عرض/أمل عيسى
في هذا الكتاب يشكك مايكل إريك دايسون، وهو أستاذ علم الاجتماع في جامعة جورج تاون الأميركية، في أن الأميركيين يعيشون فعلا تحت رئاسة سوداء، ليس بسبب أن أوباما ليس من السود، ولكن لأنه ما زال ملتزما بالقواعد والطقوس التي تفرض على السود احترام البيض وعلى إعطاء البيض التفوق والسمو. فحتى زعيم العالم الحر لابد أن يتوافق مع توقعات البيض.

ومع ازدياد سخونة السباق الرئاسي الأميركي، وارتفاع وتيرة المصادمات بين الشرطة الأميركية والسود بعد حوادث إطلاق النار على السود من جانب الشرطة ثم تطور الأمر إلى عمليات انتقام ومصادمات؛ يصبح السؤال المطروح الآن بقوة؛ هل غيرت فترة رئاسة أوباما الواقع الأميركي حيال السياسات العرقية؟

يقول المؤلف بداية: "إن ما نعلمه عن أوباما يشي لنا بالكثير حول ما نفهمه عن أنفسنا، فواقعه العنصري هو نفس واقعنا أيضا، واقع ثابت لم يتغير أبدا عن أي وقت مضى". ويضيف: هذه الحقيقة تتضح تماما عندما نتفهم أنفسنا كمشروع قومي.. وعندما نعرف حجم "الإحباطات والتوقعات من رئاسة أوباما وكيف أنه يمثل بلا مواربة أعمق شكوكنا وأكثر آمالنا مرونة. يجب أن نركز على ما يقوله أوباما وما يفعله، الخطابات التي ألقاها والسياسة التي سنّها أو التي فشل في تنفيذها وفرضها".

-العنوان: الرئاسة السوداء.. باراك أوباما وسياسة العرق في أميركا
-المؤلف: مايكل إريك دايسون
-الناشر: هوتون ميفلين هاركورت، بوسطن، ماساشوستس، الولايات المتحدة الأميركية
-عدد الصفحات: 368 صفحة
-الطبعة: الأولى، 2016

ليس رئيسا للسود
في فصل بعنوان كيف تصبح رئيسا أسود؛ ينقل المؤلف قول القس "كيفن جونسون" الذي كان أحد كبار داعمي الرئيس أوباما والذي عمل بقوة لإنجاحه في انتخابات 2008 و 2012 "أوباما رئيس للجميع لكنه ليس رئيسا للسود". مجلس وزراء أوباما أو أعضاء إدارته للفترة الثانية من رئاسته افتقرت لوجود القادة السود، فعند المقارنة مع غيره من الرؤساء الأميركيين السابقين له نجد كلينتون معه سبعة من القيادات السود في المناصب الرفيعة في الدولة، ومع بوش أربعة في حين لا تحتوي إدارة أوباما سوى على واحد فقط من الأميركيين ذوي الأصل الأفريقي.

ومع الاعتراف بأن وجود السود في المناصب الرفيعة لا يضمن لعرقهم التقدم اقتصاديا ولكنه على الأقل يضعهم في مقعد القيادة إلى جانب العرق الأبيض، يقول جونسون: "في عهد أوباما لم يعد السود في العربة أصلا". كان الأمر مسيئا لمجتمع السود فنسبة 96% من ذلك المجتمع صوتت لأوباما في انتخابات 2008، ثم انخفضت النسبة إلى 93% في انتخابات 2012.

حاول الكاتب تقييم كيف تم استغلال العرق ضد أوباما، وكيف استخدم أوباما العرق، مشيرا إلى أن جزءا من المشكلة يكمن في الطريقة التي يرى بها أوباما الأمور، فهو يفضل المشاريع الكبيرة، مثل الإصلاح الاقتصادي وأنظمة الرعاية الصحية، ولا ينظر للخطط التي تهدف لمساعدة شرائح محددة في المجتمع، وهذه المشاريع العملاقة لم تفعل شيئا لمساعدة السود. ويضيف دايسون كان أوباما يفكر بطريقة عكسية تماما وغير صحيحة.

كيف تفادى السياسة العرقية؟
في الفصل السادس يؤكد المؤلف أن أوباما صنع مساواة زائفة بين مخاوف البيض ومعاناة السود مع وحشية الشرطة التي ظلت لعقود تمثل مخلفات فترة الستينات المستمرة حتى الآن، ولا يمكن أن يبرر اشمئزاز البيض من تقاسم الفضاء الاجتماعي مع السود لمجرد الخوف من جريمة يرتكبها السود.

يمضي دايسون مؤكدا أن أوباما يميل ميلا قويا لتأنيب السود على ما يحدث، والتحدث إليهم بطريقة استعلائية بدلا من التغيير في البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي تعرقل المجتمع الأسود. ويعتقد المؤلف أن هذا الميل مصدره خوف أوباما من خسارة أصوات الناخبين البيض، لذلك يحمل السود المسؤولية حتى لا يفهم البيض أنه يتهمهم بوجود دور لهم في الأزمة. كما نجح أوباما -وفقا للمؤلف- في إيجاد طريقة للحديث عن أزمة السياسة العرقية دون إثارة غضب البيض، ودون القلق أيضا من خسارة أصوات الناخبين السود.

وتعليقا على حادثة فيرجسون عندما أطلق ضابط شرطة النار على مراهق أميركي أسود غير مسلح وقتله، ثم فشلت هيئة المحلفين الكبرى في توجيه الاتهام لضابط الشرطة، مما أدى لاشتعال الاحتجاجات على المعاملة العنيفة غير المبررة وفشل الحماية القضائية؛ يقول المؤلف في الفصل السابع: "وفي ظل انتظار مجتمع السود لتحرك من أوباما ظهرت شاشات الأخبار وهي تنقل صور ومشاهد المصادمات والغاز المسيل للدموع والعنف ضد المتظاهرين، بينما في جانب الشاشة يظهر أوباما وسيما شديد اللهجة في مؤتمر صحفي عقده بالبيت الأبيض تعليقا على الأحداث؛ محاولا التأكيد على أنه ليس رئيسا للسود بل لأميركا كلها، فهو لم يتحدث عن معاناة السود أو التمييز ضدهم.

وينقل الكاتب أيضا ما دار بينه وبين الرئيس من حديث في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض وقول أوباما: "القوة الأخلاقية ليست فقط مسألة من يحصل على ماذا، لكنها بدلا من ذلك أن يكون كل شخص في البلاد جزءا من العائلة الأميركية، ويجلس معهم على نفس الطاولة. وهذا لا يعني أن نجلس على الطاولة وننسى من أين أتينا؛ ولكن علينا أن ننسى الماضي الأشد إيلاما".

ثم يعقب المؤلف على هذا القول: "ماذا لو حاول الرئيس الشعور بالحاجة للمناقشة بوضوح للأجزاء الأشد إيلاما من ماضينا التي يريد أوباما أن ينساها السود، ماذا لو فقط يناقش خطأ الرق وخطأ قوانين (جيم كرو) للفصل العنصري بالجنوب، والتي استمرت مطبقة من عصر إعادة بناء الولايات المتحدة (1865 - 1877) وحتى عام 1965 عندما ألغيت شكليا وما زالت سارية في كثير من المجتمعات الأميركية وتملأ القلوب. كيف يطلب التعهد بالولاء التام لمملكة الكراهية تحت راية التعصب؟!

ثم تأتي حادثة قتل الطفل "تامير رايس" البالغ من العمر اثني عشر عاما فقط على يد ضابط شرطة، بينما كان الطفل يلهو بلعبة على شكل مسدس في حديقة عامة، ورصدت كاميرات المراقبة أن الشرطي لم يعط الطفل فرصة حتى ليظهر مسدسه اللعبة أو حتى للرد.

وفي ولاية أوهايو بالقرب من مدينة دايتون قتلت الشرطة شابا في أوائل العشرينيات من العمر يدعى "جون كروفورد" لمجرد أنه تجرأ والتقط مسدسا من على الرف في متجر وول مارت. ليتصل أحد الزبائن البيض بالنجدة ويقول إن الشاب يهدد حياته، ثم تحضر الشرطة وتقتل الشاب فورا، وبعد ذلك يقر الرجل الأبيض لصحيفة الغارديان أنه لم يقل مثل هذا الادعاء، ويخلي القضاء سبيل الضابط لأنهم وجدوه غير مذنب.

الأسبوع الأعظم
يأتي الأسبوع الأخير من يونيو/حزيران 2015 كأعظم أسبوع في فترة رئاسة أوباما كلها، كما يقول المؤلف في الفصل الثامن، ومن أعظم الأسابيع التي مرت على أي رئيس من قبل. كانت المحكمة العليا للولايات المتحدة قد أعطت أوباما عدة انتصارات مفاجئة؛ أولها دعم خطة الرئيس لإعانات التأمين الصحي على مستوى الأمة والمسماة "أوباما كير".

ثم دعمت المحكمة أيضا الحجة القانونية المركزية التي وضعتها إدارة أوباما وهي أن ادعاءات التمييز العنصري في مجال الإسكان ينبغي أن لا تكون محدودة بمسائل النوايا فقط، بل يجب أن يكون لها أثر تمييزي محدد. وفي اليوم التالي مباشرة أيدت شرعية الزواج المثلي الذي يؤيده أوباما. ثم جاء الانتصار الكبير الذي تحقق بعد حصول الرئيس على الضوء الأخضر من البرلمان لمناقشة اتفاقية التجارة للمحيط الهادي مع إحدى عشرة دولة.

توالت الانتصارات على أوباما طيلة ذلك الأسبوع، لكن وقعت حادثة صادمة للبلاد عندما قتل تسعة من السود الأبرياء في كنيسة عمانوئيل بمدينة تشارلستون بولاية كارولاينا الجنوبية أثناء الصلاة؛ تزامنا مع انتصارات أوباما القانونية والخارجية، وخرج الرئيس الأسود لينعي من سقطوا في الجريمة. كان الخطاب الأكثر حساسية وأهمية في تاريخ رئاسته، وتحدث الرئيس عن شهداء حرية السود، كان خطابا من أشد الخطابات وضوحا لأوباما، فحرية الأمة ليست في أحسن حالاتها.

أشاد أوباما بالقس "كليمنتا بينكي" الذي كان محبوبا وسط رعية الكنيسة المحلية وسقط مع القتلى؛ فقال: "كان رجلا يؤمن بأيام أفضل أمامنا". وأضاف أوباما: "هذه المأساة الرهيبة تظهر لنا كم كنا غافلين، فقد تجاهلنا طويلا الفوضى التي تتسبب بها الأسلحة، وكيف يواصل الماضي رسم معالم الحاضر". وذلك في إشارة إلى إرث الجنوب في الاستعباد والعنصرية.

لم يتوقف الرئيس الأميركي عند ذلك الحد؛ بل قال في لقاء تليفزيوني وذكر في مدونته: "لم نتخلص بعد من العنصرية". وأضاف: "لم تعد العنصرية تتعلق فقط بمجرد لفظ أسود، بل بإرث العبودية؛ التمييز في كافة أوجه الحياة تقريبا، إن التمييز العنصري جزء من الحمض النووي الأميركي".

كان أوباما بعد هذه الحادثة يبدو واعدا بأن تكون رئاسته سوداء زاهية عن أي وقت مضى، ولكن ذلك لم يستمر طويلا؛ حيث عاد الرئيس إلى سيرته الأولى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك