العربي بن مبارك.. الجوهرة المغربية السوداء   
الأحد 28/5/1437 هـ - الموافق 6/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 12:02 (مكة المكرمة)، 9:02 (غرينتش)

العربي بن مبارك واحد من أشهر لاعبي كرة القدم في تاريخ المغرب وأفريقيا وأوروبا، وكان يعد في ثلاثينيات القرن الماضي من نجوم الصف الأول في فرنسا وإسبانيا، حمل لقب "الجوهرة السوداء".

تحتفظ به الذاكرة الرياضية العالمية كمهاجم قوي وسريع وذي مهارات فنية عالية، فضلا عن موهبته في تسجيل الأهداف، صنع أمجاد نوادٍ كثيرة من قبيل أتليتيكو مدريد وأولمبيك مارسيليا ونادي فرنسا

المولد والنشأة
ولد العربي بن مبارك يوم 16 يونيو/حزيران 1917 بمدينة الدار البيضاء. نشأ يتيما حيث تعهدته جدته، وعاش طفولته بحي شعبي في وضع اقتصادي متواضع اضطره مبكرا إلى تعاطي بعض الأعمال البسيطة لمساعدة الأسرة، حيث كان مستخدما لدى محل للنجارة. 

الدراسة والتكوين
شغف الطفل بن مبارك بممارسة لعب كرة القدم في المساحات الفارغة التي كانت توجد بمختلف أحياء الدار البيضاء، المدينة التي كانت تتوسع في ظل نظام الاحتلال الفرنسي. فقد كانت ملاعب هذه الأحياء بمثابة مدارس التكوين التي تخرج فيها نجوم الكرة المغربية، في غياب بنيات رياضية احترافية.

وقد دفعه الولع بالكرة من جهة وصعوبة الوضع الاقتصادي من جهة أخرى إلى مغادرة المدرسة مبكرا دون أن يجتاز المرحلة الابتدائية، رغم حرص جدته على ثنيه عن هوايته. وكان بالموازاة مع ذلك يمارس أيضا رياضة الملاكمة. 

التجربة الرياضية
بدأ اسم العربي بن مبارك يُتداول في أوساط متابعي الكرة بالأحياء الشعبية التي كانت المدرسة الحقيقية للاعبي الكرة آنذاك، وساهم في تكوين فريق بالحي الذي يقطن به، ليصل صيته من خلال دوريات الهواة إلى المنقبين عن المواهب، فانضم لفريق "اليسام" المشهور حينئذ.

ومن محيطه الشعبي المتواضع نقلته موهبته الفذة إلى فرنسا، حيث انضم بن مبارك سنة 1938 إلى أولمبيك مرسيليا ليكون أول لاعب عربي يحترف بأوروبا.

ومع هذا النادي تألق العربي بأهدافه ومراوغاته وقوة اختراقه للدفاع، وقاد فريقه لاحتلال الرتبة الثانية في الدوري. لكن المسيرة توقفت مباشرة بعد الموسم الأول بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939.

بعد نهاية الحرب استأنف بن مبارك مسيرته في فرنسا رفقة نادي ستاد باريس الذي حقق معه الصعود إلى الدوري الممتاز، واستطاع احتلال المرتبة الخامسة في موسمه الأول.

أصبح العربي محط أطماع الأندية الأوروبية الكبرى لكنه فضل انطلاقا من عام 1948 التحليق في سماء مدريد نجما مع فريق الأتليتيكو الذي لمع فيه كواحد من أكبر مهاجمي الدوري الإسباني. وشكل مع السويدي كارلسون أقوى ثنائي هجومي في إسبانيا، وتم التعاقد معه بمبلغ 17 مليون فرنك فرنسي، وهو ثروة طائلة في ذلك الوقت.

حصل بن مبارك مع الأتليتيكو على لقب الليغا في موسم 1949/1950، ثم في السنة الموالية 1950/1951. وغادر الفريق في نهاية الموسم الكروي 1953/1952 بعد أن سجل له 56 هدفا في 113 مباراة، على مدى خمسة مواسم.

عاد بن مبارك عام 1951 إلى نادي مرسيليا الذي تألق في صفوفه إلى غاية 1955 موعد اعتزاله الدولي. وما زال أرشيف الصحف الإسبانية الكبرى مثل ماركا ولفنغوارديا، يحفل بمواد حول إنجازات النجم الراحل.

حظي النجم المغربي بن مبارك بإشادة من "الملك" بيليه الذي أثنى على مهاراته الفنية. وقد نسب إلى بيليه -الذي تجمعه صورة شهيرة بالراحل- قوله "إن كنت أنا ملك الكرة، فإن بن مبارك هو إلهها".

وجدير بالذكر أن العربي بن مبارك لعب بألوان المنتخب الفرنسي ابتداء من عام 1938 بسبب وجود المغرب آنذاك تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية. وحمل قميصه 18 مرة، سجل منها ثلاث مرات. 

عاد العربي بن مبارك إلى المغرب حيث مارس التدريب مع نادي الاتحاد الرباطي ثم النجم البيضاوي، وكان أول مدرب للمنتخب المغربي. 

الجوائز والأوسمة
عبر مسيرته اللامعة -التي جعلته حسب المؤرخين الرياضيين أول لاعب أفريقي يعيش مجد النجومية- فاز العربي بن مبارك بلقب الدوري الإسباني مع أتليتيكو مدريد في موسميْ 1950
و1951.

وحاز كأس إسبانيا الممتازة عام 1951، ونال بطولة شمال أفريقيا مع الاتحاد الرياضي المغربي سنوات 1937 و1940 و1941 و1942 و1943.

وفي فبراير/شباط 1990، وشح الراحل من طرف الكونفدرالية الأفريقية لكرة القدم بوسام الاستحقاق تقديرا لمساره الرياضي المتميز، وخصص له نادي مرسيليا تكريما بعد وفاته.

وتكريما لذكراه، قدم المخرج المغربي إدريس المريني فيلما سينمائيا حول سيرته بعنوان "العربي".

الوفاة
بعد سنوات من المجد الرياضي، دخل العربي بن مبارك طور النسيان في سنينه الأخيرة التي أمضاها في وحدة وعزلة، وعانى الكثير إثر وفاة زوجته الفرنسية "لويز" التي تنحدر من أسرة فرنسية من النبلاء، وكانت قد اعتنقت الإسلام وحملت اسم "مليكة".

وفي 16 سبتمبر/أيلول 1992، عُثر على العربي بن مبارك ميتا في بيته فتبين أنه فارق الحياة قبل ثلاثة أيام وحيدا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة