة في الجسد، والضرب والتعليق من الأطراف مع تقييد الأيدي من الخلف، والإبقاء في أوضاع مؤلمة، والضرب، والاغتصاب".

مركز"النديم وثق 23 حالة وفاة في مقرات الاحتجاز خلال شهر مايو/أيار 2015 فقط (الفرنسية)

رصد وتوثيق
من جهته وثق مركز "النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب" 23 حالة وفاة في مقرات الاحتجاز خلال شهر مايو/أيار 2015.

وفي أحدث تقاريره الحقوقية، وثق مركز "هردو" لدعم التعبير الرقمي 2894 حالة تعذيب في المعتقلات المصرية خلال عام من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وقال المركز في تقرير بعنوان "جمهورية الخوف والتعذيب"، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، إن السجون المصرية تحولت إلى "سلخانات"، موثقا كذلك 3696 حالة اعتقال تعسفي، و255 حالة قتل خارج إطار القانون، و617 حالة إخفاء قسري.

بدورها رصدت المفوضية المصرية للحقوق والحريات في تقرير لها بعنوان "الموت في أماكن الاحتجاز" مقتل 268 شخصا داخل أماكن الاحتجاز في الفترة من 30 يونيو/حزيران 2013 وحتى 30 يونيو/حزيران 2015.

وأكد التقرير أن أوضاع السجون المصرية البالغ عددها 45 سجنا "غير آدمية وبالغة السوء"، مطالبا بتعيين لجان منتدبة من هيئات المجتمع المدني إلى جانب المجلس القومي لحقوق الإنسان للقيام بزيارات دورية للسجون.

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر في يونيو/حزيران الماضي، إن السلطات المصرية احتجزت ما لا يقل عن 41 ألف شخص خلال عامين، مما تسبب في الضغط على السجون ومفاقمة ظروف الاكتظاظ القائمة بأقسام الشرطة ومديريات الأمن

سياسات لا إنسانية
في حين قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير صدر في يونيو/حزيران الماضي، إن السلطات المصرية احتجزت ما لا يقل عن 41 ألف شخص بين يوليو/تموز 2013 ومايو/أيار 2014، مما تسبب في الضغط على السجون المصرية ومفاقمة ظروف الاكتظاظ القائمة في أقسام الشرطة ومديريات الأمن.

وأشارت إلى أن المنظمات الحقوقية المصرية وثقت ما لا يقل عن 124 وفاة أثناء الاحتجاز منذ أغسطس/آب 2013 نتيجة للإهمال الطبي أو التعذيب أو إساءة المعاملة.

أما المنظمة العربية لحقوق الإنسان فقالت في بيان لها مؤخرا إن "أعداد المتوفين والقتلى داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية آخذة في الارتفاع في ظل استمرار السياسات اللاإنسانية في التعامل مع المحتجزين من قبل الأجهزة الأمنية".

كما رصدت منظمة هيومن رايتس مونيتور "تعرض المعتقلين إلى معاملات قاسية من الضرب المبرح والتعذيب لمحاولة انتزاع اعترافات، بالإضافة إلى احتجاز في أماكن غير آدمية، والإهمال الطبي وتردي الخدمات الصحية المقدمة داخل السجون للمعتقلين المرضى".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك