سجال بتونس حول تعويض السجناء السياسيين   
الأحد 1433/9/17 هـ - الموافق 5/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:59 (مكة المكرمة)، 9:59 (غرينتش)
معارضو الحكومة الذين تظاهروا أمام المجلس التأسيسي ضد التعويضات (الجزيرة نت)

خميس بن بريك-تونس

أثار توجّه الحكومة التونسية لسنّ قانون يسمح بتعويض السجناء السياسيين السابقين الذين تعرّضوا لمحاكمات جائرة خلال النظام السابق سجالا بين رافض ومؤيد له.

وتفجر هذا السجال بعد استقالة وزير المالية حسين الديماسي من الحكومة, وتحذيره من أنّ تعويض هؤلاء السجناء في هذه الفترة "يشكل خطرا" على التوازنات المالية للبلاد.

وكشف الديماسي أنّ الحكومة تخطط لرصد مليار دينار (620 مليون دولار) تعويضات، قائلا إنّ هذه الاعتمادات لم تدرج في ميزانية 2012، بما سيعمّق عجز الميزانية.

لكن رئيس الحكومة حمادي الجبالي نفى بشدة الليلة الماضية في مقابلة تلفزيونية رصد أي مبالغ, وقال إن الدولة ستعوض فقط من هم بحاجة ماسة للتعويض, وسيكون ذلك على مراحل, ودون المساس بالتوازنات المالية للدولة, منددا في الأثناء بمزايدات خصوم الحكومة بهذا الشأن.

شكري بالعيد اعتبر التعويض للسجناء نهبا للمال العام (الجزيرة نت)

انتقادات واحتجاجات
ويرى جزء من التونسيين أن دفع تعويضات كهذه سابق لأوانه باعتبار أنّ البلاد تمرّ بظرف صعب، بينما يذهب البعض الآخر لحدّ القول إنّ التعويضات بمثابة "الاستيلاء" على المال العام.

وقال الناطق باسم حركة الوطنيين الديمقراطيين شكري بالعيد للجزيرة نت إن التعويض المادي للسجناء السياسيين السابقين في هذه الفترة "أكبر عملية نهب" للمال العام.

واتّهم حركة النهضة، التي تقود الائتلاف الحاكم مع حزبي "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتل من أجل العمل والحريات" بأنها تتعامل مع ملف التعويض بمنطق "الغنائم" باعتبار أنّ أغلب السجناء السياسيين من الإسلاميين.

ومع أنه لا يعارض استرجاع السجناء لوظائفهم السابقة أو حصولهم على التقاعد أو الحقّ في العلاج، إلا أنه رفض بشدّة أن تقع مقايضة نضالهم ضدّ الاستبداد "بمقابل مادي". وتجمع معارضون للحكومة قبل أيام أمام مقرّ المجلس التأسيسي للاحتجاج على سعي الحكومة لتعويض السجناء السابقين، وإغفالها معالجة ملفات التشغيل والتنمية وفق رأيهم.

لكنّ جزءا آخر من التونسيين يرى أنّ من حقّ السجناء السياسيين الحصول على تعويضات عن فترات السجن والتعذيب والطرد من العمل والدراسة, والمراقبة الإدارية والأمنية التي تعرّضوا لها في السابق بسبب مواقفهم السياسية أو الأيديولوجية.

وبعد الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، وقّع الرئيس المؤقت السابق فؤاد المبزّع أول مرسوم يتعلّق بالعفو التشريعي العام، الذي تمّ بموجبه الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين. ونصّ هذا المرسوم الرئاسي الصادر في فبراير/شباط 2011 على أن يقع النظر لاحقا في مطالب التعويض المقدّمة من الأشخاص المنتفعين بالعفو العام طبقا لإجراءات يحدّدها قانون خاصّ.

جوهر العدالة
من جهته, أوضح رئيس لجنة إعداد مشروع القانون المتعلق بالتعويض بوزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية أنّ تعويض السجناء السياسيين على سنوات الظلم والطغيان "ليس بدعة تونسية" مضيفا أن القانون الدولي يكفل لهم هذا الحقّ.

طارق الرزقي نفى رصد اعتمادات مالية للتعويضات المرتقبة (الجزيرة نت)

وقال طارق الرزقي للجزيرة نت "التعويض هو جوهر العدالة الانتقالية" مشيرا إلى أنه كلما توسعت دائرة التعويض وقع تضييق الانتقام وتكريس المصالحة الوطنية.

ونفى الرزقي أن تكون الحكومة قد رصدت اعتمادات ضخمة للتعويض -عكس ما صرّح به وزير المالية المستقيل- مؤكدا أنّ ملف التعويض ما زال قيد الدرس لتحديد مقاييس الانتفاع بالتعويض وإعداد قاعدة بيانات للمنتفعين.

وأشار إلى أنّ مشروع قانون التعويض اقترح تشكيل لجنة مستقلّة يرأسها قاض، وتتكوّن من قضاة وخبراء وممثلين عن وزارات، دراسة ملفات المتضررين حالة بحالة وتقييم حجم التعويضات. وشدّد على أنّ التعويضات ستتمّ على أقساط سنوية تماشيا مع قدرة الدولة على تحمّل مصاريف الدفع، مشيرا إلى أنّ الأولوية ستتجه لأصحاب الوضعيات الإنسانية والاجتماعية السيئة.

وبشأن مصادر تمويل صندوق التعويضات، أوضح الرزقي أنّ الحكومة ستفتح حسابا جاريا لجمع التبرعات والهبات من أطراف وطنية ودولية. ويبلغ عدد المنتفعين بالعفو التشريعي من السجناء السياسيين 11.176 شخصا. ويقول الرزقي إنّ التوقعات الرسمية تستبعد أن يتجاوز عددهم 12 ألف شخص "عكس ما يروج له البعض".

وأكد أنّ تعويض المنتفعين بالعفو العام لا يقتصر فقط على الإسلاميين، بل يشمل جميع الأطراف السياسية من يساريين وقوميين ونقابيين، الذين حوكموا في قضايا سياسية، في نظامي الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة