شافية.. ممثلة يسميها الجزائريون "أمّنا"   
الأربعاء 1432/2/22 هـ - الموافق 26/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:16 (مكة المكرمة)، 14:16 (غرينتش)
الفنانة شافية بودراع كرمت في مهرجان كان عن فيلم أرخ للثورة الجزائرية (الجزيرة نت)

حاورتها في الجزائر: أميمة أحمد
 
تألقت الفنانة القديرة شافية بودراع في فيلم "الخارجون عن القانون" الذي فاز بأرفع جائزتين في مهرجان دمشق السينمائي 2010، جائزة في المسابقة الرسمية للفيلم الطويل، وجائزة أفضل فيلم عربي. وقبل ذلك رشح الفيلم في مهرجان كان السينمائي، وبه افتتح مهرجان الفيلم العربي بوهران، حيث كرمت بطلة الفيلم شافية بودراع (81 عاما) إلى جانب الفنانة الكويتية حياة الفهد، والجزائري المرحوم العربي زكال.

أمضت شافية بودراع (45 عاما) من عمرها في رحاب السينما، ولا تزال متوقدة للعطاء، آخر أعمالها التي لم تر النور بعد فيلم "نسيم الجزائر" قيد التركيب، وستشرع في تصوير مسلسل تلفزيوني قريبا. ومن أعمالها: فيلم المتمردة 1966، والحريق (ثلاثية محمد ديب)، وفيلم صمت الرماد، وأول أفلامها بفرنسا فيلم "الشاي بالنعناع" 1982.

والممثلة بودراع من مواليد قسنطينة، مدينة الجسور المعلقة، ومدينة العلم والعلماء، وقد نشأت في أسرة ثرية، ودخلت المدرسة القرآنية ثم المدرسة الفرنسية قبل أن يخطف الموت والدها وعمرها 12 عاما، ثم تتزوج في الرابعة عشرة من عمرها.

الفنانة القديرة شافية بودراع أغلب أدوارك تمثلين فيها شخصية الأم، بماذا تميزت الأم في فيلم "الخارجون عن القانون"؟

كنت مرشحة في البداية لدور الجدة حسب النص الأصلي، ولكن المخرج رشيد بوشارب رأى أن أكون أم الشبان الثلاثة، السجين والعسكري في الجيش الفرنسي وأصغرهم الباحث عن الثروة بأي طريقة ولا يسمع كلامي.
 
الممثلة شافية بودراع (يسار) في مشهد من فيلم خارجون على القانون (الجزيرة نت)
قبلت الدور لأني اقتنعت بالنص، يتحدث عن تاريخ الجزائر، ويصور معاناة الجزائريين تحت الاحتلال، ودوري كأم جزائرية تمثل معاناة آلاف الأمهات آنذاك، وأنا نفسي واحدة منهن عانيت، استشهد زوجي  ونحن على أبواب الاستقلال، فدوري في فيلم "خارجون عن القانون" هو تكريم لزوجي الشهيد، وعرفانا للشهداء، ولتضحيات الشعب الجزائري حتى نال الاستقلال.

هل هي المرة الأولى تختارين دورا تكريميا لزوجك الشهيد رحمه الله؟
 
أول تكريم كرمته لزوجي أني حافظت على أمانته، ربيت الأولاد ودرستهم وزوجتهم وزوجت أولادهم، قمت بواجبي كأم وأب معا.

كان زوجي وطنيا، دخل السياسة  قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وأمضى عمره بالسياسة، وفي العام 1945 حكموا عليه 20 سنة سجنا بالأشغال الشاقة، وأذكر كنت أزوره كل أسبوعين بسجن لامبيزالشهير بباتنة بالشرق الجزائري، حاملة القفة  إليه وعمري آنذاك 15عاما، والتحق زوجي بالثورة 1955 واستشهد عام 1961  في نواح قسنطينة وعمره 40 سنة.
 
كان مسؤولا سياسيا في الولاية الثانية، بقي في الثورة حتى استشهد، اسمه الشيخ صالح بودراع، ينادونه الشيخ صالح، ليس لأنه كبير بالسن بل تقديرا لعلمه وتفقهه بالدين، درس في جامع الزيتونة بتونس، كان بطلا، أطلقوا اسمه على حي كبير بقسنطينة، وبلدية وفريق رياضي.

إكراما لزوجي الشهيد وإكراما لكل الشهداء لعبت دور الأم في فيلم "الخارجون عن القانون".

 أهمية فيلم "خارجون عن القانون" بالوقت الحالي؟
 
ملصق فيلم خارجون على القانون (الجزيرة نت)
أنا أرى الفيلم تعبيرا عن  كفاح أمة، وأعتقد أن الشيء الذي أخذته فرنسا بالقوة استرجعناه بالقوة، هو استقلال الجزائر، وهذا هو الطريق لكل ثائر ضد الاحتلال، وبالتالي الفيلم يستنهض الهمة، لأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.

أوصلك هذا الفيلم إلى إلى مهرجان "كان" السينمائي 2010، حلم أي ممثل، كيف شعرت هناك؟
 
حين مشيت على السجاد الأحمر في مهرجان كان فكرت بشيء آخر، وقلت لنفسي وصلت إلى السجادة الحمراء في كان، فيجب ارتداء لباس يمثل الجزائر كلها، وأنا من قسنطينة، واللباس القسنطيني يختلف، فاخترت اللباس العاصمة، لأنه يمثل الجزائر كلها.

وفكرت أني لعبت دور الأم في الفيلم ليس لأشتم فرنسا، كانت بيننا حرب، والحروب كلها سيئة، وتترك جروحا لا تندمل، وحتى لو شفيت الجروح  تبقى الندوب تذكرنا بالألم، لذلك لا نستطيع أن ننسى تضحية الشعب الجزائري، ولا نستطيع أن ننسى حربا وقعت في الجزائر، ولكن لا نبقى أسرى الماضي، نقلب الصفحة ولا نمزقها.

لماذا فكرت بجروح الماضي وأنت تمشين على السجاد الأحمر في "كان"، هل بسبب احتجاجات بعض الفرنسيين على الفيلم الذي عدوه تزويرا للتاريخ؟

هؤلاء الناس أرادوا إثارة ضجة حول الفيلم لأنهم استحيوا من عارهم، وخجلوا مما فعلوه بالجزائريين. في الثورة الجزائرية كان الموت من الطرفين، وقامت الحرب بالجزائر بعد مظاهرات الجزائريين السلمية لمطالبة فرنسا بتنفيذ وعدها لهم بإعطائهم الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، فقابلت مطلبهم بالرصاص، وسقط 45 ألف قتيل، هذا لا يمكن التسامح به، والفيلم صور تلك المجازر التي جرت، وهي جزء من تاريخ الجزائر الذي يبقى للأجيال.

هذا الفيلم بعد 60 أو70 سنة لما تشاهده الأجيال، سيحبه كل الجزائريين، فهو تاريخهم، فتجاهل التاريخ كمن يعيش ولا يعرف أصله ونسبه.

والذين قالوا إن الفيلم فيه تزوير للتاريخ للأسف لم يشاهدوه. ولكن هناك فرنسيون قدموا شهادات أقرت بأن الفيلم تحدث عن حقائق تاريخية بلغة سينمائية، وبعض هؤلاء الشهود ممن قاموا بتعذيب الجزائريين خلال الثورة الجزائرية، فأنصفونا، لأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.

مع من المخرجين عملت شافية بودراع ، وهل كانت لك حرية تغيير النص؟

شافية بودراع في مشهد من فيلم "المرأة المتمردة" عام 1966 (الجزيرة نت-ارشيف)
عملت مع جميع  المخرجين الجزائريين، باستثناء البعض، منهم المخرج لخضر حامينا، وللأمانة جميع المخرجين الذي عملت معهم يستمعون لرأيي، عندما تكون جملة لا أحس بها بالتأكيد فلن يحس بها الجمهور، حينها أقول للمخرج لم أحس بهذه الجملة ما رأيك لو أقول كذا وكذا؟ ودائما يعطوني الحق.

بالمناسبة هل درست السينما والتمثيل؟
 

لم أدرسه قط، دخلت الفن بدافع الفضول، أحببت أن أعرف كيف يعمل التلفزيون الجزائري، ورحت فأعطوا لي دورا، كان ذلك بعد الاستقلال 1965، وكانت أول مرة أرى الكاميرا، ومن ذلك اليوم لم أتوقف حتى الآن.

عاهدت نفسي منذ دخلت ميدان الفن ألا أستهين بالكلمة، ولا أقول كلاما تستحيي منه العائلة الجزائرية، أو أغض الطرف عن جملة وأقول لا ينتبه لها المشاهد، لم أفعلها قط، أكون حريصة على كل كلمة تصل للجمهور، فكما أحترمه يحترمني. لهذا يحبني الجزائريون . ومرة كتب صحفي "شافية بودراع أم الجزائريين" فرددت عليه هل يقبل الجزائريون أن أكون أمهم؟ تصوري لم أستطع قراءة الرسائل التي وصلتني تؤكد أني أم الجزائريين، والآن الجميع ينادونني "يما" أو "ميمة".

هل وجدت معارضة من الأهل في بداية مشوارك الفني؟
 

في بداية عملي كنت أستخدم اسمي الأول فقط "شافية"، وعندما زرت أهل زوجي الشهيد رحمه الله، عبروا عن فرحتهم بأنهم شاهدوني بالسينما، ولكنهم عاتبوني: لماذا لا أستخدم اسم العائلة، فقلت لهم: احتراما لكم لم أضع اسم بودراع، لأنه اسم عائلتكم، ويجب أخذ الإذن منكم لأضعه بجانب اسمي، فأذنوا لي، ومنذ ذلك الحين اشتهرت باسم شافية بودراع. ولم يعترض أحد على عملي لا عائلتي ولا أولادي.

مثلت 27 فيلما في فرنسا، متى وكيف قطعت البحر المتوسط للتمثيل هناك ؟

بودراع في فيلم "الشاي بالنعناع" عام 1982(الجزيرة نت-أرشيف)
الصدفة أو المكتوب دخلت مكتب مدير الإذاعة كنت أعمل فيها، فأخبرني أن بنتا جزائرية تريد إخراج فيلم قصير كمشروع للتخرج في أكاديمية السينما بفرنسا كمخرجة وأتقاضى أجرا مجزيا، فعملت معها ورفضت الأجر لأساعدها، سافرت بعد انتهاء التصوير.
 
وسمعت من الناس أنها نجحت وصارت مخرجة، فاتصلت بها هاتفيا أعاتبها "لو كنت جزائرية حرة كنت اتصلت لتبشريني بنجاحك" وراحت تعتذر، لكن ذلك الفيلم الذي عملته مجانا كان وراء إبحاري البحر الأبيض المتوسط لأمثل 27 فيلما إلى جانب مسلسل من خمسين حلقة عنوانه "السادس لليسار - Sixième gauche" في مدينة تولوز.

وأعتبر أن الله كافأني وسبب الأسباب، حيث إن المصور الذي عمل مع تلك المخرجة الجزائرية الشابة في تصوير الفيلم كتب عني مقالا بعنوان "الشاي بالنعناع" يصف رحلته للجزائر، وكان عنوان المقال عنوانا لأول فيلم لي بفرنسا  شاي بالنعناع"، وتبعته أفلام أخرى لمخرجين فرنسيين، وعملت مع المخرج الجزائري رشيد بوشارب فيلم "شرف عائلتي -la honneur de ma famille".

برأيك لماذا لا يحقق الفيلم الجزائري انتشارا عربيا حتى الآن ؟
 

الجزائري يفهم كل الأفلام العربية، اللبناني والسوري والمصري يفهمه ويتكلم مثلهم، والخليجي يفهمه ، نحن لماذا الناس "ما يفهموناش"؟

برأيك لماذا؟
 

أتحدث عن العمل المشترك، لو اشترك الفنانون في الأفلام لكان الجمهور اعتاد على لهجتنا الجزائرية، مثلا فيلم مشترك مع السوريين واللبنانيين والمصريين والخليجيين، وكل واحد يتكلم بلهجته، فهذا قوة للدراما العربية، نظهر كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، أنا أرغب بالعمل العربي المشترك ولكن بشرط أتكلم باللهجة الدارجة الجزائرية المهذبة، ليست لهجة الشارع التي سمعتها في بعض الأعمال العربية، لم تكن لهجة جزائرية أصيلة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة