آيتانا ألبيرتي: الشعر لا يوَرّث   
الثلاثاء 21/7/1432 هـ - الموافق 21/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)

تؤكد الشاعرة آيتانا البيرتي أن للكلمة وقعا أشد فتكا من السلاح (الجزيرة نت)

حاورتها في غواتيمالا: غدير أبو سنينة

آيتانا ألبيرتي هي الابنة الوحيدة للشاعر الإسباني الكبير رفائيل ألبيرتي (1902-1999) والفنانة ماريا تيريزا ليون، وكانت ولادتها في المنفى (بوينوس آيرس، الأرجنتين 1941) بسبب هروب والدها من حكم الجنرال فرانكو، وقد درست الأنثروبولوجيا في مسقط رأسها.

وآيتانا ألبيرتي شاعرة ومترجمة ومحاضرة وصحفية، تقيم منذ عشرين عاما في كوبا مع زوجها الشاعر الكوبي آليكس باوسيدس، حيث ينظمان بالاشتراك مع شعراء آخرين مهرجان الشعر العالمي في كوبا الذي يعقد حاليا كل عامين، وقد أصدرت آيتانا العديد من الأعمال الشعرية، من بينها: "قصائد"، و"ميلاد جديد"، و"تلميذ الريح".

كان لقائي الأول بآيتانا في مدينة سان خوسه بكوستاريكا، لم ألتفت حينها لتكرار اسم ألبيرتي في اسمها واسم والدها الشاعر الكبير، ما لفت نظري إليها وقتها قراءتها لقصيدتين تتحدث في الأولى عن محمود درويش وفي الأخرى عن حرب العراق، كانت آيتانا تلقي القصائد التي تفوح منها رائحة الوجع والشكوى من الظلم الذي يلاحق الإنسانية بتأثر شديد، لا عجب وهي ابنة والدين تعذبا من أجل ذلك.

الشاعرة تلقت هدية من أبيها في عيد ميلادها الرابع عشر بأن طبع ديوانها الأول
(الأوروبية-أرشيف)
المرة الثانية التي التقيتها كانت في مدينة كيتسل تينانغو في غواتيمالا، هناك ومرة أخرى قرأت قصيدتها عن محمود درويش وقصائد جديدة عن حرب العراق. وكان لي معها هذا الحوار:


آيتانا ألبيرتي والقصيدة الأولى، هل تذكرينها؟

- صدر ديواني الأول وأنا في الرابعة عشرة من عمري، لكنني بدأت في كتابة الشعر في سن صغيرة، منذ الحادية عشرة أو الثانية عشر. كان ذلك في الأرجنتين.

لست أذكر القصائد الأولى تماما إلا أن أول ديوان طبع لي كان في عام 1955 ولهذا قصة طريفة، فقد كنت أكتب الشعر منذ صغري وأخبئ ما أكتبه، لم أكن أعرف أن والديَّ يفتحانه سرًّا ويقرآن ما به، وأرادا أن تكون مفاجأة عيد ميلادي الرابع عشر هو طباعة ديواني، وقد كان ذلك في دار لوسادا للنشر إذ كان لوسادا صديقا لأبي وأبًا روحيًّا لي.

أذكر أن والدي اتصل بي من المطبعة وقال لي إن هدية عيد ميلادي هي أول ديوان لي وإن علي أن أستبدل كلمة واحدة في أحد الأبيات، بكيت حينها إذ كنت أخبئ هذه الكراسة خجلاً من أن يكتشف والداي أنني أكتب الشعر، هدأ والدي من بكائي وأخبرني أنني أكتب شعرا جميلاً لا بد له من الظهور.


إذن هل كان هذا الشعر بالوراثة؟

- لا أظن ذلك، لا أظن أن الشعر يورث، لربما ساعدني محيطي في ظهور الموهبة مبكرًا، لكن الشعر لا يورث. فأنا لم أكن أدرك أن والدي شاعر كبير أو أن أمي مديرة مسرح وفنانة وكاتبة، لقد كانا بالنسبة لي الوالدين العطوفين المحبين اللذين يحيطانني بكل حب ورعاية، كانت العلاقة بيننا علاقة أهل بابنتهما فقط لا غير، وقد كان والدي كثيرا ما يحدثني عن قصص عائلته وبلدته وأشياء أخرى كثيرة كان يذكرها في كتبه، ولذلك فإنني عند قراءتي لكتبه كنت أشعر بألفة كبيرة إذ إنني أعرف ما كان يتحدث عنه.

 من أول قصيدة كتبتها حتى آخر قصيدة قرأتها في غواتيمالا، ما الذي تغير في شعرك؟

المُطَّلع على شعري يلاحظ أن هناك نفسًا واحدا منذ ما يزيد على ثمانية وخمسين عاما، لطالما كان الألم الإنساني يؤرقني أينما كان، لقد ترعرعت في وسط حافل بالمشاهد السياسية
- المُطَّلع على شعري يلاحظ أن هناك نفسًا واحدا منذ ما يزيد على ثمانية وخمسين عاما، لطالما كان الألم الإنساني يؤرقني أينما كان، لقد ترعرعت في وسط حافل بالمشاهد السياسية، فوالدي منفي منذ عام 1936، وقد تنقل بين عدة مناف من فالنسيا إلى وهران مع جزء متمرد من الجيش، إذ كانت هناك طائرتان متجهتان إلى أفريقيا، واحدة منهما إلى وهران حيث سافر أبي، ومن بعدها إلى الأرجنتين حيث ولدت، وفي عام 1965 سافرنا إلى إيطاليا ولم تطأ قدما والدي إسبانيا إلا عام 1977 بعد وفاة فرانكو بعامين.

بالرغم من كل هذه المشاهد السياسية المحيطة بي فإنني كنت أتألم أكثر عند مشاهدة طفل صغير جائع على قارعة طريق، كان يؤلمني ذلك منذ صغري وحتى الآن، الهم الإنساني. كنت أود تغيير العالم منذ طفولتي، وأن أنصر المستضعفين، كنت أظن في طفولتي أن بإمكاني فعل ذلك، لقد جبت بلادا كثيرة، كان أغلبها متعلقا بالعمل، إذ أقمت معارض كثيرة لأبي في كل مكان وقد اكتشفت أميركا خلال ذلك، حيث لم أزرها حتى عام 1997.

أدرك الآن أن للكلمة وقعًا أشد من فتك السلاح، كما قال غابرييل سيلايا: "الشعر سلاح معبأ بالمستقبل". بالنسبة لي الشعر سلاح لا بد أن يُشْحَذ بالحاضر أيضا، لأننا نستخدمه في اللحظة الآنية وإلا فلماذا يَقتلون الشعراء، لماذا قتلوا لوركا، ولماذا يعتبر لويس دي ليون الذي نحتفل بذكراه الآن مفقودًا، ما القوة التي يحملها الشعراء؟ إنها الفكر.


متى كانت أول زيارة لك لوطنك إسبانيا؟

- عام 1965 كانت المرة الأولى التي تطأ فيها قدماي أرض إسبانيا، ذهبت إليها برًّا من فرنسا وكانت الحرب قد انتهت بانتصار فرانكو. ما زلت أذكر ذلك التاريخ، الثامن عشر من يوليو، حيث كانت حكومة فرانكو مع الجيش تحتفلان بذكرى النصر، كان ذلك بالنسبة لي أمرًا سيئًا أن أدخل بلدي مصادفة مع الاحتفال بهذا اليوم الذي اضطر فيه والدي لمغادرة وطنه. شعرت بأنني أحتفل مع جيش فرانكو، كانت تلك ذكرى ليست بالجيدة تمامًا.


وهل عدت مرة أخرى إلى إسبانيا عند عودة والدك؟

- نعم، لقد انتقلت بعدها إلى روما، حيث حضر مجموعة مكونة من ستة عشر رجلاً كي يصحبوا والدي في رحلة عودته إلى إسبانيا، لقد كنت معهم في ذلك الوقت وأذكر كيف رفع والدي قبضته التي أغلقها ثم بسطها، تعبيرًا عن ذهابه بقبضة مغلقة وعودته بقبضة مفتوحة. عاش والدي هناك بقية حياته حتى توفي عام 1999 وتم إحراق جثمانه وإلقاء رماده في محيط مدينة قاديش بناء على وصيته.


كيف كان انطباعك في ذلك اليوم؟

الشاعرة ألبيرتي تنظم في كوبا مهرجانا للشعر العالمي يقام كل سنتين (الجزيرة نت)

- حسنًا، الكل كان في استقبال أبي بالمطار، كانت الجماهير غفيرة، وكان أبي قد أعطاني نقودًا كي أحتفظ بها ونحن في الطائرة فإذا هي تسرق مني في غمرة الحشود. الكل كان يفكر في هذا الحدث العظيم، إلا أنني كنت أفكر في توبيخ أبي اللاحق لي إن علم أن النقود سرقت مني. على أي الأحوال، لم يكن رده كما توقعت، على العكس لقد هدأ من روعي وأعطاني بدلاً عما فقدته.

لأعياد ميلادك مناسبات أخرى مثل صدور ديوانك الأول وكذلك وفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش كما ورد في إحدى قصائدك، ما الذي يمثله محمود درويش لك؟

- لقد كان خبر وفاته خبرا سيئا، وقد تزامن هذا مع عيد ميلادي الثامن والستين، أرى محمود درويش مثل بابلو نيرودا، كلاهما يمثل الكثير لشعبه، كلاهما مات من المرض، لكن الحقيقة أنهما لم يحتملا كل هذه القسوة وكل هذا الألم. كلاهما ترك فراغا هائلاً لشعبه.

هناك قصائد في ديوانك الأخير عن العراق؟ ما الذي تعنيه هذه الحرب لك؟

- كتبت هذه القصائد قبل الحرب بساعات، أي وأنا أنتظر مثل ملايين الناس هل سيعلن بوش الحرب على العراق أم لا، كنت متخوفة من حدوثها وقد حدثت فعلاً. لقد تسبب لي التلفاز حينها في توتر شديد، فقد كان بصدد إعلان حرب على مرأى ومسمع من الجميع، لقد شعرت بأن الحرب ضدي أنا أيضا فكتبت عندها هذه القصائد من شدة التوتر.


وما رأيك فيما يحدث الآن في الشارع العربي من ثورات؟

- الشعب العربي يستيقظ، أريد أن أؤمن بذلك، إنني عاجزة عن استنتاج أية نتائج، لكنني أريد أن أؤمن بقدرة الشعوب العربية على نيل الحرية، وأنا أنتظر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة