سراب بري.. أحلام مهدورة بسجون عربية   
الاثنين 11/3/1437 هـ - الموافق 21/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:22 (مكة المكرمة)، 10:22 (غرينتش)

هيثم حسين

يتكئ السوري عبد الرحمن مطر على جانب السيرة الذاتية، لينسج أحداث روايته "سراب بري" التي تصنف في إطار مدونة أدب السجون بالعالم العربي، إذ يتحرك في ظلال السجن وعتماته، ينتقل من معتقل إلى آخر في أكثر من بلد، ليبيا وسوريا، وكأنه لا خلاف بين طاغية وآخر إلا بسبل التنكيل بالمعارضين، أو من تشتم منهم شبهة امتعاض إزاء السلطة.

يستهل مطر روايته (نشرتها دار جداول 2015 في بيروت) بمشهد مستل من الواقع كأن القارئ يتابع نشرة أخبار دموية بداية، ثم ينتقل إلى داخل الحكاية بعد أن يفتح بطل الرواية عينيه على الواقع ويكتشف هول ما يعانيه مع المحيطين به، من دون أن تكون له أي قدرة على تغيير الوضع، أو الدفع إلى تجاوز المصيبة أو التخفيف منها، تكون الأحداث الدامية في سوريا خلفية لاسترجاعات بطل الرواية وتداعياته.

يصور الكاتب طائرات تقصف بالبراميل المتفجرة مناطق سكنية، تدمرها، تقتل كثيرا من الناس الأبرياء، هنا امرأة تئن وهناك طفل يحتضر، شيخ يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومسعفون يحارون في من يغيثون ويسعفون لشدة هول الفجيعة المتكررة في أكثر من بقعة في سوريا.

بطل الرواية عامر عبد الله الكاتب الصحفي -الذي تضيق به بلاده على رحابتها- يُلقى في غياهب السجون، يقاسي العذابات، يتهم في انتمائه ويتم التشكيك بولائه، يحلم بالحرية، يصبو إليها بكل جوارحه، يستعيد أحلامه بمجتمع حر آمن، يصدمه الواقع بمستجداته، يشهد تحويل الربيع المأمول إلى مستنقعات دموية.

يرحل عبد الرحمن مطر ببطله من ليبيا في بداية الثورة الليبية ملتقطا بعض مواقف القذافي التي مزجت بين السخرية من الحراك والتهديد بقمعه ثم السعي إلى القضاء عليه، وصولا إلى الثورة السورية، وما بين النظامين من تشابه يصل حد النسخ

ليبيا وسوريا
يلتقط البطل بدايات التشريد وتخليف الكوارث وتشويه البشر عبر بث الفتن بينهم، ودفعهم إلى استعداء بعضهم بعضا، ثم يصف رتابة الحياة في السجن وكيف أنها تكون معطلة، قوامها بيد السجانين الذين يلوثون كل شيء بتجبرهم وتجردهم من إنسانيتهم.

يستعرض مطر كيف أن بطل روايته يقدم لمحاكمة صورية، في إشارة إلى ارتهان سلك القضاء لسلطة المخابرات في ظل الأنظمة القمعية التي تسخر السلطات كلها في خدمتها، وفي سبيل المحافظة على تأبيد استبدادها، ويغمز من زاوية تنسيق القضاة مع عناصر المخابرات بذريعة حماية الوطن من أعدائه، ومعاقبة المتمردين وتأديبهم ليكونوا عبرة لغيرهم.  

يرحل مطر ببطله من ليبيا في بداية الثورة الليبية ويلتقط بعض مواقف معمر القذافي التي مزجت بين السخرية من الحراك والتهديد بقمعه ثم السعي إلى القضاء عليه، وصولا إلى الثورة السورية، وما بين النظامين من تشابه يصل حد النسخ، ذلك أن وسائل المخابرات في الإيقاع بالناس وتعذيبهم تكاد تكون صورة طبق الأصل عن بعضها.

يصاحب الراوي في سجونه وتنقلاته العديد من الشخصيات، يتعرف إليها، يستمع إلى حكاياتها، ويعرض من خلالها المحسوبيات الموجودة في السجون التي توصف بأنها ممالك الفساد، والتصنيفات المتبعة في عالم يعيد ترتيب نفسه بنفسه تسوده قوانين لا تمت إلى العالم المعاصر بأي صلة، ومن تلك الشخصيات مثلا الحاج، وفخري، وآخرون يحضرون حضورا طيفيا ثم يختفون سريعا من دون أن يتركوا آثارا عميقة.

سرابية الطغيان
يشير مطر إلى أن بطل روايته لا يكاد يهنأ بساعات من الحرية حين إخراجه من سجن ليبي لترحيله إلى سوريا إلا ويقع في فخ سجن آخر يتربص به وكأنه على موعد مع العتمة في حله وترحاله، ولا يكون أمامه متسع سوى الحلم والخيال لينعش بهما آماله، ويستعيد أناشيد الثورة وهتافاتها في تأكيد على استمرارية العمل من أجل الحظوة بالحرية المنشودة.

ينفتح عنوان الرواية على ترميز ينحو باتجاهين، أحدهما يرمز إلى سرابية الطغيان وانجلائه وتبدده، والآخر إلى سرابية الأحلام الثورية وتحولها على أرض الواقع إلى مآسٍ، وربما يكون توصيف السراب بالبري دلالة وتأويلا على عدم تبلور الرؤية، وبقائها طي الفطرة، أو الرغبة المنفلتة من عقالها، تلك التي لم تقيدها بعد ضوابط الحرية التي تسعى إليها.

يتحرك مطر في ظل تأثير روايات مميزة في أدب السجون كرواية "شرق المتوسط" للراحل عبد الرحمن منيف، ورواية "القوقعة" للسوري مصطفى خليفة، ويحاول اختطاط مسار مختلف عبر الانتقال المكاني، في حين أن التوظيف السياسي للسجن يظل حاضرا، كما يحضر كذلك تفكيك لسيكولوجية السجناء والسجانين سواء بسواء عبر إمعانه في توصيف ما يجول في دواخلهم، وتظهير تلك الصور كمشاهد تكمل لوحة القهر والجور.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة