عبد الوهاب المؤدب   
الاثنين 1436/2/9 هـ - الموافق 1/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)

أديب وأكاديمي فرنسي من أصل تونسي، تخصص في دراسة الأدب ودرّسه في فرنسا وأوروبا. أثار جدلا كبيرا لانتقاداته اللاذعة للإسلام والمسلمين، وطالب بتبني الصوفية بديلا "للإسلام الحركي".

المولد والنشأة
ولد عبد الوهاب المؤدب عام 1946 في تونس لأسرة علمية محافظة كان يقول إنها انتقلت من الأندلس إلى المغرب ثم إلى تونس، اشتغل كل من جده ووالده بتدريس القراءات وأصول الفقه في جامع الزيتونة، وبدأ حفظ القرآن وتعلم الكتابة وهو في السنة الرابعة من عمره.

الدراسة والتكوين
بدأ المؤدب دراسته الابتدائية في مدرسة الصادقية -التي أسست في أواخر القرن 19- وعمره ست سنوات، وواصل دراسته داخل بلاده إلى سنة 1967 فالتحق بجامعة السوربون في فرنسا لدراسة الأدب الفرنسي.

ناقش عام 1991 أطروحته للدكتوراه في الأدب المقارن تحت عنوان "الكتابة والجينيالوجيا المزدوجة".

الوظائف والمسؤوليات
اشتغل المؤدب في التدريس بجامعة باريس نانتير في تخصص الأدب المقارن والدراسات الفرنكفونية، كما عمل أستاذا زائرا بجامعات يال الأميركية وجنيف السويسرية وفلورنسا الإيطالية.

أشرف على مجلة ديدال (باللغة الفرنسية)، وأنتج برنامجا منتظما بإذاعة "فرانس الثقافات" بعنوان "ثقافة الإسلام"، كان يناقش فيه القضايا المرتبطة بالمسلمين وعلاقتهم مع الغرب.

المسيرة الفكرية
ارتبط المؤدب منذ طفولته بالثقافة الفرنسية وقرأ لكثير من الكتاب والأدباء الفرنسيين، وتكرس عشقه للأدب الفرنكفوني بجامعة السوربون.

لم تقتصر إسهامات المؤدب الفكرية على الشعر والرواية -وهي من الأجناس الأدبية التي كتب فيها واعتنى بها ترجمة وتدريسا وتحليلا- بل امتدت إلى مجالات الكتابة أو المحاولة النقدية، من خلال تسليط الضوء على بعض التيارات الفكرية التي أثارت الضجيج في التراث العربي الإسلامي من مثل نصوص ابن عربي.

وانشغل المؤدب بترجمة مؤلفات بعض المتصوفة الفرس مثل شهاب الدين السهروردي وأبو يزيد البسطامي، إيمانا منه بأهمية الترجمة في تكريس التواصل الثقافي الخلاق ومناهضة التعصب الفكري.

كما اهتم بالمتصوفة والشعراء العرب القدامى والفرس، وتركز ذلك في النموذج المقارن الذي بلوره بين ابن عربي ودانتي: نموذج التقاطع الثقافي الذي تنتجه روافد الحداثة الفكرية من رحم الثقافتين العربية الإسلامية والغربية، وهو النموذج الذي يمنح نصوصه خصوصية الالتزام الفكري الحداثي والتنويري باعتباره التزاما ينهض ضد الرجعية والعنف الدينيين.

كان المؤدب يرى في الصوفية دواء للتطرف، لأن أدبيات التصوف ـبحسب رأيه ـ تعطي للآخر قيمة كبرى مهما كان انتماؤه العقدي أو المذهبي. وكان يردد أن المتصوفة يعترفون ويؤمنون بحق الآخر في اختيار معتقده الديني، ولم يكن يفوت مناسبة إلا وتحدث فيها بإعجاب كبير عن ابن عربي ليؤكد أنه نموذج للانفتاح من داخل الصف الإسلامي، موضحا أنه كان يعترف حتى بعبدة الأوثان والنبات.

تبنى عددا من المواقف والأطروحات التي جلبت له انتقادات عديدة، ومنها موقفه من شعيرة عيد الأضحى التي طالب -في حوار بث على إذاعة فرنسا الثقافية قبل سنوات قليلة من وفاته- المسلمين بالتخلي عنها وتعويضها "بطقس رمزي"، موضحا أن الاستمرار في تطبيقها دليل على "عدم الرغبة في التطور"، ومؤكدا أن الاستمرار في ذبح مئات الآلاف من الأنعام "تكريس لثقافة الدم".

كما فاجأ مستمعي الإذاعة السويسرية (سويس رومان الأولى) يوم 3 ديسمبر/كانون الأول 2009 حيث قال عن المسلمين إن "90% منهم مجرد بهائم"، وهو ما أصاب الصحفييْن اللذين كانا يستجوبانه بالدهشة، ودفعهما لمحاصرته بالأسئلة ليوضح هو فيما بعد أنه يتحدث عن مواقفه وآرائه بكل صراحة ولو كانت جارحة.

أثار المؤدب، كذلك، ضجة -خلال حلقة نقاشية شهيرة مع المفكر السويسري ذي الأصول المصرية طارق رمضان على القناة الفرنسية الثالثة- بحديثه عن تضامنه الكامل مع إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن في شن الحرب على أفغانستان عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، مؤكدا أن مقتل الألوف من الأفغان بسبب القصف الأميركي تتحمل مسؤوليته حركة طالبان فقط.

وُجهت له انتقادات لاذعة أيضا بسبب مهادنته لنظام الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي وعدم توجيه أي انتقادات له، بل وقبول تكريم السفارة التونسية له في باريس عام 2004 "لمجهوداته في مواجهة التطرف والمتطرفين"، ثم تغيير موقفه بعد ثورة الياسمين وخلع بن علي.

المؤلفات
ألف المؤدب نحو ثلاثين كتابا، من أشهرها "مرض الإسلام" (La maladie de l'Islam) الذي يلخص مشروعه الفكري.

أشرف مع المؤرخ بنيامين ستورا على إصدار كتاب موسوعي (مشروع أكاديمي) عن تاريخ اليهود والمسلمين شارك فيه 120 كاتبا ومفكرا من أنحاء العالم، وهي محاولة للرجوع إلى الماضي وتغذية الحاضر والمستقبل بقيم التسامح والانفتاح، بحسب وصف المؤدب نفسه.

ترجم إلى الفرنسية رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الطيب صالح.

من رواياته "فانتازيا" (1986)، و"الغزالة والطفل" (1992)، و"محطات يال التسعة والتسعون"
(1995).

ومن محاولاته النقدية التي ترجمت إلى أكثر من عشر لغات أجنبية: "المنفى الغربي" (2005)، و"الإسلام نصيب الكوني" (2006)، و"الخروج من اللعنة.. الإسلام بين الحضارة والهمجية" (2007)، كما كتب المؤدب في التاريخ المعاصر بالاشتراك مع مؤرخين فرنسيين بارزين مثل بنيامين ستورا وكوليت فلوس.

وبالإضافة إلى مؤلفاته، كان يطل على الجمهور عبر الأثير من خلال إذاعة البحر الأبيض المتوسط "ميدي 1" ليقدم قراءاته لتطورات الساحة العربية والعالمية.

الجوائز
حصد المؤدب جوائز كثيرة بينها جائزة الدوحة عاصمة للثقافة العربية عن مجمل أعماله، وجائزة فرانسوا مورياك عن كتابه "مرض الإسلام".

وذلك إلى جانب جائزة بنيامين فوندان عن كتابه "مواعظ مضادة"، وجائزة ماكس جاكوب عن ديوانه الشعري "خامة العصافير".

الوفاة
توفي عبد الوهاب المؤدب يوم 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2014  بمصحة بيزي بالعاصمة الفرنسية باريس، بسبب مضاعفات إصابته بسرطان الرئة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة