ديفد ريكاردو   
الخميس 1436/9/2 هـ - الموافق 18/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:52 (مكة المكرمة)، 10:52 (غرينتش)

اقتصادي وسياسي إنجليزي، يُعدّ من أبرز رموز المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد، وهو مؤلف أحد أهم الكتب في تاريخ الاقتصاد السياسي "مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب"، وصاحب عدة نظريات اقتصادية من أشهرها نظرية "الميزات النسبية" في مجال التجارة الدولية. 

المولد والنشأة
ولد ديفد ريكاردو يوم 18 أبريل/نيسان 1772 في مدينة لندن لأسرة يهودية بورجوازية من أصول برتغالية هاجرت إلى هولندا ثم استقرت في إنجلترا قادمة من أمستردام سنة 1760. بدأ العمل بمعية والده وهو في 14 من عمره، وكان والده يشتغل سمسارا في بورصة لندن.

انفصل عنه والداه حين بلغ من العمر 21 عاما بسبب زواجه من فتاة تنتمي إلى طائفة "الكويكر" المسيحية، فاشتغل لحسابه الخاص في مجال السمسرة في البورصة والمصارف وحقق ثروة مهمة في غضون سنوات قليلة. 

الدراسة والتكوين
أرسلته أسرته للدراسة في هولندا، فتلقى تعليمه الأساسي وعاد إلى لندن عام 1786. وكان قد تعلم الكثير -من خلال عمله مع والده- في مجال السمسرة، وتعرف على عمل المصارف وأسواق الأوراق المالية، ووعى أهمية هذه المؤسسات وتأثيرها في لاقتصاد.

وبعد أن جمع ثروة مهمة، واشترى عددا من الأراضي، تفرغ لدراسة الفكر الاقتصادي ونظرياته، وكان ذلك سنة 1814. 

التوجه الفكري
تأثر ريكاردو بالأفكار الاقتصادية الليبرالية لآدم سميث بعد الاطلاع على كتاب "ثروة الأمم" سنة 1799، كما ساهمت صحبته للاقتصاديين جيمس ميل وتوماس مالتوس اللذيْن عاصراه في تطوره الفكري، بالإضافة إلى أثر صديقه الفيلسوف ومؤسس مذهب النفعية جيريمي بنتام في تشكل قناعاته الفكرية.

يعتبر ريكاردو اقتصاديا ليبراليا بجدارة، ومدافعا عن حرية العمل والتجارة والتبادل الحر بين الأمم. 

الوظائف والمسؤوليات
عمل ريكاردو سمسارا في مجال الأسواق المالية والمصارف إلى أن بلغ 42 من العمر، ثم اعتزل العمل وتفرغ للدراسة والتأليف والعمل السياسي.

حصل على مقعد في مجلس العموم البريطاني سنة 1819 وبقي نائبا فيه حتى سنة 1823، حيث اضطره المرض إلى التقاعد قبل وفاته بأشهر. 

التجربة الفكرية
بدأت رحلة ريكاردو مع التأليف والإنتاج الفكري بمناسبة الحروب النابليونية، التي منحته الفرصة للتعبير عن أفكاره الاقتصادية من خلال مجموعة من المقالات نشرتها صحيفة "مورنينغ كرونيكل" في الفترة 1809ـ1810، تحدث فيها عن أن سبب المشاكل المالية التي تتخبط فيها إنجلترا من تضخم وإيقاف لقابلية تحويل العملة الورقية إلى الذهب، يكمن في إصدار بنك إنجلترا للعملة الورقية بشكل مفرط إبان فترة الحرب، وربط ذلك بانخفاض قيمة العملة النقدية الإنجليزية.

 ثم اعتمد على هذه المقالات لنشر أول مؤلَّف له بعنوان "السعر المرتفع لسبائك الذهب، دليل على انخفاض قيمة العملة الورقية" في عام 1811، وقد تبنت السلطات أطروحاته في إعادة تنظيم بنك إنجلترا. ويُعتبر هذا العمل بمثابة الأساسات العلمية الأولى للنظرية الكمية للنقود. 

أصدر ريكاردو بعد تفرغه لدراسة الفكر الاقتصادي النظري كتابا بعنوان "مقالة حول تأثير الأسعار المنخفضة للقمح على أرباح الرأسمال" في عام 1815، وسعى فيه إلى تحليل العلاقة بين الريع العقاري والأجور والأرباح في اقتصاد يعتمد على منتَج وحيد هو القمح. ثم عمم تحليله ليشمل اقتصادا متنوعا في كتابه المشهور "مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب"، الذي صدر عام 1817 وأعاد نشره عامي 1819 و1821 بعد تنقيحه وتعميق الأسس العلمية لنظريته. 

كانت لريكاردو عدة إسهامات في تطوير علم الاقتصاد السياسي. وإن لم يكن الرجل أكاديميا على شاكلة آدم سميث أو توماس مالتوس، فقد اعتمد في صياغة أفكاره ونظرياته على منهجية علمية صارمة، وقد أضاف الجانب العملي في حياته طابعا أكثر واقعية لأفكاره.

وتُعَدُّ نظرية الميزة النسبية أهم إسهام لريكاردو في علم الاقتصاد. وقد أوضح عبر هذه النظرية أن من مصلحة كل بلد أن يتخصص في إنتاج السلع التي لا تكلفه كثيرا مقارنة بباقي السلع التي ينتجها، حتى وإن كانت بلدان أخرى في العالم تستطيع إنتاج هذه السلع بتكلفة أقل منه.

ويتحتم على كل بلد استيراد السلع التي يتنازل عن إنتاجها من باقي الدول التي تملك ميزة نسبية في إنتاجها. وتسمح هذه النظرية بتجاوز قصور نظرية الميزة المطلقة التي صاغها آدم سميث، حيث إنها لا تضمن مكانا في التجارة الدولية للدول التي لا تملك أي ميزة مطلقة في إنتاج أي سلعة. 

كما أعاد ريكاردو صياغة مفهوم سميث عن القيمة، وأوضح أن العمل هو وحده الذي يحدد القيمة التبادلية للسلع وليست المنفعة التي تحققها للإنسان، محتجا بأن سلعا مثل الماء تحقق منفعة جمة لكنها لا تملك أي قيمة تبادلية نظرا لوجودها بوفرة.

وقد استبعد أيضا أن يكون الريع العائد من امتلاك الأرض مصدرا للقيمة. وطوّر مفهوم "الأجر الطبيعي" (أجر الكفاف بالنسبة للعمال)، وهو الأجر الذي يوفر للعامل ضروريات العيش من مأكل وملبس ومسكن، وذهب إلى أن الأجور تخضع لقانون يحكم عليها بالاستقرار عند مستوى هذا الأجر الطبيعي. 

وأوضح أن الاقتصاد يتجه إلى حالة من الركود على المدى الطويل بسبب ندرة الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية من جهة، والعوائد التنازلية للإنتاج من جهة أخرى، مما يؤدي إلى ميل معدل الربح إلى الانخفاض المستمر ويدفع إلى توقف عملية التراكم الرأسمالي عندما تنعدم الأرباح. 

وبالرغم من الأثر الحسن الذي تركته أفكار ريكاردو في بريطانيا خلال القرن 19، فإنها تعرضت للعديد من الانتقادات بلغت أوجها مع بروز أقطاب المدرسة الكلاسيكية الجديدة في الاقتصاد مثل وليام ستانلي جيفونز، وليون فالراس، وألفريد مارشال. 

المؤلفات
يُعد "مبادئ الاقتصاد السياسي والضرائب" أهم كتاب ألَّفه ريكاردو إلى جانب مؤلفات أخرى منها "السعر المرتفع لسبائك الذهب، دليل على انخفاض قيمة العملة الورقية"، و"ملاحظات عملية حول تقرير لجنة سبائك الذهب"، و"مقالة حول تأثير الأسعار المنخفضة للقمح على أرباح الرأسمال". 

الوفاة
تُوفِي ديفد ريكاردو يوم 11 سبتمبر/أيلول 1823 عن عمر يناهز 51 عاما، بعد إصابته بالتهاب في الأذن امتد إلى داخل الرأس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة