جدل بشأن محاكمات الفساد بالأردن   
الخميس 1433/3/17 هـ - الموافق 9/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:02 (مكة المكرمة)، 16:02 (غرينتش)

من مسيرة تطالب بالقضاء على الفساد (الجزيرة نت-أرشيف)

محمد النجار–عمان

أثار قرار مدعي عام عمان توقيف مدير المخابرات الأردنية السابق محمد الذهبي بتهم غسيل الأموال واستثمار الوظيفة تساؤلات لدى سياسيين بشأن ما إن كان الأردن بدأ بما وصفه مراقبون بإعدام سياسي لرجال المرحلة السابقة المتهمين بالفساد، أم أن ما يجري مجرد محاولات لتهدئة الشارع المتعطش لرؤية "الفاسدين" خلف القضبان؟

ولم تمض ساعة على قرار المدعي العام توقيف الذهبي (مدير المخابرات بين عامي 2005 و2008) 14 يوما حتى سارعت صحيفة عمون الإلكترونية لنشر خبر عاجل بأن الذهبي "ارتدى بدلة السجن الزرقاء" وتم أخذ بصماته باعتباره نزيلا جديدا، في رسالة طمأنة للشارع بأن الرجل لن يحظى بامتيازات خاصة في السجن الأكثر شهرة في البلاد "الجويدة".

وجاء توقيف الذهبي إثر قضية حركتها دائرة "مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب" في البنك المركزي الأردني، في قضية مساعدة رجال أعمال عراقيين على تهريب أموالهم للأردن التي تتجاوز قيمتها ثلاثين مليون دينار (42.2 مليون دولار)، إضافة لتهم باستثمار الوظيفة والاختلاس تتعلق بتلقيه أموالا لتسهيل حصول مستثمرين عرب على الجنسية الأردنية.

تكرار التهم
واللافت –بحسب مراقبين- أن الذهبي هو ثاني مدير مخابرات يحاكم بتهم الفساد المالي خلال عهد الملك عبد الله الثاني، حيث حوكم قبله سميح البطيخي، مدير المخابرات الأول في عهد الملك مطلع الألفية الجديدة فيما عرف بقضية التسهيلات المصرفية التي أدت لأزمة في عدة بنوك فيما انهار أحد هذه البنوك بسبب القضية.

لكن التهم للذهبي تبدو أخطر بكثير، حيث إنه متهم مع ضباط مخابرات آخرين بالمساعدة على تهريب الأموال في دائرة كانت إحدى مهامها مكافحة غسيل الأموال في ذروة الحرب العالمية على ما يسمى الإرهاب.

محمد الذهبي متهم بالمساعدة في تهريب أموال (الجزيرة نت-أرشيف)
وإضافة لقضية الذهبي ينظر الادعاء العام بقضايا شبهات فساد في ملفات أمانة عمان الكبرى وكازينو البحر الميت وبرنامج التحول الاقتصادي وخصخصة شركات إستراتيجية وغيرها من الملفات في عملية بدت أشبه بمحاكمة كل ما صنف على أنه "إنجازات" للعهد الجديد.

غير أن دعوات أطلقها سياسيون معارضون لضرورة محاكمة رجال العهد السابق منذ تسلم الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية عام 1999 سياسيا بالإضافة لمحاكمتهم بتهم الفساد المالي خاصة أن العديد منهم ارتكب "جرائم سياسية" ومنهم الذهبي المتهم بالوقوف خلف تزوير الانتخابات البرلمانية والبلدية عام 2007.

ويذهب الدكتور عبد الرحيم ملحس -الوزير الأسبق والنائب في البرلمان في عهد تولي الذهبي إدارة المخابرات- إلى أن محاكمة الذهبي لا تكفي رغم أهميتها، وأن المطلوب محاكمة كل "الشركاء" في العهد الجديد.

وقال للجزيرة نت "السبب في كل هذا الفساد هو أن النظام دخل في شراكة مع الفساد والفاسدين لجمع أموال وصلت لمليارات، وهو ما أدى لتورط معظم رجال هذا العهد بالفساد".

وتابع "الآن بدأنا تغييرا في السلوك بعد أن جمعت أموال كبيرة، ورغم التضحية بعدد من الرؤوس الكبيرة إلا أن الفساد لا زال مستمرا وإن بوتيرة أقل".

ويرى ملحس أن المطلوب محاكمة المرحلة السابقة سياسيا وعدم الاقتصار على المحاكمات بتهم الفساد المالي، وتابع "مطلوب أيضا إعادة جهاز المخابرات لدوره بعيدا عن التجارة بعد أن شهدنا اتهامات بالفساد لرئيسي مخابرات خلال عشر سنوات".

مطالب الحراك
وتذهب رئيسة تحرير صحيفة الغد اليومية جمانة غنيمات إلى أن توجيه التهم لأسماء بعينها كانت حتى زمن قريب من الخطوط الحمر التي لا يمكن الاقتراب منها "يعكس مزاجا رسميا جادا في الاستجابة لمطالب الحراك المنادي بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين".

عبد الرحيم ملحس:
محاكمة الذهبي لا تكفي رغم أهميتها وأن المطلوب محاكمة كل "الشركاء" في العهد الجديد
وقالت للجزيرة نت "ما يزيد من قيمة الخطوة أنها تعد بمثابة إعدام سياسي لبعض الأسماء التي ظنت أنها ستبقى فوق القانون إلى الأبد ولن تخضع للحساب يوما على ما ارتكبت من أخطاء وجرائم".

وأضافت غنيمات "الإعدام السياسي لهذه الطبقة مهم ويحمل قيمة معنوية لا حدود لها فهو يعني أنها لن تعود إلى العمل العام يوما، ويؤكد أيضا أنها لن تتولى شؤون الناس من جديد، لتعاود تكرار الخطأ، الأمر الذي يشي بأن المطالبة بمحاسبة الفاسدين أثمرت ولو سياسيا".

ووسط هذا التفاؤل بدخول الأردن مرحلة جديدة من محاربة الفساد تطال الرؤوس الكبرى يتساءل كثيرون ومنهم معارضون عن دور رجال الحكم ومسؤوليتهم عن هذه المرحلة، وإن كانت هذه المحاكمات ستساهم في تهدئة الشارع أم إنها ستخلق مناخا لمزيد من حالة عدم الثقة بين الشارع والنظام بعد أن اطلع الناس على حجم الفساد الذي ظل مسكوتا عنه حتى هبت رياح الربيع العربي؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة