عاكف.. مرشد الإخوان الذي مات خلف القضبان   
السبت 1439/1/3 هـ - الموافق 23/9/2017 م (آخر تحديث) الساعة 11:27 (مكة المكرمة)، 8:27 (غرينتش)

قيادي إسلامي مصري، أبصر الدنيا سنة تأسيس الإخوان المسلمين، فارتبطت حياته بها كالتوأم. أحب الرياضة فقادته إلى التنظيم الخاص للإخوان. خضع للسجن بعد انقلاب 2013، وبعد نحو أربع سنوات من المرض والمعاناة داخل المعتقل توفي بمستشفى غربي القاهرة نُقل إليه بعد تدهور حالته الصحية.

المولد والنشأة
ولد محمد مهدي عثمان عاكف سنة 1928 في كفر عوض السنيطة مركز أجا بمحافظة الدقهلية، بين عشرة من الأشقاء لوالد ميسور الحال.

الدراسة والتكوين
تلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة المنصورة الابتدائية، وانتقل إلى القاهرة حيث تعلم بمدرسة فؤاد الأول الثانوية بالقاهرة التي حصل منها على التوجيهية (الثانوية العامة) وانتسب للمعهد العالي للتربية الرياضية وتخرج منه سنة 1950، والتحق بكلية الحقوق سنة 1951.

الوظائف والمسؤوليات
عمل بعد تخرجه مدرسا للرياضة البدنية بمدرسة فؤاد الأول الثانوية، وبعد خروجه من السجن سنة 1974 عمل مديرا عاما للشباب بوزارة التعمير، ثم انتقل إلى السعودية وعمل مستشارا للندوة العالمية للشباب الإسلامي ومسؤولا عن مخيماتها الدولية ومؤتمراتها.

وفي سنة 1980 سافر إلى ألمانيا فعمل مديرا للمركز الإسلامي في ميونيخ، وعاد إلى مصر وانتخب عضوا بمجلس الشعب سنة 1987 عن دائرة شرق القاهرة، وذلك ضمن قائمة التحالف الإسلامي التي خاض الإخوان الانتخابات تحت مظلتها.

التوجه الفكري
يعتبر من الحرس القديم بجماعة الإخوان، لكنه مع ذلك يتمتع بعلاقات وثيقة وتفاهم كبير مع مختلف الأجيال والرؤى داخل الجماعة، وكان قريبا من كل قياداتها، وكانت له علاقة واسعة مع قيادات العمل الإسلامي في العالم.

يؤمن بمحورية الشورى في العمل الإسلامي ويعتبرها ملزمة، وقد اختلف مع مرشد الجماعة الأسبق عمر التلمساني لأن الأخير كان يرى أن الشورى معلمة وليست ملزمة من الوجهة الفقهية، ويقول عاكف إن "هذا رأي فقهي بالطبع وكنت أرى الرأي الفقهي الآخر بأنها ملزمة".

التجربة السياسية
التحق سنة 1940 بجماعة الإخوان المسلمين بعد أن لفت انتباهه اهتمامها بالرياضة التي كان يحبها.

انضم إلى التنظيم الخاص الذي أنشئ وقتها لمقاومة الاستعمار البريطاني، ورأس معسكرات جامعة إبراهيم (عين شمس حاليا) في الحرب ضد الاستعمار البريطاني بالقناة حتى قامت ثورة 1952.

شغل منصب رئيس قسم الطلبة الذي كان أهم الأقسام في جماعة الإخوان وكان يتولاه حسن البنا بنفسه، كما تولى رئاسة قسم التربية الرياضية بالمركز العام للجماعة.

قبض عليه أول أغسطس/آب 1954 بتهمة تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف -أحد قادة الجيش- الذي أشرف على طرد الملك فاروق، وحوكم وصدر عليه حكم بـ الإعدام، ثم خفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة فقضى عشرين عاما بالسجن.

أفرج عنه سنة 1974 في عهد السادات، فانكب على العمل الشبابي في مصر ثم انتقل خارجها فأقام معسكرات كبيرة للشباب في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ثم تولى قسم الشباب والطلاب من جديد بجماعة الإخوان بعد عودته سنة 1986.

انتخب عضوا بمكتب الإرشاد سنة 1987، وكان أحد 35 عضوا بمجلس الشعب مثلوا كتلة الإخوان سنة 1987، وهي تجربة أكد أنه استفاد منها كثيرا "في مجال السياسة وكيف تصنع الأحداث من المنبع".

دخل السجن مع كثيرين من جيل الوسط في حملة اعتقالات قام بها نظام مبارك في صفوف الجماعة، والذي قدمهم للمحاكمة العسكرية في مسلسل استمر أكثر من خمس سنوات.

مثل أمام المحكمة العسكرية سنة 1996 بتهمة مسؤوليته عن التنظيم العالمي للإخوان، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وكان آخر منصب تولاه آنذاك هو الإشراف على الاتصال بالعالم الإسلامي.

خرج من السجن سنة 1999، وظل عضوا بمكتب الإرشاد حتى تولى منصب المرشد العام بعد وفاة المستشار محمد المأمون الهضيبي في يناير/كانون الثاني 2004.

استمر مرشدا عاما حتى انتهت فترة ولايته في يناير/كانون الثاني 2010، فطلب اختيار خليفة له ورفض التجديد، فتم اختيار د. محمد بديع مرشدا عاما، وبقي عاكف رمزا من رموز الجماعة يمارس نشاطه بفعالية داخل صفوفها.

وإثر انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 الذي أطاح بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، كان ضمن آلاف المعتقلين من الإخوان المسلمين والقوى الرافضة للانقلاب.

ووجهت له تهم عديدة من بينها إهانة القضاء على خلفية تصريحات نسبتها له صحيفة كويتية، قال فيها إن القضاء فاسد، وبرأته المحكمة في مايو/أيار 2014، إلا أنه  بقى في السجن لمتابعته بتهم أخرى تتعلق بقتل متظاهرين.

بداية عام 2017، أعلن مصدر أمني أن عاكف نقل إلى أحد المستشفيات بالقاهرة حيث أودع بالعناية المركزة إثر تدهور صحته.

وقال بيان نشرته الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية في فيسبوك إن عاكف كان مودعا بمستشفى الأمراض الباطنية التابع لمستشفيات القصر العيني وتم نقله لأحد المستشفيات بناء على طلب أسرته وفقا للقواعد القانونية، وأودع بغرفة العناية المركزة لتلقي العلاج اللازم إلى حين امتثاله للشفاء.

ومنتصف 2017 أطلقت أسرة عاكف حملة تدوين للمطالبة بالإفراج الصحي عنه، مؤكدة تدهور صحته بشكل أصبح يهدد حياته. 

الوفاة
توفي عاكف مساء الجمعة 22 سبتمبر/أيلول 2017 عن عمر ناهز 89 عاما بمستشفى غربي القاهرة نُقل إليه في وقت سابق بعد تدهور حالته الصحية بالسجن. وقالت ابنته علياء عبر حسابها الشخصي على فيسبوك "أبي في ذمة الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون".

وقبل وفاته بأيام أطلقت أسرة عاكف حملة تدوين للمطالبة بالإفراج الصحي عنه، مؤكدة تدهور صحته بشكل أصبح يهدد حياته.

وقد دفن في الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي تحت إجراءات أمنية مشددة، وبحضور أربعة من أقربائه فقط. وقال عبد المنعم عبد المقصود رئيس هيئة الدفاع عن الراحل إنه تم دفن عاكف بمقابر الوفاء والأمل (شرقي القاهرة) في تمام الساعة الواحدة من صباح السبت 23 سبتمبر/أيلول 2017.

وأضاف أن "الجهات الأمنية فرضت سياجا أمنيا في محيط مقبرة عاكف، ولم تسمح فقط إلا لي ولزوجته وفاء عزت، ونجلته علياء، وحفيد له بحضور مراسم الدفن" مشيرا إلى أن عددا محدودا من السيدات والرجال من أقارب عاكف بقوا خارج المقبرة.

وحمّلت جماعة الإخوان في بيان لها السلطات المصرية المسؤولية الكاملة عن وفاة مرشدها السابق لإصرارها على "حبسه والتنكيل به رغم مرضه وتقدم عمره" متهمة إياها بـ "تعمد قتله".

كما نعته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقالت في بيان إنها تنعي ببالغ الحزن والأسى "فقيد الأمة وأحد أعلامها وقامة من قاماتها الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين".

وأضافت أن "عاكف أحد الذين كان لهم الدور الكبير في الدفاع عن قضايا الأمة وعزتها وقضية فلسطين، وكان داعما لمقاومتها ونصرة أهلها ومؤازرتهم، ومن الأوائل الذين خاضوا معركة الدفاع عن فلسطين".

وتوافق معارضون ومؤيدون لجماعة الإخوان في نعي مرشدها السابق (2004-2010) على توجيه انتقادات لاذعة للسلطات لإصرارها على حبس عاكف (89 عاما) وعدم الإفراج الصحي عنه.

وقال المعارض اليساري خالد علي في تدوينة على حسابه بموقع فيسبوك "أردتم أن تنتصروا على الأستاذ مهدي عاكف بحرمانه من حق الإفراج الصحي، ولم ترحموه فرحمه الله، وانتصر عليكم بوهن جسده وشيخوخته، ليكشف بموته عن قبح عقولكم وقيمكم، إنا لله وإنا إليه راجعون".

وكتب المرشح اليساري السابق للرئاسة حمدين صباحي في حسابه على الموقع نفسه "رحم الله محمد مهدي عاكف وغفر له، وغفر لنا تقصيرنا في المطالبة بالإفراج الصحي عنه وعن كل سجين اجتمع عليه ظلام السجن وتقادم السن وإنهاك المرض، كما كان حال الفقيد رحمه الله وكثيرين سواه".

واعتبرت أسرة محمد مرسي (رئيس الجمهورية المعزول) أن وفاة عاكف "تعد قتل عمد نتيجة التنكيل به والإهمال الطبي المتعمد من سلطة الانقلاب، وهذه جريمة لن تسقط بالتقادم".

وكتب أستاذ النظم السياسية سيف الدين عبد الفتاح في حسابه على تويتر "سيظل مهدي عاكف شاهدا على حقارة الانقلابيين ووضاعتهم عندما تركوا رجلا بلغ التسعين ومريضا بالسرطان يموت في السجن بلا تهمة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة