هذا الكتاب ليس تسفارا في معارك الدولة الإسلامية فحسب، بل هو تتبع دقيق لحالة التشبيك المعقد بينها وبين الغرب عقائد وحكومات وجيوشا واستخبارات، ولحالة الإسلام مذاهب واتجاهات وسياقات نفسية وسياسية.

عرض/ المسلمي الكباشي
صدر هذا الكتاب في الخرطوم بعنوان: "تنظيم الدولة الاسلامية (داعش).. إدارة التوحش"، فتلقفته الأيدي ونفدت طبعته الأولى قبل مضي أسبوعه الأول. مؤلفه هو السفير عبد الله حمد الأزرق، سفير السودان الأسبق في لندن ووكيل وزارة الخارجية السابق وسفير السودان الحالي في سويسرا ومندوبه الدائم بمكتب الأمم المتحدة بجنيف.

الكتاب بحجم 285 صفحة من القطع المتوسط، ويزخر بمعلومات وفيرة ومتعددة المصادر، تحاول  وصف وتحليل الظاهرة التي تسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام.

منابع داعش
الدولة الإسلامية في العراق والشام هي النسخة المتطورة من القاعدة، في مسار ما يسميه البعض التطرّف الإسلامي ويطلق عليه مؤيدوه الجهاد الإسلامي، الذي كان أهم تجلياته "القاعدة" الناتجة عن تجربة مواجهة الغزو السوفياتي لأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي.

الكتاب: تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)..إدارة التوحش
المؤلف: السفير عبد الله حمد الأزرق
الناشر:
عدد الصفحات: 285
الطبعة: الأولى 2015

غير أن كثيرين يَرَوْن في القاعدة أقدارا من التعقل ومرونة الفقه مقارنة بداعش، فالقاعدة تستهدف بالدرجة الأولى غير المسلمين أما نسخة الدولة الاسلامية (داعش) فتصوّب نحو الجميع، الغرب الذي  تحمّله مسؤولية ما حاق بالعالم الإسلامي، فضلا عن المسلمين الذين لا يؤيدونها ولا تراهم غير مرتدين وبغاة يجب جهادهم.

ويرى الكتاب أنه بالرغم من اتحاد المنابع الفكرية للقاعدة وداعش وتطور الأخيرة العضوي عن الأولى فإن هناك ظروفا جعلت داعش أكثر عنفا وأوسع انتشارا وأعمق أثرا (إذ بلغت داعش بالفكرة الجهادية أقصى درجات الإشباع) كما يقول الكتاب. ويرجع كثيرون ومنهم مؤلف الكتاب سبب ذلك إلى سوء إدارة الغرب للظاهرة التي يسميها "الاٍرهاب الإسلامي".

خريجو السجون
"العنف لا يولد إلا مزيدا من العنف". إذا كانت المنابع الفكرية للسلفية الجهادية هي منطلقات داعش النظرية فإن السجون كانت هي المنبع العملي الذي غذى الأنفس بأقدار من الحنق والغضب كافية لتأسيس هذا القدر من المواجهة العنيفة، إذ إن جل القادة الذين أسسوا الفصائل المقاتلة كانوا خريجي السجون التى ذاقوا فيها من ضروب التعذيب ما أسّس لديهم قاعدة نفسية لفهم الأشياء والأفكار، والتعامل معها.

فكما خرج من سجن "كافي" بالعراق البغدادي والعشرات الذين بدؤوا التشبيك الأولي للدولة الإسلامية، تخرج في سجن "صدنايا" العسكري في سوريا ثلاثة من أهم القادة الذين أسسوا أكثر الحركات قوة، وأصبح هؤلاء الثلاثة يقودون 60% من مقاتلي المعارضة في سوريا في فترة ما. وكما قال قائد معسكر "بوكا" الذي سجن فيه البغدادي فالسجون "طنجرة ضغط التطرّف".

الحرب العادلة
ليست السجون فحسب ولكن تراكم مرارات العلاقة بين عالم الإسلام والغرب التي كان في سياقها المعاصر، الغزو الأميركي لأفغانستان والغزو الأميركي للعراق الذي أطاح الدولة وحلّ مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وأحال السلطة إلى المكون الشيعي مما خلق بيئة حاضنة للتطرف السنّي استكملت حلقاتها بالمواجهة العنيفة للثورة السورية، فكان طبيعيا أن ينتج  ذلك ثماره المرّة.

تراكم مرارات العلاقة بين الإسلام والغرب التي كان في سياقها المعاصر، الغزو الأميركي لأفغانستان والعراق، وممارسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وحماية القوى الغربية للأنظمة القهرية، خلق بيئة حاضنة للتطرف السنّي

هذا إضافة إلى ما يولّده كل يوم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وتحمّل الحركات الإسلامية الغرب مسؤولية زرع الكيان الصهيوني وسط الأمة  ورعاية إرهابه للفلسطينيين وحرب الإبادة التي يمارسها كل يوم، مما أثمر  حالة من الشعور العميق بالمهانة لدى المسلمين.

وكذلك حماية القوى الغربية الأنظمة القهرية التي جثمت على صدور شعوب البلدان الإسلامية ولم تخلّف غير الاستبداد والتخلف، فالغرب الذي يرمي العالم الإسلامي بحمم هذه الحروب يشنها في سياق الادعاء بـ"التفوق الأخلاقي" وهي في نظره حرب الحرية ضد الإرهاب، ولا يأبه لضحاياها المدنيين (فقد قالت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأميركية سابقا تعليقا على وفاة 500 ألف طفل عراقي بعد حرب الخليج الأولى نتيجة لما قامت به بلادها "نعتقد أن الثمن مناسب".

إسلاميون وبعثيون
يشير الكاتب إلى مصادر متعددة شكلت فكر داعش إلا أن أبا بكر ناجي الذي يعتقد أنه محمد خليل الحكايمة المشهور بأبي جهاد المصري يعتبر أهم من رفد المشروع الجهادي بمقوماته الفكرية في كتابه الموسوم بـ"إدارة التوحش" الذي قدم فيه نقدا لكل التمظهرات الفكرية السياسية الإسلامية المعاصرة وخلص إلى ثلاث مراحل لتأسيس الدولة الإسلامية:

1- مرحلة شوكة النكاية والإنهاك.
2-  مرحلة إدارة التوحش.
3- مرحلة شوكة التمكين وهي مرحلة قيام الدولة.

وصف ناجي بدقة المراحل المختلفة واعتُبرت أطروحته الدليل الفكري والعملي لعمليات داعش، حيث طبقت بدقة في كل التحركات والعمليات العسكرية، وهي تقوم على إظهار الشدة المفرطة إزاء الأعداء بقطع الرؤوس، وقتل المناوئين من الجنود بالمئات، ورجم الزناة، ورمي المثليين من مرتفعات شاهقة، والحرق بالنار، وتصوير هذه العمليات بأدق  المهارات الفنية في التصوير، وبثها بأسرع وأشمل وأوسع الطرق وأنجع الأساليب، مما قاد إلى اعتراف الغربيين بمهارة الدولة الإسلامية في تقنيات الإعلام والاتصالات والكمبيوتر ووصف عناصرها بأنهم مهرة وحاذقون. والهدف حسب صاحب إدارة التوحش هو أن "يفكر عدونا ألف مرة قبل أن يهاجمنا".

أما الإستراتيجية الأمنية فقد وضعها سمير عبد محمد الخليفاوي، العقيد السابق في استخبارات صدام حسين في مدينة تل رفعت الذي عرف فيما بعد بحاجي بكر. الإستراتيجية تتضمن التصور  الإستراتيجي للجهاز الأمني والاستخباري وعلاقته بالأجهزة الأخرى بما يحقق التحكم في العمليات والأراضي التي يزمع التوسع فيها، مستفيدا من علاقاته السابقة بالاستخبارات السورية بعيد الاحتلال الأميركي للعراق.

من الواضح كما يشير إليه المؤلف في مواضع كثيرة أن داعش استفادت بأقدار كبيرة من الضباط البعثيين الذين حملهم الغزو الأميركي للعراق على الانخراط في مواجهة الغربيين سواء بدافع المقاومة، أو البحث عن دور وعمل بعد حل الأميركيين الأجهزة العسكرية والأمنية للدولة العراقية.

لذلك كان نجاح داعش ثمرة مزاوجة بين القدرات الفنية لضباط صدام حسين والروح الاستشهادية لأفراد الدولة أو الروح الانتحارية في رأي خصومهم، حتى أصبح نائبا البغدادي لواءين من جيش صدام، الأول ضابط المخابرات في القوات الخاصة البعثية أبو مسلم التركماني، والثاني اللواء في الجيش العراقي قبل الغزو أبو جاسم العراقي.

معلوم قدرة الدولة الإسلامية على استقطاب المقاتلين من خارج أرض الخلافة سواء كانوا مسلمين عربا أو غيرهم، لكن الظاهرة اللافتة هي تزايد التحاق النساء بداعش وخاصة من خارج الجغرافية العربية الإسلامية

المجاهدات
معلوم قدرة الدولة الإسلامية على استقطاب المقاتلين من خارج أرض الخلافة سواء كانوا مسلمين عربا أو غيرهم، وقد بلغ عددهم ثلاثين ألفا من حجم القوة المقدر بأكثر من مائة ألف مقاتل. وليس بدعا في تاريخ الحروب والثورات تناصر المتماثلين فكريا وسياسيا، ولكن الظاهرة اللافتة هي تزايد التحاق النساء بداعش وخاصة من خارج الجغرافية العربية الإسلامية إذ إن من بين 4000 غربي هناك 550 فتاة أي أكثر من 10%.

والدراسات تفيد أن هؤلاء الفتيات جئن من خلفيات متطورة نسبيا اقتصاديا ومتماسكة اجتماعيا، ومتنوعة عرقيا وجغرافيا مما عسّر تحليل الظاهرة، ولكن دراسات متعددة حسب الكتاب تقرر أن الغربيات منهن على وجه الخصوص ينظرن باحتقار إلى مشروع التحرير الغربي للمرأة، فهن يَرَيْنه مكرا وخديعة مثلما يَرَيْنه جَنسَنة للمرأة to sexualize .(Emancipation) .

وأشار الكتاب إلى أن فكرة "جهاد النكاح" إنما روجت لها أجهزة المخابرات، وأنها لا تخلو من سذاجة بدليل أنها لم تحدث أثرا في اندفاع الفتيات للالتحاق بداعش.

خلاصات
الكتاب تطواف واسع كاد أن يحتوي الظاهرة لوفرة المعلومات حولها، وقد احتفظ الكاتب فيه بمسافة واحدة من الدولة الإسلامية وخصومها حتى إنه يطلق على عملياتها عبارتي الاستشهادية في نظر الدولة والانتحارية في نظر خصومها.

عبر صفحات الكتاب خلص الكاتب إلى أن الحركات الجهادية غدت تجمع "يائسين" منّا جميعا، فإن لم نستوعبهم فسيصيرون أكثر يأسًا، ومن ثم أكثر حقدا وكراهية لنا، وكلما نما يأسهم ازداد وتفاقم تطرفهم، ولابد من طريقة لاستيعابهم.

والخلاصة الأخرى أن الكاتب لا يرى إمكانية البقاء للدولة الإسلامية  فهي في نظره لا تستطيع تحقيق شعارها "باقية وتتمدد" ولكنه يرى أن إزالتها لا تعني تحقيق الأمن والسلام والاستقرار.

الكتاب ليس فقط تسفارا في معارك الدولة الإسلامية، بل هو تتبع دقيق لحالة التشبيك المعقد بينها وبين الغرب عقائد وحكومات وجيوشا واستخبارات

ويتساءل إلى أين سيذهب هؤلاء الألوف الذين يقاتلون في صفها وماذا سنفعل بهم؟ هل سنقتل مئات الألوف؟! لقد كان مع بن لادن بعد تورا بورا حوالي ألف مجاهد، والآن يدعم البغدادي مئات الألوف، والقاعدة تقول إن كل مجاهد ينتج مائة في عشر سنين. هل هذا يعني أن الموجة القادمة سيكون فيها ملايين الجهاديين؟!

وأخيرا، كتاب السفير الأزرق ليس فقط تسفارا في معارك الدولة الإسلامية، بل هو تتبع دقيق لحالة التشبيك المعقد بينها وبين الغرب عقائد وحكومات وجيوشا واستخبارات، ولحالة الإسلام مذاهب واتجاهات وسياقات نفسية وسياسية.

والنتيجة أن الظاهرة أعمق وأوسع من وسمها بالتطرف ثم يغلق باب الاجتهاد. الظاهرة اشتباك حضاري وهي تحتاج إلى تفكيك أدق ومراجعة أعمق إن أريد السلام، أما الذين يستهويهم المضي في درب المواجهة واستدامة التوتر فهي مثالية لذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك