أميركا.. الصديقة التي لا تريدحلا!   
الأربعاء 1422/6/16 هـ - الموافق 5/9/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


الدوحة - الجزيرة نت

يسلط الكاتب فؤاد مطر في مقالة بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم الضوء على الدور الأميركي في عملية السلام الذي يسعى دائما إلى ضرب أي محاولة تسلل أوروبية للتعاطي مع الصراع المتواصل بين الشعب الفلسطيني والدولة العبرية وتقريب المواقف على أمل ايجاد حل، فإن الإدارة الأميركية «الصديقة» تنقضُّ على هذه المحاولة بدل أن تشجعها.

ضربات مستترة

أكثر من رسالة وجَّهتها «العين الأميركية الساهرة» إلى الرئيس الديغولي شيراك تضمنت تذكيره بما جرى لمعلمه من قبل عندما قرر أن يهز الهيبة الأميركية
ويكشف الكاتب هذا الدور في الماضي عندما جربت الدبلوماسية الفرنسية بدعم قوي من الرئيس جاك شيراك تقريب المواقف، ولكن إدارة الرئيس كلنتون وجهت الضربات المستترة والمعلنة لهذه المحاولة المخلصة من جانب الرئيس الفرنسي، بل إن أكثر من رسالة وجَّهتها «العين الأميركية الساهرة» إلى الرئيس الديغولي شيراك تضمنت تذكيره بما جرى لمعلمه من قبل عندما قرر أن يهز الهيبة الأميركية مستنداً في ذلك إلى القبول العفوي من الأنظمة ومن الشعوب على حد سواء في المنطقة العربية للعلاقة مع السياسة التي أطلق الجنرال ديغول ملامحها منذ وقفته التاريخية من عدوان الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 عندما أعلن مستبقاً العدوان أن فرنسا ستكون مع المعتدى عليه ضد المعتدي. وما جرى للجنرال المتوازن وصاحب الضمير الحي هو التآمر عليه في إطار افتعال التحرك الطلابي الشهير الذي قاده اليهودي كوهين بانديت.

ألمانيا بعد فرنسا
ويلقي الكاتب الضوء على المحاولة الألمانية الأخيرة التي باءت بالفشل هي الأخرى فيقول بعد فرنسا، حاولت ألمانيا وبفعل اجتهاد من وزير خارجيتها يوشكا فيشر الآتي إلى هذا المنصب الرفيع في ألمانيا التي توحدت، من صفوف الحزب الذي يهتم بالبيئة (حزب الخضر). وقد جرب هذا الألماني الأخضر حظه في المرة الأولى في يونيو الماضي لكن الإدارة الأميركية ضربت مسعاه.

مع ذلك لم ييأس الرجل على ما يبدو فجاء إلى تل أبيب يوم الثلاثاء 21 ـ 8 ـ 2001 الماضي ليبحث مع رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون في إمكانية استضافة الرئيس ياسر عرفات ووزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيريز في مكتبه في وزارة الخارجية في برلين. وبعد حصوله على الموافقة المشروطة طبعاً توجه إلى رام الله لإبلاغ الرئيس عرفات الذي رحب من دون شروط طبعاً.


لقد أوضح الإسرائيليون تماماً أنهم لن يتفاوضوا تحت تهديد الإرهاب، وإذا كان السيد عرفات مهتماً بإقامة حوار، فإنني أدعوه بقوة إلى أن يحض الإرهابيين الفلسطينيين على وقف التفجيرات الانتحارية
ويستطرد قائلا لمجرد أن باتت الفكرة وشيكة التحقيق، دخلت الإدارة الأميركية على الخط وجاء الدخول المريب يوم الجمعة الماضي وبشخص الرئيس جورج بوش الذي أطلق تصريحاً، وهو مازال في إجازته التكساسية، قال فيه: «لقد أوضح الإسرائيليون تماماً أنهم لن يتفاوضوا تحت تهديد الإرهاب، وإذا كان السيد عرفات مهتماً بإقامة حوار، فإنني أدعوه بقوة إلى أن يحض الإرهابيين الفلسطينيين على وقف التفجيرات الانتحارية...». وبدا الرئيس الأميركي في كلامه هذا واضحاً كل الوضوح، وهو أن الإدارة الأميركية، إدارته الحالية وإدارة من كان قبله وربما إدارة من سيخلفه، لا تريد للتهدئة أن تحدث وتفضل أن تبقى المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية مشتعلة.

أهداف أميركية
ويتساءل الكاتب عن مصلحة أميركا في ذلك ويجيب قائلا للحفاظ على مصالحها وعلى ألاَّ تفلت خيوط اللعبة من أيديها. وهذا تماماً ما تفعله بالنسبة إلى المصالحة العربية الشاملة وتحقيق التضامن بعد حل الخلاف بين العراق والكويت. ونحن عند التأمل في تطورات هذا الخلاف نلاحظ أنه في كل مرة يصدر عن مسؤول عربي كلام يكون القصد منه فتح النوافذ أمام نسيم المصالحة والتآلف بين القلوب يحل محل دخان الخلاف، فإن الإدارة الأميركية ترد بتصريحات تستهدف تعقيد الأمور أو بإجراءات يكون الهدف منها ليس فقط قطع الطريق على أي مصالحة وإنما تصوير الوضع وكأنما هو على أهبة التفجير.

ويضيف قائلا حتى عندما لاحظت أن في نفس الرئيس بشار الأسد رغبة مخلصة في أن يقوم بمسعى للتوفيق بين العراق والكويت وضمن صيغة لا تكون لحساب طرف على حساب طرف آخر، فإنها نشطت في اتجاهين: حاولت الإدارة بوسائل مختلفة وعن طريق رموز سياسية مرئية وغير مرئية، إشعال البيت اللبناني ناراً سياسية ووصلت الحال معها إلى حد أن القائمة بالأعمال الأميركية في بيروت لم تكتف ببعض الاتصالات وإنما طرقت باب القصر الجمهوري لتعرف بعض الأمور من رئيس الجمهورية شخصياً، مع أن الأصول تقتضي معرفة ما تريد معرفته من وزير الخارجية وليس من الرئاسة الأولى والرئاستين الأخريين، رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة.

ووجهت الإدارة رسالة تحذير إلى الرئيس بشار وذلك عندما طُلب من أحد طياريها العاملين في «حماية أمن المنطقة» أن يتجول لمدة حوالي نصف ساعة في الأجواء السورية تائهاً. وفي تقديرنا أن الرئيس بشار الذي قرأ جيداً الملعوب الأميركي تعمَّد الرد المدروس على هذا التحذير وذلك عندما استقبل طه ياسين رمضان نائب رئيس الجمهورية العراقية العائد إلى بغداد من زيارة إلى اليمن.

تقويض متوقع

الإدارة الأميركية لا يمكن أن تتحمل الوفاق العربي، بدءاً بالمصالحة خشية أن يشكل هذا الوفاق دعوة لها لرفع اليد عن القرار العربي
ويتنبأ الكاتب بفشل المسعى الألماني للدخول على خط التسوية فيقول وكما أن مثل هذا المسعى يمكن أن يشكل ضربة لمحاولات الهيمنة على المنطقة، فإن المسعى الأوروبي لتهدئة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، الذي تشكل المحاولة الألمانية أحدث الحلقات فيه، هو الآخر بمثابة هدف دائم برسم التقويض من جانب الإدارة الأميركية. فهذه الإدارة لا يمكن أن تتحمل الوفاق العربي، بدءاً بالمصالحة خشية أن يشكل هذا الوفاق دعوة لها لرفع اليد عن القرار العربي.

نتائج مؤكدة
ويخلص الكاتب إلى نتائج مؤكدة فيقول من أجل ذلك فإنها -أي الولايات المتحدة- غير صادقة في كل ما تفعله، وإنها غير مخلصة في وعودها للفلسطينيين. كما أن وقوفها المتهور مع إسرائيل المعتدية كما لم تعتد دولة على شعب، وإلى درجة التلويح سلفاً بمقاطعة «المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية» الذي استضافته مدينة ديربان طوال الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري، في جنوب أفريقيا في حال أصر العرب على اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، هو فقط للإبقاء على الصراع قائماً لأن بدعة ما يسمى «النظام العالمي الجديد» تتلاشى بتبريد هذا الصراع ولا تعود الولايات المتحدة الحاكم الفرد للعالم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة