حظيت انتخابات يونيو/حزيران التركية باهتمام دولي وإقليمي مستحق؛ فقد مثلت نتائجها علامة فارقة في التاريخ الحديث لهذا البلد، ولعل أبرز ما أتت به الصناديق كان دخول أكراد تركيا برلمانها، بوصفهم حزبا وليسوا نوابا مستقلين، لأول مرة منذ إنشاء الجمهورية عام 1923 على يد كمال أتاتورك.

لم يكن هناك شك في أن تلك النتيجة تحققت جزئيا بفضل فعالية حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، وجاذبية زعيمه صلاح الدين ديمرطاش، وقد سبق له قبل ذلك بعام أن نافس الزعيم التركي رجب طيب أردوغان على منصب الرئاسة، وحصد ما يزيد على 9% من الأصوات.

لكن الجاذبية والفعالية ليستا كافيتين وحدهما لتفسير هذا الاختراق التاريخي في الحالة الكردية-التركية المستعصية على الحل منذ عشرات السنين. ثمة أسباب أخرى أكثر عمقا أتاحت ذلك، وهي مرتبطة بتأثير الصفقة السياسية التي أجرتها حكومة حزب العدالة والتنمية مع عبد الله أوجلان الزعيم التاريخي لأكراد تركيا في سجنه، والتي أتاحت تحول أكراد تركيا من مطاردة الحلم بدولة مستقلة للأكراد، إلى وجهة أخرى لم تتضح ملامحها النهائية بعد، لكن وسيلتهم باتت السياسة وصناديق الاقتراع.

التسوية التاريخية المذكورة عقدت عام 2012، وأعلنت خطوطها العريضة في مارس/آذار 2013 من مدينة ديار بكر في احتفال الأكراد بعيد النوروز. وقد شارك ديمرطاش نفسه جزئيا في ترتيبها، عبر نقل الرسائل بين أوجلان والمسؤولين الأتراك. وهي عمليا تتخذ شكل خارطة طريق، تتضمن التزامات سياسية وعسكرية، يقوم بها حزب العمال الكردستاني ومقاتلوه داخل أراضي تركيا وخارجها، وتقابلها تشريعات وإجراءات وقرارات التزمتها حكومة أحمد داود أوغلو ويشرف عليها هو شخصيا، مع عشرة من وزرائه.

وغني عن القول، إن النجاحات التي شكلتها التسوية المذكورة -حتى الآن- فتحت الباب للتمثيل السياسي الكردي الأول من نوعه ضمن برلمان الجمهورية التركية، وهو ما كان يعد من المحظورات قبل مجيء حزب العدالة والتنمية عام 2002.

التغطية التالية تلقي ضوءا على مراحل هذا التحول التاريخي عبر تقارير وبطاقات معلوماتية ومقالات تحليلية.

تركيا وأكرادها

تركيا وأكرادها

 

يشير تقرير صادر عن "مجموعة الأزمات" أن الأكراد الموجودين في تركيا يمثلون 15% من الشعب. ووفقا للتقرير فإن 17.5% من المواطنين يصنفون أنفسهم على أنهم ينتمون إلى العرق الكردي. ويدَّعي بعضهم أن هذه النسبة قليلة، وأنها يجب أن تكون 25% على الأقل.


ويمثل الأكراد الأغلبية في 15 محافظة تركية من أصل 81، في حين يذهب بعض الأكراد إلى أن هناك 24 محافظة تضم غالبية ناطقة بالكردية. ويرى مراقبون أنه ليس بالإمكان رسم خطوط توضح المناطق التي تعتبر كردية من وجهة نظر إثنية أو لغوية.

ولفت التقرير إلى أن الأكراد الذين يريدون الانفصال عن تركيا كانوا يشكلون خمس الأكراد في العام 2011، بينما ارتفع هذا عددهم ليصل إلى الثلث عام 2013.

جدول زمني

طي صفحة الصراع

طي صفحة الصراع
صلاح الدين ديمرطاش وبرلمانية كردية مع أوجلان في سجنه عام 2012 خلال إعداد خارطة طريق لحل الأزمة الكردية(الجزيرة)

 

أعلن زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان "انتهاء مرحلة تاريخيّة قديمة، وبدء مرحلة تاريخيّة جديدة"، وذلك في رسالة ألقيت في احتفال مركزي أقيم بمدينة ديار بكر التركية ذات الأغلبيّة الكرديّة بمناسبة عيد النوروز في 21 مارس/آذار 2013.

ودعا أوجلان الجناح العسكريّ في حزبه إلى تجميد العمليات العسكريّة ضد الدولة التركيّة، وفسح المجال أمام الحل السياسي التفاوضي للمسألة الكرديّة.

جاءت هذه الدعوة ثمرة للمفاوضات المباشرة بين رئيس جهاز المخابرات التركيّة هاقان فيدان، وأوجلان في سجنه في جزيرة إيمرالي ببحر مرمرة، والتي بدأت عام 2012، وأُعلن عنها رسميًا مطلع2013.

يرى مراقبون أن التمرد المسلح الذي كان يقوده حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984 غالبا ما كانت تتم تنحيته جانبا على اعتبار أنه مبهم وبعيد، رغم أنه تسبب في مقتل ما يزيد على ثلاثين ألف شخص، وتكليف البلاد نحو ثلاثمئة مليار دولار.

ونجمت عن هذه المفاوضات خريطة طريق لحل المسألة الكرديّة، كشف عن تفاصيلها صلاح الدين ديمرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي في 27 شباط/فبراير 2013.

ويرى مراقبون أن التمرد المسلح الذي كان يقوده حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984 غالبا ما كانت تتم تنحيته جانبا على اعتبار أنه مبهم وبعيد، رغم أنه تسبب في مقتل ما يزيد على ثلاثين ألف شخص، وتكليف البلاد نحو ثلاثمئة مليار دولار، وتهجير مئات الآلاف، كما كان قريبا في عام 1988 من إشعال حرب بين تركيا وسوريا.

أهم فرصة
وتحت عنوان "تركيا وحزب العمال الكردستاني: جهود إنقاذ عملية السلام" نشرت المجموعة الدولية للأزمات في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني 2014 تقريرا تحدث عن أن الحوار بين الحكومة وحزب العمال انطلق أواخر عام 2012، ويمثل أهم فرصة لاتفاق سلام بين الطرفين، ويضيف أن الحكومة التركية وحزب العمال توصلا إلى خلاصة مفادها أنهما لن يستطيعا تحقيق نصرعسكري صريح لعدة أسباب، وأن الجيش التركي استطاع احتواء حزب العمال وليس القضاء عليه، وحزب العمال كان يسيطر على مساحات صغيرة في جنوب شرق تركيا ولكن لفترات قصيرة.

ويتابع أن الطرفين تفاوضا كثيرا ولم يصلا إلى اتفاق، ورغم الاحتكاك العرقي المتكرر، فليست هناك كراهية واسعة بين الأكراد والأتراك بالبلاد. ويواصل التقرير أن الطرفين لمسا الفوائد التي حصلا عليها من التطبيع وعملية الإصلاحات منذ عام 2005؛ فأنقرة باتت قادرة أكثر على العمل مع المناطق الكردية لمواجهة التنظيمات "الجهادية" التي تنتشر على حدودها بالعراق وسوريا.

وخلص التقرير إلى أن اتفاق السلام يفتح طرقا جديدة للدولة للتواصل مع حزب العمال الكردستاني الذي تعده "منظمة إرهابية"، وختم أنه بين أعوام 1999 و2005 سجل أول تواصل مباشر بين قيادات عسكرية وأوجلان، عندما سُجن الأخير.

وأشارت المجموعة في التقرير إلى أن الفترة بين 2008 و 2011 شهدت مقابلات ولقاءات سرية بين ممثلين عن المخابرات التركية وقادة بحزب العمال.

التقارب بين الطرفين بدأ في عهد الرئيس الأسبق تورغوت أوزال في الفترة بين 1991 و1993، حيث حوّل الحظر الكامل المفروض على استخدام اللغة الكرديّة بالمدارس الحكوميّة ودوائر الدولة إلى حظر جزئي.

يذكر أن التقارب بين الطرفين بدأ في عهد الرئيس الأسبق تورغوت أوزال في الفترة بين 1991 و1993، حيث حوّل الحظر الكامل المفروض على استخدام اللغة الكرديّة بالمدارس الحكوميّة ودوائر الدولة إلى حظر جزئي.

وبعد نجاح حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2007، بالحصول على نسبة 48.8% من أصوات الناخبين، مما منحه أغلبيّة مطلقة في البرلمان خوّلته تشكيل الحكومة وحده، برئاسة رجب طيب أرودغان، التي قامت بفتح تحقيق قضائي في محاولة انقلاب عسكري عليها، مما مثّل سابقة في الحياة السياسيّة التركيّة من حيث تجرّؤ حزب سياسي على الحد من تدخلات المؤسّسة العسكريّة في شؤون الحكم.

حل شامل
ومنحت العوامل السابقة أردوغان زخمًا شعبيًا وسياسيًا مكّنه من عرض مبادرة سياسية عام 2009 عُرفت "بمبادرة الانفتاح الديمقراطي"، وهدفت إلى إيجاد حل شامل ودائم للمسألة الكرديّة.

وفي عام 2009، بدأ الحديث من أردوغان والرئيس السابق عبد الله غل بشكل علني عن "القضية الكردية"، وكُسرت محرمات عدة، وتم افتتاح قناة تلفزيونية تبث باللغة الكردية مطلع عام 2009، وفُتحت أيضا مؤسسات خاصة لتعليم اللغة الكردية.

وفي 22 فبراير/شباط 2013، عرضت الحكومة مجموعة من التعديلات القانونيّة لتغيير إجراءات الاتّهام والتقاضي، بما قد يسهم في الإفراج عن آلاف المعتقلين الأكراد، سواء من المناصرين أو المنتسبين لحزب العمال الكردستاني.

ديمرطاش عراب الاختراق

طي صفحة الصراع
ديمرطاش دعا أولا إلى عصيان لغوي وثقافي(الفرنسية-أرشيف)

 

سياسي وحقوقي تركي من أصول كردية انتخب في البرلمان التركي لثلاث فترات متتالية. وكان رئيسا لحزب السلام والديمقراطية، مناصفة، ثم أصبح رئيسا لحزب الشعوب الديمقراطي مناصفة أيضا، فحقق بقيادته مفاجأة كبرى في تشريعيات 2015 بحصوله على نحو 80 مقعدا في البرلمان

اشتهر ديمرطاش المولود عام 1973 بدعوته المستمرة إلى "عصيان لغوي وثقافي" يرتكز على فرض اللغة والثقافة الكردية في المجالات المهنية والاقتصادية، كما حث الفنانين الأكراد على الغناء باللغة الكردية، وطالب المعلمين والأطباء باستخدام الكردية في مجالات عملهم، ودعا الطلبة إلى شن حملات لإجبار الحكومة على خلق مناهج للتدريس باللغة الكردية.

انتخب نائبا مستقلا عن ديار بكر في انتخابات 2007، وانضم إلى فريق الحزب الديمقراطي الاجتماعي.سُجن شقيقه نور الدين في وقت سابق بسبب انتمائه إلى حزب العمال الكردستاني، واستقر في جبال قنديل بشمالي العراق حيث يتخذ الحزب مقرا له.

وحسبما قال دميرطاش في مقابلات صحفية، فقد سمع بوجود عرق اسمه "الأكراد" في مرحلة الدراسة الثانوية لأول مرة. وكان لاغتيال رئيس حزب العمل الشعبي الكردي وداد آيدن في جريمة سجلت ضد مجهول عام 1991، فعل الشرارة التي أشعلت رغبته في الانخراط بالحركة السياسية الكردية.

 عمل ديمرطاش محاميا في قضايا حقوق الإنسان بمنطقة ديار بكر قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي في 2007.

 انتخب نائبا مستقلا عن ديار بكر في انتخابات 2007، وانضم إلى فريق الحزب الديمقراطي الاجتماعي.سُجن شقيقه نور الدين في وقت سابق بسبب انتمائه إلى حزب العمال الكردستاني، واستقر في جبال قنديل بشمالي العراق حيث يتخذ الحزب مقرا له.

التحق ديمرطاش بحزب السلام والديمقراطية الذي حل محل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي أغلق عام 2009 بقرار من المحكمة الدستورية التركية.

وخلال المؤتمر الأول للحزب في فبراير/شباط 2010 اختير دميرطاش على رأس الحزب مناصفة مع غولتان كيشناك.

أعيد انتخابه عام 2011 في البرلمان بعدما ترشح ضمن لائحة مشتركة بين حزبه و18 هيئة سياسية، وقد مهد هذا التحالف لإنشاء حزب الشعوب الديمقراطي برئاسة مشتركة بين ديمرطاش والسياسية فيغان يوكسيك داغ عام 2014

وفي سنة 2010 صدر حكم قضائي في حقه بالسجن عشرة أشهر بسبب خطاب ألقاه عام 2006، دعا فيه إلى "تثمين دور الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في حل المسألة الكردية". واعتبر هذا الموقف دعاية لمنظمة إرهابية، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني. لكن الحكم خفف ليتحول إلى إطلاق سراح تحت المراقبة لمدة خمس سنوات.

أعيد انتخابه عام 2011 في البرلمان بعدما ترشح ضمن لائحة مشتركة بين حزبه و18 هيئة سياسية، وقد مهد هذا التحالف لإنشاء حزب الشعوب الديمقراطي برئاسة مشتركة بين ديمرطاش والسياسية فيغان يوكسيك داغ عام 2014، وهي السنة نفسها التي ترشح فيها لانتخابات الرئاسة في مواجهة كل من رجب طيب أردوغان وأكمل الدين إحسان أوغلو، غير أنه حل ثالثا بنسبة لم تتجاوز 9.77% من الأصوات.

شهد حزب الشعوب الديمقراطي انعطافة نوعية في تشريعيات يونيو/حزيران 2015 حيث برز قوة لا يستهان بها في السياسة التركية بعدما تجاوز عتبة الـ10% التي يسمح بموجبها للأحزاب بدخول البرلمان. وحظي بنحو 80 مقعدا في البرلمان بعد فوزه بـ13% من مجموع الأصوات.

فيدان" الحارس السري"

طي صفحة الصراع
أردوغان وصف فيدان بأنه الحارس السري للدولة(غيتي إيمجز)

كمال شيخو

بعد سلسلة من الجولات المارثونية "السرية" بين الحكومات التركية وحزب العمال الكردستاني "المحظور" في تسعينيات القرن الماضي، تكشفت أنباء لمفاوضات سريّة كانت تعقد بين مسؤولين من الاستخبارات التركية، من بينهم هاكان فيدان، ومسؤول منظمة أوروبا لحزب الكردستاني صبري أوك في العاصمة النرويجية أوسلو بين عامي 2008 و2011.

المفاوضات بدأت أوائل العام 2008 إلا أنها تعثرت صيف العام 2011 بعد هجوم شنّه "الكردستاني" على نقطة عسكرية تركية، أودى بحياة عشرة جنود أتراك فقطعت السلطات التركية الاتصالات، مما أثار غضب زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.

بعدها أجرى أوجلان اتصالا هاتفياً بعضوة البرلمان ليلى زانا في 08/07/2012، وطلب منها الانخراط في العملية السلمية والاجتماع مع الحكومة التركية، لتعود المفاوضات من جديد، ولكن هذه المرة بين مدير المخابرات الأسبق هاكان فيدان مع أوجلان بشكل مباشر في سجنه بجزيرة إيمرالي.

 تم تعينيه مديراً عاماً للمخابرات التركية في مايو/أيار 2010، وعندما طلب الادعاء العام التركي استجوابه في العام 2012 لتسليط الضوء على دوره في محادثات أوسلو وقتها اعترض أردوغان، وأوعز لكتلته البرلمانية تقديم مشروع قانون يخول رئيس الوزراء استجواب وكلاء المخابرات لإبعاد الأنظار عن "الذراع الأمنية اليمنى لأردوغان" وحمايته من أي ملاحقة قضائية

وعقدت جولات عديدة من اللقاءات كانت تنقطع تارة لتعود ثانية، وكان لقادة حزب السلام والديمقراطية، ومن بينهم صلاح الدين دميرطاش، دور "ساعي البريد" بين إيمرالي وجبال قنديل حيث يعسكر متمردو حزب العمال.

أبرز اللاعبين
ويعتبر رئيس المخابرات التركية الأسبق هاكان فيدان أحد أبرز اللاعبين في إعلان عبد الله أوجلان وقف إطلاق النار في شهر مارس/آذار 2011، وإنهاء الصراع المستمر منذ أربعة عقود في البلاد.

هاكان فيدان تم تعينيه مديراً عاماً للمخابرات التركية في مايو/أيار 2010، وعندما طلب الادعاء العام التركي استجوابه في العام 2012 لتسليط الضوء على دوره في محادثات أوسلو وقتها اعترض أردوغان، وأوعز لكتلته البرلمانية تقديم مشروع قانون يخول رئيس الوزراء استجواب وكلاء المخابرات لإبعاد الأنظار عن "الذراع الأمنية اليمنى لأردوغان" وحمايته من أي ملاحقة قضائية.

وفي مقابلة صحفية وصف أردوغان المدير العام الأسبق للمخابرات هاكان فيدان بأنه "حارس بلدي السري، هو الحارس السري للدولة"، وذكر أنه "بيروقراطي جدا ومدرب تدريبا جيدا".

هاكان الذي يبلغ من العمر 47 عاماً، حياته الشخصية هي الأخرى سرية إلى حد كبير لشغله المناصب القيادية في سلك الاستخبارات الوطنية التركية والتي يرمز لها بـ"أم آي تي".

صف ضابط
خدم بداية في القوات المسلحة التركية كصف ضابط، بعدها عمل في فيلق الرد السريع لحلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا.

متزوج وأب لثلاثة أولاد، وحصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة ميريلاند. وحصل أيضا على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة بلكنت الخاصة في أنقرة.

ترأس فيدان الوكالة العامة للتنمية المعروفة باسم "تيكا"، التي تنشط في ولايات تركية وأفريقية وفي بلدان إسلامية أخرى، حيث تحاول تركيا كسب موطئ قدم في إطار إستراتيجيتها لتصبح قوة إقليمية.

وقبل أن يعين رئيسا جديدا لجهاز الاستخبارات، عمل فيدان في مكتب رجب طيب أردوغان نائب وكيل، كما عمل بشكل وثيق مع رئيس الوزراء الحالي أحمد داود أوغلو، وكان آنذاك وزيرا للخارجية.

أوجلان.. المرجع المعتقل

طي صفحة الصراع
أوجلان دعا أنصاره من سجنة لإنهاء الصراع(رويترز-أرشيف)

 

اعتُقل عبد الله أوجلان في 7 أبريل/نيسان 1973 بحجة حضور اجتماع محظور، وقضى سبعة أشهر في سجن ماماك، وعندما أطلق سراحه سكن مع باكي كراير وكمال بير، وشرعوا في تأسيس حزب العمال الكردستاني.

أسس أوجلان  - المولود في منطقة أروفة عام 1948- حزب العمال الكردستاني عام 1978، وغادر تركيا عام 1980 ليعمل من المنفى وخاصة من دمشق وسهل البقاع اللبناني الذي كان يخضع للسيطرة السورية.

أقام معسكرات تدريب لأعضاء حزبه في سهل البقاع، لكن سرعان ما تم إغلاقها على إثر ضغوط تركية. وقد بدأ الحزب بالقيام بعمليات عسكرية عام 1984 في تركيا والعراق وإيران سعيا لإنشاء وطن قومي للأكراد. وتعتبر دول عديدة حزب العمال الكردستاني تنظيما "إرهابيا"، من بينها أميركا والاتحاد الأوروبي وتركيا وأستراليا وإيران وسوريا.

وظل أوجلان يقيم في سوريا حتى عام 1998 حين ساءت العلاقات السورية التركية، واتهمت أنقرة دمشق بدعمها لحزب العمال الكردستاني، وتدهورت العلاقات بينهما، حتى طلبت سوريا من أوجلان الرحيل.

الاعتقال
نجحت المخابرات التركية في اعتقاله يوم 15 شباط/فبراير 1999 في العاصمة الكينية نيروبي، حيث نقل بطائرة خاصة إلى تركيا، ويتهم الأكراد المخابرات الإسرائيلية بالضلوع في عملية رصده وتعقبه بواسطة الهاتف النقال.

وقد احتجر بشكل انفرادي في جزيرة إمرالي في بحر مرمرة، وصدر بحقه حكم بالإعدام تحول فيما بعد إلى السجن مدى الحياة، بعد أن ألغت أنقرة عقوبة الإعدام في أغسطس/آب 2002.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2014 وجه عبد الله أوجلان رسالة إلى الحكومة التركية والأطراف الكردية شدد فيها على ضرورة التمسك بالسلام، وحذر من داخل السجن من مخططات إفشال مسيرة السلام.

وفي نهاية فبراير/شباط 2015 دعا أوجلان أنصاره إلى السعي لإنهاء الصراع المسلح مع تركيا -الذي استمر 30 عاما- معتبرا أن الحاجة ماسة إلى قرار وصفه بالتاريخي للتوصل إلى "حل ديمقراطي".

أردوغان صاحب المبادرة

طي صفحة الصراع
أردوغان طرح عام 2009 مبادرة الانفاح الديمقراطي(رويترز-أرشيف)

 

في سن مبكرة انخرط رجب طيب أردوغان في حزب "السلامة الوطنية" الذي تأسس عام 1972 بزعامة نجم الدين أربكان، ثم أصبح عضوا في حزب "الرفاه" ثم "الفضيلة" اللذين أسسهما أربكان إثر موجات الحظر التي كانت تطال أحزابه، بفعل التضييق على الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية.

اغتنم  أردوغان-  المولود عام 1954- فرصة حظر حزب الفضيلة لينشق مع عدد من الأعضاء -من بينهم عبد الله غل- ويشكلوا حزب العدالة والتنمية عام 2001.

ومنذ البداية أراد أردوغان أن يدفع عن حزبه أي شبهة استمرار الصلة الأيديولوجية مع أربكان وتياره الإسلامي الذي أغضب المؤسسات العلمانية مرات عدة، فأعلن أن "العدالة والتنمية" سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية.

قاد حزب العدالة والتنمية إلى احتلال الصدارة في المشهد السياسي التركي فحقق الفوز في الانتخابات التشريعية عام 2002 وحصل على 363 مقعدا في البرلمان التركي وهو ما مكنه من تكوين أغلبية ساحقة.

وبسبب تبعات حكم قضائي منعه من العمل في الوظائف الحكومية، لم يتمكن من ترؤس الحكومة في البداية فتولى رئاستها عبد الله غل حتى 14 مارس/آذار 2003 ليتولاها أردوغان بعد إسقاط الحكم عنه في هذا التاريخ.

وفي الانتخابات التشريعية عام 2007 تمكن حزب العدالة والتنمية من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان بـ46.6% من أصوات الناخبين وحصل في انتخابات 2011 على الأغلبية للمرة الثالثة بحوالي 50% من أصوات الناخبين.

متسلحا بالتفويض الشعبي أعطى أردوغان في العام 2008 الضوء الأخضر لأول اتصال غير معلن مع حزب العمال الكردستاني المحظور ، وفي العام التالي أطلق مبادرته السياسية المعروفة" بالانفتاح الديمقراطي" لحل المشكلة الكردية.

في أغسطس/آب 2014 فاز في أول انتخابات رئاسية ينتخب فيها رئيس جمهوري تركي بالانتخاب المباشر، وحقق الفوز في الشوط الأول متقدما على منافسين أحدهما صلاح الدين ديمرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد.

مسار المصالحة

مسار المصالحة
الزخم الشعبي الذي حصل عليه أردوغان أتاح له عرض مبادئ المصالحة مع الأكراد عام 2009 (الفرنسية-أرشيف)

 

تجاوز حزب العدالة والتنمية خطوطا حمراء كثيرة حين اتخذ خطوة تجاه حزب العمال الكردستاني لوقف حمام الدماء الممتد منذ عام 1984، والذي استنزف تركيا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

فبعد وصول الحزب عام 2002 إلى الحكم، لم يتغيّر التعاطي الأمني والعسكري مع المشكلة الكرديّة لأن الحزب تجاهل في الدورة البرلمانية 2002-2007 عرض مقترحات أو حلول سياسية تخص المسألة الكردية، تجنبًا لصدام مبكر مع المؤسسة العسكرية وبعض أحزاب المعارضة، ولا سيما حزب الحركة القومية المعروف بتصلبه تجاه مسألة الأكراد.

كما أن حزب العدالة والتنمية لم يكن يمتلك أغلبية برلمانية كافية لتشكيل الحكومة بمفرده، ولا يستطيع عرض حلول لقضية ذات إشكالية كبيرة كالمسألة الكردية من دون التوافق مع الكتل الحزبية الكبرى في البرلمان. يضاف إلى ذلك تداعيات الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وظهور كردستان العراق، وتمركز مقاتلي حزب العمال الكردستاني فيه.

حدث تغيّر في هذا الواقع بعد الانتخابات البرلمانية التركية عام 2007، فقد نجح حزب العدالة والتنمية في الحصول على نسبة 48.8% من أصوات الناخبين، مما منحه أغلبية مطلقة في البرلمان خوّلته تشكيل الحكومة وحده.

دخلت الحكومة عام 2012 في عملية تفاوضية مع الأكراد، ولكن بأسلوب جديد، وهو التفاوض المباشر مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.

وفي هذا العام أيضًا، فتحت حكومة رجب طيب أردوغان تحقيقا قضائيا في محاولة انقلاب عسكري عليها، مما مثّل سابقة في الحياة السياسية التركية من حيث تجرؤ حزب سياسي على الحد من تدخلات المؤسسة العسكرية في شؤون الحكم خارج مهامها الدستورية.

منحت العوامل السابقة أردوغان زخمًا شعبيًا وسياسيًا مكنه من عرض مبادرة سياسية عام 2009 عُرفت باسم "مبادرة الانفتاح الديمقراطي"، وهدفت إلى إيجاد حل شامل ودائم للمسألة الكردية. في هذا العام سمحت الحكومة بالتحدث بالكردية في التلفزيون الحكومي، وأتاحت للمدارس الخاصة تعليم الكردية وإلغاء قسم الولاء الصباحي الذي يعتبره الأكراد وسيلة تمييز.

وقد بدأ أردوغان منذ نهاية العام 2008 مفاوضات غير مباشرة مع قادة حزب العمال بوساطة نرويجية، نتج عنها هدنة عسكرية بين الطرفين استمرت حتى منتصف العام 2011. لكن المواجهات العسكرية عادت بين الطرفين إثر هجوم شنّه مقاتلو الحزب ضد الجيش التركي في يوليو/تموز 2011.

ورغم تجدّد المواجهات العسكرية، أصرت الحكومة التركية على إمكانية حل المسألة الكردية بالطرق السياسية والتفاوضية.

ولتحقيق ذلك، دخلت الحكومة عام 2012 في عملية تفاوضية مع الأكراد، ولكن بأسلوب جديد، وهو التفاوض المباشر مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.

في 21 فبراير/شباط من العام نفسه، سلم أوجلان الحكومة التركية مسودة خارطة طريق لحل شامل ودائم للمسألة الكردية، أعقبه عرضُ الحكومة التركية مجموعة من التعديلات القانونية لتغيير إجراءات الاتهام والتقاضي بما قد يسهم في الإفراج عن آلاف المعتقلين الأكراد

وفي العام نفسه شرع رئيس المخابرات التركية هاقان فيدان في إجراء اتصالات مباشرة مع أوجلان في سجنه. وقد سُمح للأخير للمرة الأولى في يوليو/تموز 2012 بالتواصل هاتفيًا مع قادة في حزب السلام والديمقراطية الكردي. تلا ذلك يوم 3 يناير/كانون الثاني 2013، زيارة قام بها نائبان عن الحزب ذاته إلى سجن إيمرالي من أجل لقاء أوجلان، مما اعتبر إحدى النتائج الإيجابية للمفاوضات السرية بين أوجلان وفيدان.

وفي 21 فبراير/شباط من العام نفسه، سلم أوجلان الحكومة التركية مسودة خارطة طريق لحل شامل ودائم للمسألة الكردية، أعقبه عرضُ الحكومة التركية مجموعة من التعديلات القانونية لتغيير إجراءات الاتهام والتقاضي بما قد يسهم في الإفراج عن آلاف المعتقلين الأكراد، سواء من المناصرين أو المنتسبين لحزب العمال الكردستاني. وقد ساهمت هذه الخطوة في إفراج الحزب عن الموظفين العموميين الأتراك الثمانية يوم 12 مارس/آذار 2013 بناءً على تعليمات من أوجلان.

وبعد ذلك بعشرة أيام وتحديدا يوم 21 مارس/آذار، جاءت رسالة أوجلان التي تليت في ديار بكر في عيد النيروز لتعلن بدء الوقف الفعلي لإطلاق النار من جانب واحد (حزب العمال)، وتتوج مسارا طويلا من المفاوضات وضع  تصورا مفصلا لحل المسألة الكردية في تركيا.

وفي مطلع العام 2014 أنشأت الحكومة آلية قانونية لتحديد خطط العمل والمتابعة، برئاسة رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو إلى جانب أحد نوابه، وضمت أيضا عشرة وزراء تولوا الإشراف والرقابة على عشر لجان مراقبة وتقييم.

أكراد تركيا وصورتها:مقال

للقراءة إضغط

مستقبل السلام:مقال

للقراءة إضغط

من الجزيرة

تقارير

حزب الشعوب الديمقراطي مفاجأة الانتخابات التركية

المشهد السياسي التركي أمام خيارات أزمة

نداء أوجلان .. هل يصمت البنادق بين الأكراد والأتراك؟

عبد الله أوجلان يشدد على التمسك بالسلام

تركيا والدعم الغربي لحزب العمال الكردستاني

البرزاني وأردوغان يدشنان معالم مرحلة كردية جديدة

احتجاجات تركيا والقضية الكردية

اختتام مؤتمر السلام والديمقراطية الكردي بأنقرة

لجنة حكماء لدعم السلام بتركيا

العمال الكردستاني يرحب بدعوة أوجلان للإلقاء السلاح

انتخابات الرئاسة بتركيا خطابات متنوعة وهدف واحد

برامج


مراد قرايلان.. حزب العمال الكردستاني

إمكانية حوار تركي مع حزب العمال الكردستاني

صالح مسلم.. الاتهامات الموجهة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني


مقالات


تركيا.. انتصار الكرد وخيارات الانتخابات المبكرة

الانتخابات التركية .. قراءة في النتائج والسيناريوهات

دلالات التغيير في قيادة الكردستاني

صمت البنادق..هدنة تركيا وحزب العمال الكردستاني

تركيا ومعركة الانتخابات الرئاسية

 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك