المغربية الشعيبية طلال.. طفولة رسم   
الخميس 1435/6/10 هـ - الموافق 10/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:01 (مكة المكرمة)، 13:01 (غرينتش)

إبراهيم الحجري-الجديدة

تعتبر الفنانة التشكيلية المغربية الشعيبية طلال رائدة الفن الفطري العربي بالنظر إلى ما حققته من تراكم فني ورواج على المستوى العالمي، حيث شاركت في معارض دولية كثيرة في أميركا وأوروبا، وكتب عن تجربتها نقاد تشكيليون عالميون، وتمّ الاحتفاء بتجربتها في مختلف أنحاء العالم.

واحتضنت قاعة التاشفيني بمدينة الجديدة ندوة فنية جاءت احتفاء بالذكرى العاشرة لرحيل الفنانة التي عرفت بتوجهها الفني الفطري أو الساذج، والذي نالت به صدى عالميا كبيرا.

ظلت الراحلة تطور مسارها الفني رغم العداء الذي جوبهت به من قبل نقاد تشكيليين مغاربة ممن سفّهوا تجربتها واتهموها بالبساطة واللافنية، حاصدة بذلك اعترافا عالميا، وحائزة تقدير الفعاليات الأجنبية التي اعترفت بجمالية منجزها التشكيلي "الطفولي" من خلال منحها شهادات دكتوراه فخرية من أرقى الجامعات العالمية.

ولدت الشعيبية طلال بمدينة البئر الجديد التابعة لإقليم الجديدة عام 1929، وتيتمت وهي صغيرة ثم تزوجت وهي ابنة 13 عاما ليتوفى زوجها بعد ذلك بعامين، فتضطر للعمل خادمة في البيوت كي تعيل طفلها الصغير (الحسين)، قبل أن تتفجر موهبتها الفطرية في الرسم بالتدريج، لتصل إلى العالمية اعتمادا على حواسها المفرطة ومعاناتها وإصرارها الكبير.

بنيونس عميروش نفى انتماء تجربة الشعيبية
إلى الفن الفطري الساذج
 (الجزيرة نت)

تجربة عصامية
ويعتبر الناقد الفني عبد الله الشيخ الفنانة الشعيبية طلال علامة فارقة في الفن البصري المغربي، وسفيرة الفن المغربي في العالم، عبر ما راكمته من تجارب اخترقت كل الجغرافيات، وفرضت نفسها على كل الحساسيات العالمية عبر بساطتها وعمق وصولها المباشر إلى مشاعر المتلقين.

وأشار الإعلامي أحمد الفاسي إلى خبايا لقاءاته الإعلامية مع الراحلة، مبديا دهشته للتلقائية التي كانت تميزها عن غيرها من الفنانين، ومركّزا على الجانب الإنساني في شخصيتها المتميزة، فقد كانت خبيرة بالطابع الوجداني لمسارها الفني، عليمة بقصة الوجوه التي ترسمها وكأنها تعايشهم وتقاسمهم آلامهم وأفراحهم كما يقول.

وقارن الفاسي تجربتها بالتجربة العالمية في الفن الساذج المسماة "كوبرى"، ومدى إعجاب بعض المنتمين إليها بتجربة الشعيبية، حتى إن البعض اعتبرها عضوة فيها، مقدرا وطنيتها وحبها للأرض والشعب والبساطة في العيش واللباس، لذلك لم تنسلخ من انتمائها الطبقي الشعبي رغم ما حصدته من مقومات الشهرة والنجاح.

وفي مداخلته، سلط الباحث الفني بنيونس عميروش الضوء على الخصوصية الفنية والجمالية في أعمال الراحلة، نافيا أن تكون تجربتها منتمية إلى "الفن الفطري الساذج"، ومعتبرا أن الكثير من أعمالها تمتلك الخصوصية التعبيرية التجريدية، لكن ببصمة خاصة في التعامل مع الألوان والخامات.

وصنف عميروش تجربتها -بناء على المقاييس الفنية المتمثلة في كثير من أعمالها- في ما يصطلح عليه "الفن الخام"، حيث تتنكر أعمالها الفنية لجزئيات وتفاصيل العمل، وهي بفضل ميلها إلى التسطيح والتبسيط ومحاكاة الواقع المرئي وإخضاع التمثيل للتعبير، وانتمائها إلى الطفولة المستدامة، تنزاح عن الفن الساذج.

ومع أنها تكشف المادة واللون في نصاعتهما، فإن سذاجة أسلوبها لا تستقيم إلا على سبيل المعنى الاشتقاقي فحسب -حسب عميروس- باعتبار أنها تصر على أن تبقى الألوان في طبيعتها الصافية ودلالاتها العارية الشفافة، تدليلا على ترتيب الحس الفطري وولادة العالم.

أحمد جاريد: ميل الشعيبية طلال للفطرية
جعلها تتخذ الرسم مثل لعبة 
(الجزيرة نت)

فطرية وصدق
وبموازاة الندوة التحليلية التي تناولت أعمالها، تم الاحتفاء بتجربة الشعيبية طلال التشكيلية من خلال عرض بعض أعمالها التشكيلية التي غدت بعد مرور عشر سنوات على رحيلها، تراثا فنيا وطنيا، وذخيرة رمزية يستعاد وهجها سنويا عبر فعل التأبين وتأمل أعمالها ومسارها، وحياتها المليئة بالأمجاد والمعاناة في الوقت نفسه.

وتضمن هذا المعرض عرض منجزاتها ومشاركاتها العالمية الموثقة في صور كبيرة الحجم مكنت الحضور من التعرف على السيرة الباذخة لفنانة فطرية لم تلج المدرسة يوما، ولم تتعلم ولم تدرس الفن التشكيلي وقواعده من أي معهد، ومع ذلك حققت ما لم يستطع تحقيقه كبار الفنانين الأكاديميين بالمغرب.

يبقى الكثيرون مذهولين أمام اكتساح الفنانة العصامية للمعارض العالمية، وأمام الشهرة الكبيرة التي حققتها والأمجاد التي حصدتها، في وقت لم تكن هي نفسها تأمل ذلك أو تتوق إليه، فقد كان كل همها أن تنفث في القماش روح معاناتها، وترسم على بياضها المشاعر المتدفقة في دواخلها مثل شلال ينبع من صميم الروح.

يقول الفنان أحمد جاريد حول هذا البعد الفني في أعمالها التشكيلية "لقد اتسمت تجربتها بالصدق الفني الذي يروم تحرير الذات من قبضة مشاعر متضاربة ظلت عالقة بطفولتها في زمن شبه متكلس، من أجل تصفية الأجواء الداخلية للذات، وبذلك تكون التجربة الفنية نوعا من الاستشفاء الذاتي، وتخليص الروح من القيود التي تكبلها، والأدران التي تعلق بها".

ويضيف أن الشعيبية طلال كانت "تلقائية في أعمالها التعبيرية التي تتميز بخيال دفاق وخلاق، وميلها للطفولة جعلها تتخذ الرسم مثل لعبة، فالوجوه الفرحة أو الحزينة التي كانت تملأ لوحاتها، وإن كنا لا نعرف من هم أصحابها، فإن الشعيبية تعرف جيدا من هم".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة