بوتين يفقد احترامه والروس متجهمون   
الثلاثاء 1434/2/19 هـ - الموافق 1/1/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:17 (مكة المكرمة)، 13:17 (غرينتش)
الرئيس الروسي خلال حضوره إحدى المناورات العسكرية في منطقة القوقاز (الأوروبية-أرشيف)

وصفت مجلة فورين بوليسي الأميركية الشعب الروسي بأنه متجهم هذه الأيام ويعيش تكدرا لم يعرفه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991. ويعزو كاتب المقال أندريز أسولند ذلك الكدر والتجهم إلى سياسات الرئيس فلاديمير بوتين الذي بدأ "يفقد الاحترام بشكل كبير" بسبب القمع والفساد.

ويقول الكاتب أسولند إن العاصمة الروسية موسكو تستشيط غضبا وعدوانية والجميع غير سعداء ولسان حالهم يقول "نحن في نهاية ميتة"، ويشير سكان موسكو بذلك إلى تعريف لينين للوضع الثوري بقوله "حينما لا يتمكن علية القوم من الاستمرار في الحكم، وعندما لا تعود الطبقات الدنيا تقبل بالعيش على النمط القديم".

والمفارقة أن أداء الاقتصاد الروسي جيد جيدا, فالثروة في موسكو لم تعد تتمثل في المائة ملياردير فحسب, ولكن داخل شريحة واسعة من الطبقة الوسطى، وهناك إجماع على أن نسبة النمو المتوقعة خلال العام 2012 هي 3.6% في الوقت الذي تعاني فيه دول أوروبا المجاورة من الكساد.

كما أن روسيا لديها فائض في الميزانية ولا ديون عامة عليها، علاوة على وجود فائض ضخم في حسابها الجاري واحتياطات ضخمة من العملات الأجنبية.

ويبقى السؤال: لماذا يشعر الناس بمزاج سيئ؟

تكتيكات ارتجالية
وفي محاولة الإجابة، يرى الكاتب أن الرئيس الروسي يعيش حالة خوف، فبعد المظاهرات الشعبية ضد الانتخابات البرلمانية فقد ساكن الكرملين صوابه واتزانه "وأضحت تكتيكاته ارتجالية أكثر منها إستراتيجية وهو يفتقد إلى الثقة بالنفس والإلهام".

حكومة بوتين ضيقت على المعارضة التي اتهمت السلطة بتزوير الانتخابات (الفرنسية- أرشيف)

فخطاب بوتين عن الاتحاد يوم 12 ديسمبر/كانون الأول كان يعبر عن النظر إلى الوراء وأخفق خلال مؤتمره الصحفي يوم 20 ديسمبر/كانون الأول في الإجابة على أي من الأسئلة خلال فترة أربع ساعات ونصف الساعة.

وبدلا من أن يكون بوتين ضامنا للاستقرار, أصبح مصدرا لعدم الاستقرار, فلجأ إلى أعمال دفاعية تتمثل في زيادة القمع ضد المعارضة السياسية, وفي حملة غير سليمة ضد الفساد وموقف مناهض للأميركيين ودعوة غامضة أو ميل إلى القومية الروسية والاستعانة بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية وتحريض ثلثي السكان الفقراء ضد النخبة الثرية.

ويذهب المقال إلى أن مشكلة بوتين الحقيقية أنه لم يعد يمثل قيما ولذلك فهو يفتقد إلى الشرعية بخلاف الاستقرار والنمو الاقتصادي اللذين لن يستمرا إلى الأبد. كما أنه مثل جميع الحكام المستبدين يقدم نفسه على أنه ديمقراطي لكنه ينتهج أسلوب القمع ضد المعارضة خطوة بخطوة عن طريق سن قوانين جديدة غير ديمقراطية.

ضد الفساد
وإلى جانب ذلك -حسب الكاتب- فإن الرئيس الروسي شن حملة ضد فساد مسؤولين كبار لكن لم يتم اعتقال أي منهم أو توجيه تهم لهم بشكل رسمي، وكل ما هناك أن المسؤولين المتهمين بالفساد باتوا شهودا في قضايا مثارة ضد شخصيات أقل شأنا داخل المؤسسة الحاكمة.

ويرى الكاتب أنه لو كان الكشف عن تلك القضايا في دولة أخرى لاعتبر ذلك بمثابة أخبار هامة، ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة للنخبة الروسية المطمئنة الذين يقولون في السر بأنه تم اختلاس مئات مليارات الدولارات وزاد الوضع سوءا في ظل حكم بوتين كما تزايد عدد المتهمين بالفساد.

كما أظهرت التحقيقات في جميع الحالات أن المسؤولين الكبار يهاجمون متهما أضعف منهم ويقومون بتهديده سواء بالانتقام, أو بالسلطة أو فوائد أو مكاسب مادية, وقليل من الناس يعتقد أن أيا من الوزراء السابقين يمكن أن يدخل السجن.

مع ذلك فإن بوتين شدد في خطاب الاتحاد أن "السلطة الأخلاقية هي شرط أساسي لتطور روسيا ولذلك سيتم تنفيذ سياسة تطهير وتجديد الدولة بكل حزم واستمرارية".

 أداء الاقتصاد الروسي جيد جيدا مع ذلك يبدي الروس تجهما حيال الأوضاع السياسية
(الأوروبية)

ويعتقد على نطاق واسع بأن بوتين شخص فاسد وغض الطرف عن اتساع الفساد لسنوات, وعليه فمن المثير للدهشة أن يكون هو من ابتدأ هذه الحملة, ويفسر البعض ذلك بالقول إنه كان مضطرا لذلك بعد أن بلغت نسبة الفساد مرحلة بات من الصعب حكم الدولة بسببها, بينما يعتقد آخرون بأن بوتين فقد السيطرة وأن كبار مساعديه يبحثون عن ثأر شخصي ويستدل من كلماته أنه يخطط لتطهير الحكومة ومن المؤكد أن هناك صراعا كبيرا بين النخبة، حسب الكاتب أسولند.

فقد السيطرة
وبغض النظر عن أهداف بوتين أو حكمه فهو يزعزع استقرار البلاد حيث هاجر الآلاف من كبار المسؤولين وأصحاب رؤوس الأموال مع عائلاتهم وهناك العديد من المواطنين يحزمون حقائبهم استعدادا للرحيل.

في غضون ذلك فإن الإنجازات الوردية الاقتصادية تغطي على الجانب القاتم من الحقيقة, وبدلا من إعادة تنشيط الاقتصاد عن طريق إصلاحات اقتصادية كان السوق بحاجة إليها منذ أمد بعيد, سمح بوتين للشركات الحكومية بخنق الاقتصاد ويبحث عن تحفيز النمو عن طريق استثمارات كبيرة مضللة.

ويرجح المقال أن بوتين فقد سيطرته، وهو يرتكب الغلطة تلو الأخرى، فتوجهاته مزعزعة للاستقرار وغير قابلة للاستمرار ولكن من الصعب العثور على بديل واضح وهو السبب وراء تجهم الروس.

ويخلص الكاتب إلى أنه رغم حكم بوتين لولايتين بشكل رسمي وثالثة بشكل غير مباشر, فإن سياسته تغيرت مع الأيام, فيبدو حاليا كمن فقد الإدراك والاتزان وهو في الحقيقة لا يمتلك أي برنامج وسياسته الرئيسية تتمثل في الحملة ضد الفساد وحملته ضد النخبة في الخارج كما ينتهج سياسة معادية لأميركا والغرب.

ويقول "أما أصدقاؤه الغربيون القلائل مثل المستشار الألماني السابق غيرهارد شرويدر ورئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلسكوني فقد ركنوا إلى الأسفل بسبب علاقات مالية مشبوهة، ويبدو أنه (بوتين) على وفاق مع أشباهه مثل الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس روسيا البيضاء ألكسندر لوكاشينكو والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة