بوادر أزمة جديدة بين الخرطوم وجوبا   
الجمعة 1436/2/27 هـ - الموافق 19/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:31 (مكة المكرمة)، 15:31 (غرينتش)

عماد عبد الهادي-الخرطوم

لم يمض على تقارب السودان وجاره الجنوبي سوى أيام معدودة حتى عادت الاتهامات بين الطرفين لتسد الطريق أمام أي خطوة جديدة نحو معالجة أزماتهما المتلاحقة منذ انفصال جنوب السودان عام 2011.

ففي حين اتهمت جوبا قبل أسبوعين الطيران السوداني بضرب مواقع داخل حدود دولة جنوب السودان، عجّلت الخرطوم -التي تلقت اتهامات جنوبية متعددة- بنفي الاتهامات عبر الناطق الرسمي باسم الجيش السوداني، بينما قالت الحكومة السودانية إن لديها معلومات تثبت تورط جوبا في دعم وإيواء متمردين سودانيين ينشطون في دارفور.

وبعد أسابيع من زيارة رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت الخرطوم، طالبت الأخيرة سلطات جوبا بوقف دعمها لمتمردي حركة العدل والمساواة وتجريدهم من السلاح مثلما فعلت هي بمواجهة متمردين جنوبيين دخلوا الأراضي السودانية بأسلحتهم.

يذكر أن تبادل الاتهامات بين الطرفين دفع بالرئيس السوداني عمر البشير للإعلان عن أن بلاده ستدعم المتمردين الجنوبيين في حال دعمت جوبا المتمردين السودانيين، قبل أن يطوى الملف بزيارات تبادلها هو ونظيره الجنوب سوداني.

ويرى محللون أن تصعيد الخرطوم لهجتها تجاه جوبا وتحذيرها صراحة من مغبة إيواء المتمردين السودانيين يعد بداية حقيقية لتوتر جديد لعبت بعض الأطراف دورا في تأجيجه.

الفكي عبّر عن اعتقاده بوجود أطراف خارجية تؤجج نار الخلاف بين الخرطوم وجوبا (الجزيرة)

اتهامات متبادلة
وكان مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني الفريق محمد عطا قد اتهم جوبا بإيواء متمردي العدل والمساواة، وهدد باتخاذ إجراءات حاسمة ضدها. وقال عطا -الأربعاء الماضي خلال تخريج عناصر جديدة من قوات الأمن- إن حكومة دولة جنوب السودان ما زالت تأوي وتعد مقاتلي حركة العدل والمساواة التي تقاتل الحكومة في إقليم دارفور.

وسبق ذلك اتهامات مماثلة أطلقها وزير الخارجية السوداني علي أحمد كرتي الذي كشف عن امتلاك الخرطوم "أدلة موثقة على أن حكومة جوبا ما زالت تساند المتمردين".

وكان الناطق الرسمي باسم جيش جنوب السودان فيليب أقوير قد اتهم الجيش السوداني بشن غارات جوية على مناطق داخل الحدود الجنوبية. وأكد في تصريحات صحفية الأسبوع الماضي أن قوات  رياك مشار، النائب السابق لرئيس دولة جنوب السودان، التي تقاتل القوات الحكومية "موجودة الآن في الأراضي السودانية والجميع يعرف ذلك".

واتهم أقوير الجيش السوداني قبل أسبوعين "بأن طائرات تابعة لسلاح الجو السوداني قامت بعمليات قصف عشوائي على منطقة خور تنباك في مقاطعة المابان بولاية أعالي النيل داخل بلاده، مما أدى لمقتل سبعةٍ من لاجئي ولاية النيل الأزرق بينهم طفلة".

ويعتقد مراقبون أن الأزمة الحالية هي الأعنف بعد تدخل جهاز الأمن السوداني الذي هدد مديره بملاحقة المتمردين في أي مكان في تحذيره لجوبا، مشيرين إلى أنها ربما تقود إلى تدخل عسكري من الخرطوم، "خاصة إذا ما تجاهلت جوبا الاتهامات وردت بتجديد اتهاماتها للخرطوم بدعم قوات رياك مشار".

ويرى أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة السودان بابكر الفكي، أن أطرافا خارجية تستخدم العلاقة بين الدولتين كواحدة من أدوات إدارة الأزمة المستمرة في المنطقة، "ولهذا فإن العلاقة بينهما ستظل مأزومة لأجل خدمة تلك الأهداف".

وعبر عن اعتقاده أن أي بوادر التقاء بين الخرطوم وجوبا ستؤدي لتدخل تلك الأطراف لتعكير الأجواء، وأشار إلى أن طريق المصالحة الكاملة بين الخرطوم وجوبا محفوفة بكثير من القنابل الموقوتة. وأعرب عن اقتناعه بأنه ما كان على الخرطوم أن تصعد من لهجتها تجاه جوبا، لكنه استدرك بالقول "لكن ربما يكون ذلك سلاح المضطر في مواجهة قدره".

بابكر وصف تحذيرات الخرطوم بالنهائية (الجزيرة)

نفاد الصبر
وفي السياق ذاته، عبّر أستاذ العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية أسامة بابكر عن اعتقاده بنفاد صبر الخرطوم من استمرار تورط جوبا في دعم المتمردين، معتبرا أن الخرطوم تقدّم عبر هذه التصريحات تحذيرات نهائية لجوبا قبل أن تتخذ خطوات عملية للرد.

ويؤكد للجزيرة نت أن غضب الخرطوم يشي بامتلاكها أدلة موثقة على دعم ووجود منصات للمتمردين في مقاطعات أعالي النيل والوحدة الجنوبية، مشيرا إلى أن بإمكان الخرطوم التعامل بالمثل وتقديم كافة الدعم لقوات رياك مشار، "لكنها تعلم أن شعب دولة الجنوب هو المتضرر، لذلك أطلقت رسائل أخيرة لجوبا".

أما الخبير العسكري محمد عباس الأمين، فحذر من دخول العلاقات بين السودان وجنوب السودان في أزمة حقيقة إن "لم تتعامل حكومة جوبا بجدية مع التحذيرات السودانية".

ويرى في تعليقه للجزيرة نت "أن مدير الأمن السوداني لا يتحدث بحكم وظيفته إلا من خلال معلومات كافية وموثقة وذات صلة وثيقة بالأمن القومي والموقف الأمني".

ويقول إن جوبا ترتكب خطأ جسيما بإيواء حركة العدل المساواة، "لأن مردود ذلك الإيواء الأمني سيكون سالبا وربما يؤدي إلى توقف التجارة وقفل الحدود بين الدولتين"، مشيرا إلى وجود كثير من أوراق الضغط التي تملكها الخرطوم للضغط على جوبا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة