أبعاد تصريح رمسفيلد.. اتهام سوريا وتحذير إيران   
السبت 1424/1/26 هـ - الموافق 29/3/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

* شفيق شقير

دونالد رمسفيلد أثناء المؤتمر الصحفي اليومي للبنتاغون أمس
بعد قيام القوات الأميركية بقصف حافلة سورية في المنطقة الحدودية العراقية السورية، كان من المتوقع أن تعلن واشنطن عن شكوك تساورها بشأن مساعدة سوريا للعراق عبر الحدود. وفي تقرير سابق عن مواقف الدول العربية من العراق تمت الإشارة إلى ذلك، وإلى أن سوريا تتعرض لرقابة أميركية شديدة.

سوريا ومحور الشر
وبالفعل فقد اتهم وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد سوريا بتزويد العراق بمعدات عسكرية، وقال أمس الجمعة (28/3/2003)في المؤتمر الصحفي اليومي لوزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" بشأن العمليات العسكرية في العراق إن "لدينا معلومات بأن شحنات من العتاد العسكري تعبر الحدود من سوريا إلى العراق بما في ذلك مناظير للرؤية الليلية".

وليرفع رمسفيلد من مستوى تهديده لسوريا ويظهر أن اتهامه جدي ولا يندرج في سياق التلويح بالعصا فقط، وإنما أيضا الاستعداد لاستعمالها، قال إن "هذه الشحنات تمثل خطرا مباشرا على أرواح جنود قوات التحالف، ونحن نعتبر تهريب مثل هذه المعدات عملا عدائيا وسنحمل الحكومة السورية المسؤولية عن مثل هذه الشحنات".

ولا يبدو أن واشنطن ستصعد الوضع مع سوريا أكثر من ذلك، لأنه ليس من مصلحتها أن توسع الجبهة السياسية ضدها في الوقت الذي لا تزال فيه تعاني من تأزم خططها العسكرية. لذلك عندما سئل رمسفيلد ما إذا كانت الولايات المتحدة تهدد بعمل عسكري ضد سوريا، فإنه لم يجب مباشرة واكتفى بقوله إن هذه الشحنات "تعقد بشدة" العمليات العسكرية. وامتنع كذلك عن الإجابة عن سؤال بخصوص ما إذا كانت الشحنات تحظى بدعم الدولة في سوريا.

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى قاعدة أصبح المحللون يتعاملون وفقها مع تصريحات رمسفيلد، وهي أنه رجل بسيط في التعبير ويسهل عليه إيقاع نفسه في تصريحات متعجلة. ومن الأمثلة غير البعيدة على هذا، عندما تحدث عن بريطانيا وأنها لن تشارك في الحرب مما أدى إلى سوء تفاهم مع لندن كانت واشنطن في غنى عنه.

غير أن رفض رمسفيلد الإجابة عما إذا كانت سوريا تقوم بدعم عمليات شحن الأسلحة عبر حدودها، لن يمنع واشنطن -في مفترق سياسي ما- أن توجه الاتهام لحزب الله بتهريب الأسلحة للعراقيين عبر الحدود، أو أنه يساعد شيعة العراق، وبخاصة إذا وقعت عمليات فدائية أو حرب الأنصار الشبيهة بما كان يؤديه حزب الله في جنوب لبنان.

وهذا بطبيعة الحال سيفتح الباب لضم سوريا إلى المحور الجديد "محور الشر"، فحزب الله الذي ينعم بالسقف السوري محلياً حسب الرؤية الأميركية، يحظى بدعم إيران إقليمياً ويستند إليها في مرجعيته الدينية والعقائدية، وهو بهذا المعنى نتاج تحالف إيراني سوري بكل الأبعاد. وغالباً -وبحسب الرؤية الأميركية دائماً -ما تكون الزيارات المتكررة بين الطرفين السوري والإيراني مرتبطة بجدول أعمال هذا الحزب.

إيران والمسألة الشيعية
محمد باقر الحكيم
وحذر وزير الدفاع الأميركي إيران من مساندة مسلحين من المعارضة العراقية تابعين لفيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة محمد باقر الحكيم الذي تدعمه إيران.

وكان المجلس الأعلى قد أعلن الحياد في الحرب الناشبة بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأميركية، وأن فيلق بدر لن يشارك في الحرب في صفوف الأميركيين. وعلل المجلس موقفه بأن أميركا هي قوة غزو كما أن صدام هو حاكم متسلط ودكتاتور.

ويبدو أن رمسفيلد أراد توجيه رسالة واضحة لإيران مفادها أن ما حصل في أفغانستان لن يتكرر ما لم تحصل واشنطن على تأييد واضح من إيران ومن المنظمات التي تدعمها، لهذا قال أيضاً بوضوح في مؤتمره الصحفي إن "دخول العراق من جانب قوات عسكرية أو أفراد مخابرات أو أفراد جماعات تدعمها إيران لا يخضعون للسيطرة الميدانية المباشرة للجنرال تومي فرانكس، سيعتبرون خطرا محتملا على قوات التحالف". وأوضح أن هؤلاء المسلحين يتلقون أوامرهم من الحرس الثوري الإيراني، وأضاف "إذا تدخلوا في أنشطة الجنرال فرانكس فسيتم اعتبارهم طرفا في الحرب وسنحمل الحكومة الإيرانية مسؤولية تصرفاتهم".

وهنا لا يمكن تجاهل الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس السوري بشار الأسد إلى إيران والتي جاءت لتنبئ عن إمكانية تحول في موقف إيران من الحياد السلبي لمصلحة واشنطن -إذا جاز التعبير- إلى الحياد الإيجابي لمصلحة بغداد، أي أن لا تسير سياسياً في ظل التحالف الأميركي البريطاني لتحقيق مكاسب للشيعة في العراق على الطريقة الأفغانية، وأن تختار وقتاً للمطالبة بحقوق الشيعة غير الوقت الحالي، كأن يكون بعد سقوط القيادة العراقية الحالية إذا حصل، أو أن ينتهي الغزو بأي شكل من الأشكال.

والاتهام الذي وجهه رمسفيلد لإيران جنباً إلى جنب مع اتهامه لسوريا، يدل على أن إيران وسوريا توأمان في الرؤية الأميركية. وإن كان يجمعهما حزب الله فقط في السابق، فإن المسألة العراقية أصبحت عنصراً جديداً يضاف إلى ما يجمع بين البلدين. ومن المرشح أن تتسع دائرة الاتهام الأميركي وأن تصيغ عناصر كثيرة مشتركة بينهما، كأن يكونا يتعاونان في مجال الأسلحة المحظورة أو الإرهاب أو غير ذلك، أو بأحسن الأحوال أن يتم الفصل بينهما من خلال إنهاء ما يجمعهما.

ويأتي حزب الله في مقدمة ما يجمع بين إيران وسوريا، وعلى الأخيرة إذا أرادت أن تساوم على تجنب العقاب الأميركي أن تتنازل عن تأمين الحماية للحزب في الساحة اللبنانية، وأن تخلي بينه وبين ما ينتظره من أميركا. وثانيها المسألة الشيعية في العراق، وعلى إيران إذا أرادت أن تخطب ود الولايات المتحدة وتخرج من دائرة محور الشر أن تمتنع عن تحريض الشيعة ضد الغزاة، بل أن تسهل ثورتهم ضد الحكومة العراقية، وأن ترفع يدها عن المعارضة الشيعية الموجودة على أراضيها.

وستبقى دول المنطقة عموماً وإيران وسوريا خصوصاً تنتظر نتيجة وظروف الحرب على العراق لتتخذ الموقع الملائم والموقف المناسب، وأي انتصار صعب أو إخفاق في تحقيق أميركا لأهدافها المعلنة في حربها على العراق، سيجعل من تهديدات رمسفيلد وتحذيراته مجرد نوبة غضب.
ـــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة