حمد الجاسر.. همْداني الجزيرة العربية   
الثلاثاء 1437/6/7 هـ - الموافق 15/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)

حمد الجاسر مؤرخ وجغرافي وإعلامي سعودي، أصدر كتبا وأبحاثا في مجالات اللغة والبلدان والخيل والأنساب. له حضور واسع في الحقلين الثقافي والتعليمي، ويعد أحد رواد الصحافة المكتوبة في السعودية ومنطقة الخليج عموما. نال العديد من الجوائز وشهادات التقدير خلال مسيرته المهنية الطويلة.

المولد والنشأة
وُلد حمد بن محمد بن الجاسر آل الجاسر عام 1910 في قرية البرود (إقليم السر في منطقة نجد) بالسعودية، ونشأ في أسرة بسيطة الحال فقد كان والده فلاحا.

كان الجاسر ضعيف البنية ولم يستطع مساعدة أبيه في الفلاحة، حتى إن أسرته كانت تتوقع وفاته بين الفينة والأخرى، وحفرت له خالته قبره ثلاث مرات ظنا منها أن لحظة انقضاء أجله قد اقتربت.

ونتيجة لوضعه الصحي، ذهب به والده عام 1922 إلى العاصمة الرياض فبقيَ عند قريب له من طلبة العلم، فتعلم قليلا من مبادئ العلوم الدينية.

عاد من الرياض بعد موت الرجل الذي كان يعيش في كنفه سنة 1923، ولم يلبث أبوه أن توفي فكفله جده لأمه الذي كان إمام مسجد قرية البرود. تزوج حمد الجاسر من السيدة هيلة العنقري ورزقا ولدين وثلاث بنات.

الدراسة والتكوين
التحق الجاسر بكتّاب القرية باكرا حيث تعلم القراءة وحفظ القرآن. وفي بداية عام 1928 عاد إلى الرياض واستقر فيها لطلب العلم على مشايخها. وفي 1929 التحق بالمعهد العلمي الذي يعتبر أول مدرسة نظامية تنشأ في العهد السعودي.

في عام 1939 التحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة، وحين اندلعت أحداث الحرب العالمية الثانية أعادت السعودية بعثتها التعليمية قبل انتهاء مهمتها الدراسية.

الوظائف والمسؤوليات
بعد تخرجه في المعهد العلمي عمل الجاسر مدرساً في ينبع خلال 1934-1938، ثم ترك التدريس والتحق بسلك القضاء فعمل قاضيا في ضبا (شمالي الحجاز) عام 1938.

ثم عاد إلى قطاع التعليم عام 1950 فشغل منصب رئيس مراقبة التعليم في الظهران، ثم مديرا للتعليم في نجد.

التجربة العلمية
أنشأ الجاسر أثناء إدارته للتعليم في نجد مكتبة العرب التجارية التي كانت أول مكتبة عنيت بعرض المؤلفات الحديثة. وترأس كليتيْ الشريعة واللغة العربية في الرياض اللتين كانتا النواة الأولى لإنشاء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

نال عضوية مجمع اللغة العربية في القاهرة والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في عمّان، كما كان عضوا في مجامع اللغة العربية بدمشق وعمّان وبغداد، إلى جانب المجمع العلمي في الهند.

تقدم الجاسر إلى الملك سعود بن عبد العزيز لإصدار صحيفة يومية باسم "الرياض" فسمح له بإصدارها تحت اسم "اليمامة" إذ لم يوافق ديوان الملك على اسم "الرياض" عنوانا للجريدة، فكانت الجريدة الجديدة تطبع في القاهرة، وصدرت أولا شهرية ثم صارت أسبوعية فيومية، وتوقفت عام 1961.

وسعى إلى تطوير مشروعه الإعلامي فأسس أول مطبعة صحفية في الرياض وسماها مطبعة الرياض، وكانت تطبع مجلة اليمامة والجزيرة والقصيم وصحفا ومجلات أسبوعية وشهرية أخرى.

ولاحقا أنشأ دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر. وخلال سنواته الأولى في مجال الإعلام لم تكن طريق الجاسر مفروشة بالورود، فبالإضافة إلى العراقيل الإدارية عانى مرارا من مقص الرقيب الإعلامي.

في 1966 أسس مجلة "العرب"، وهي مجلة متخصصة بالدرجة الأولى في تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وأنساب قبائلها وآدابهم. كما أسس قبل ذلك بعام جريدة الرياض اليومية الذي تولى رئاسة تحريرها.

وقد نال بسبب اهتمامه بدراسة تاريخ وجغرافية الجزيرة العربية لقب "همداني الجزيرة العربية"، تشبيها له بأبي محمد الحسن بن أحمد الهمْداني (280-334هـ)، كبير مؤرخي وجغرافيي الجزيرة العربية وصاحب كتاب "صفة جزيرة العرب" الذائع الصيت.

اهتم باللغة العربية وألفاظها ومعاجمها فانعكس ذلك في مؤلفاته التي اختص عدد مهم منها بموضوع اللغة العربية. وبلغ ما كتبه الجاسر عن لغة الضاد حوالي 17% من مجموع كتاباته، بحسب دراسة معلوماتية لأعمال حمد الجاسر انكبت على دراسة مضمون مؤلفاته، أعدها فؤاد حمد رزق فرسوني من جامعة الملك سعود بالرياض.

وخلصت هذه الدراسة إلى أن نسبة التأليف الأصيل للجاسر تفوقت على نسبة "التأليف التبعي" (تحقيق مؤلفات الآخرين)، وهو ما يعكس "ارتفاع معدل الإبداع عنده". كما انتهت إلى "تنوع الأعمال التي ألفها وعالجها..، وقد شكلت المقالات نصيب الأسد منها".

حقق عدداً من الكتب التي تناولت المسالك والدروب في الجزيرة العربية وطرق الحج. كما اهتم بكتب الرحلات القديمة، ففي كتابه "رحالة غربيون في بلادنا" عرضٌ موجزا لأهم رحلات بعض الغربيين إلى قلب الجزيرة العربية وشمالها.

وخلال مسيرته العملية، فجرت تحقيقاته واستدراكاته عددا من المعارك الأدبية مع شخصيات وأطراف عدة في السعودية.

اختار الجاسر بيروت منفى اختيارياً له مدة، وقد تأثر تأثرا بالغا حينما احترقت مكتبته الثمينة وسط بيروت لما حوته من كتب نادرة ومخطوطات قديمة ظل سنوات طويلة يجمعها، وتزامن احتراق المكتبة مع وفاة ابنه محمد في حادثة سقوط ركاب، وقال في إحدى محاضراته "لفقد كتبي أشد على نفسي من فقد ولدي".

المؤلفات
من أشهر الكتب التي ألفها الجاسر: "رحلات حمد الجاسر للبحث عن التراث في الوطن العربي"، "إطلالة على العالم الفسيح"، "في سراة غامد وزهران"، "في شمال غرب الجزيرة".

وفي مجال الأنساب، ألف الجاسر "معجم قبائل المملكة العربية السعودية"، وكتاب "البرود"، و"جمهرة أنساب الأسر المتحضرة في نجد"، و"باهلة القبيلة المفترى عليها".

كما ألف "المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية"، إلى جانب كتب أخرى في اللغة وتاريخ البلدان والخيل، كما حقق جملة من الكتب.

ونشر الجاسر مقالات عديدة في الجرائد والمجلات العربية في موضوعات مختلفة، أبرزها النواحي التاريخية والجغرافية، ووصف الكتب المخطوطة، ونقد المؤلفات والمطبوعات الحديثة.

الجوائز والأوسمة
مُنح الجاسر جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 1984، ووسام التكريم من مجلس التعاون الخليجي عام 1989.

وفي عام 1995 منح وسام الملك عبد العزيز عند ما اختير الشخصية السعودية المكرمة في المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية.

ونال الجاسم الدكتوراه الفخرية من جامعة الملك سعود، كما نال جائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي عام 1996، إلى جانب جائزة "سلطان العويس" الأدبية في الإمارات في نفس العام.

الوفاة
توفي حمد الجاسر يوم الخميس 14 سبتمبر/أيلول عام 2000 في مدينة بوسطن الأميركية، حيث كان يتلقى العلاج.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة