أمبرتو إيكو.. "وردة" قطفها الموت   
السبت 1437/5/13 هـ - الموافق 20/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 23:30 (مكة المكرمة)، 20:30 (غرينتش)

روائي وناقد أدبي وفيلسوف وأكاديمي إيطالي، تخصص في تاريخ وآداب القرون الوسطى ويوصف بأنه رائد علم السيميائية. اشتهر بروايته الذائعة الصيت "اسم الوردة"، ويُعتبر من ألمع المفكرين الإيطاليين وأحد عظماء الأدب العالمي المعاصر، لما حظي به من نجاح أدبي في أنحاء العالم.

المولد والنشأة
ولد أمبرتو إيكو يوم 5 يناير/كانون الثاني عام 1932 في مدينة أليساندريا بإقليم بيدمونت شمالي إيطاليا، لأسرة متوسطة الحال يعمل والدها في مجال المحاسبة المالية.

الدراسة والتكوين
واصل إيكو تعليمه النظامي حتى التحق بالجامعة في مدينة تورينو لدراسة المحاماة، لكنه عدل عن ذلك لاحقا مفضلا التخصص في فلسفة وآداب القرون الوسطى الأوروبية. وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1954 بأطروحة أعدها عن الإشكالية الجمالية عند توما الأكويني. وكان يجيد عدة لغات.

التوجه الفكري
يصنف إيكو ضمن مفكري تيار اليسار الإيطالي.

الوظائف والمسؤوليات
درّس إيكو الفلسفة في جامعة تورينو، وعمل في بعض وسائل الإعلام (الإذاعة والتلفزيون) ودور النشر، ثم أصبح عام 1971 أستاذا لعلم السيميائية في جامعة بولونيا التي تعد من أعرق الجامعات الأوروبية، كما كان أستاذا لتاريخ القرون الوسطى في العديد من الجامعات، لكنه توقف عن التدريس في عام 2007 ليتفرغ للكتابة والتأليف.

التجربة الأدبية
عُرف إيكو في بداية مسيرته الثقافية بمؤلفاته النظرية في فلسفة اللغة وعلم الدلالة في بنية النص الأدبي، إضافة إلى كونه مؤرخا خبيرا بآداب القرون الوسطى. ولم يبدأ تجربته الأدبية إلا بعد أن قارب الخمسين من عمره، حين ذاع صيته عام 1980 بعد نشر روايته التاريخية الأولى والمشوقة "اسم الوردة" التي تدور أحداثها في القرون الوسطى.

وقد حققت هذه الرواية مبيعات بملايين النسخ على مدار العقود الثلاثة الماضية وترجمت إلى 43 لغة، وتحولت إلى فيلم سينمائي في عام 1986 أخرجه المخرج الفرنسي جان جاك أنو، ولعب فيه دور البطولة النجم شون كونري الذي جسد شخصية راهب في القرن الرابع عشر يكافح الخرافات من أجل حل لغز جريمة قتل تمت في دير.

يعد إيكو من أشهر مفكري إيطاليا، ويمتلك مكتبتين في ميلانو وريميني تحتويان على خمسين ألف كتاب من بينها 1200 عنوان نادر.

ورغم أن الكتابة أكسبته شهرة عالمية؛ فإن إيكو يعتبرها مجرد اهتمام جانبي ممتع ويرى نفسه فيها مجرد "هاوٍ"، حسب ما كتبه عن نفسه في كتابه "اعترافات روائي شاب".

وفي المجال الأدبي يعد نفسه "شابا رائعا وروائيا واعدا" لا يرغب في الكتابة لمجرد التسلية لكنه يريد أيضا الإثارة، ولا يعتبر نفسه ضمن "هؤلاء الكتاب السيئين الذين يدّعون أنهم يكتبون فقط لأنفسهم". ويوافق كثير من قرائه على ذلك.

يربط إيكو ببراعة خيوط القصة في رواياته منوعا في مستويات السرد، ويفتح ويغلق أبواب الفخاخ ويتلاعب بأسلوبه حول متاهات العقل العلمي التاريخي، ويدمج في جميع رواياته بين الأحلام والنظريات وذكريات الماضي والأوهام الخيالية. ويرى أن "القاص لا يمكنه اختراع أي شيء يقترب من بعيد بفكاهة ودراما الواقع".

في كتابه "لا نهائية القوائم: من هوميروس حتى جويس" -الذي كتبه من وحي طلب وجهته إليه إدارة متحف اللوفر الفرنسي سنة 2009- يؤرخ أمبرتو إيكو للولع الغربي بـ"القائمة"، آخذا من كتالوج السفن في إلياذة هوميروس شارة البدء، ومعرجا على الأدبيات القروسطيّة، لينتهي بالعصرين الحداثي وما بعده.

وهو يمتحن في هذا الكتاب ظاهرة الجمع وإنشاء القوائم ووضع الموسوعات والتصنيف على امتداد العصور التي خلت، ذاهبا إلى أن ثمّة عودا أبديا إلى "ثيمة" القائمة والهوس بها يميز التاريخ الأوروبي. ويقول عن ولعه بالقوائم: "لو قيّض لامرئ قراءة رواياتي، فإنه سيجدها تغصّ بالقوائم. وقد تمثلت أصول هذا الولع في مادتين درستهما شابّا، وهما: النصوص القروسطيّة وأعمال جيمس جويس".

يرسم إيكو -في روايته "مقبرة براغ"- صورة مرعبة عن الشر المعمم الذي يتقنع بأقنعة الدين والأدب والفن والعلم والفلسفة. يظهر بطله وكأنه يفتح الصندوق الأسود لحكماء صهيون فيكشف سلطة الماسونية الشبحية، ودورها في صناعة القرار ورسم السياسات وتغيير الخرائط وتنصيب قادة وزعماء. يؤمن بالشر دافعا وقائدا ومحركا للبشر، وما ينتجه من إفرازات على هامش افتعال الحروب والأزمات في أكثر من بقعة.

يكتب الراوي في "مقبرة براغ" ما يفترض أنها وقائع ليلة من ليالي 1880 اجتمع فيها عدد من أحبار اليهود في مقبرة براغ ليدونوا بروتوكولاتهم، التي عُرفت لاحقا ببروتوكولات حكماء صهيون وتشتمل -حسب الرواية- على كره الآخر ومعاداته، وتنطوي على سياسة تسعى لتفتيت العالم بغية السيطرة عليه، وأوجب فيها أصحابها ضرورة العمل على البدء بمخططهم لتحقيق أحلامهم بغزو العالم والهيمنة عليه.

اشتهر إيكو بوصفه روائيا، لكن أعماله شملت أيضا مجالات أخرى مثل الفلسفة واللغويات وعلوم الرموز، وكان له حضور لافت في وسائل الإعلام سواء من خلال كتابة أعمدة ثابتة في أرقى المنابر الصحفية أو من خلال تحليلاته العميقة لمختلف أشكال العملية الإعلامية. وقد مكّنه النجاح الذي حظي به في أنحاء العالم من التميز كواحد من عظماء الأدب العالمي المعاصر.

المؤلفات
ألف إيكو مجموعة كبيرة من الكتب وترجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وقد أتبعها روايته الأولى "اسم الزهرة" (1980) بروايات أخرى، هي: "بندول فوكو" (عام 1988)، و"جزيرة البارحة" (عام 1994)، و"باودولينو".

ومن أشهر رواياته "مقبرة براغ" (2010) التي قوبلت بانتقادات حادة من الفاتيكان وبعض اليهود لتناولها معاداة السامية ونظريات مؤامرة واسعة النطاق اكتست لبوسا جديدا مختلفا كل مرة، وكشف فيها النقاب عن بعض الحقائق التاريخية التي يتم التكتم عليها أو إخفاؤها.

وصدرت روايته الأخيرة عام 2015 بعنوان "العدد صفر" التي ينتقد فيها نظرية المؤامرة، ومن مؤلفاته أيضا: كتاب "ست نزهات في غابة السرد" (1994)، و"اعترافات روائي شاب" الذي يكشف فيه عن أسلوبه في الكتابة، وكتاب "لا نهائية القوائم: من هوميروس حتى جويس" الذي نقله إلى العربية المترجم الأردني ناصر مصطفى أبو الهيجاء.

الجوائز والأوسمة
حصل إيكو على أكثر من 30 دكتوراه فخرية، لكن كثيرين يستغربون أن جائزة نوبل ظلت مستعصية عليه حتى وفاته، رغم مكانته الأدبية العالمية.

الوفاة
توفي أمبرتو إيكو في ساعة متأخرة من مساء الجمعة 19 فبراير/شباط 2016 بعد صراع دام سنوات مع مرض السرطان، مختتما مسيرة أدبية وأكاديمية وفكرية طويلة.

وقد أبدت كبريات الصحف الإيطالية اهتماما كبيرا برحيله؛ إذ علقت صحيفة "لاريبوبليكا" على نبأ وفاته قائلة إن "العالم فقد واحدا من أهم وجوه الثقافة المعاصرة"، بينما وصفته يومية "كورييري ديلا سيرا" بأنه "يعد واحدا من أشهر المثقفين في إيطاليا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة