أين المنفى؟   
الجمعة 17/9/1436 هـ - الموافق 3/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:49 (مكة المكرمة)، 12:49 (غرينتش)

إبراهيم صموئيل*

ربما لا تكون الهجرة بالنسبة للمثقف خاصة -أكان فنانا أو كاتبا أو عالما- محنة شديدة الوطء على حياته، وظلا ثقيلا على إنتاجه الأدبي والفني والعلمي، بحسب ما يبدو لنا من أماكننا، نحن سكان البلد الأم الذين لم نهاجر.

معظم الدراسات التي تناولت موضوع الهجرة رسمت إطارا نمطيا ساكنا للمهاجرين بدوا داخل مُحدداته غرباء، معلقين على جدران المنافي، بلا لون، ولا انتماء، ولا انسجام، كأشجار اقتلعت من تربتها وغُرزت في أراض أخرى.

وقيل في لعنات الغربة ما قيل، حتى بدا أي بلد آخر، بالنسبة للبلد الأم، مكانا لا يُطاق وجحيما لا يُحتمل، يغترب فيه الكاتب والفنان والعالِم عن نفسه وعن إبداعه، فإذا ما أنتج كان نتاجه كئيبا، موشحا بالسواد، بل ومهيض الجناحين.

وجع الغربة
تم الحديث عن التغرب من حيث المبدأ: ترك المرء بلده وهجره إلى بلد آخر، فإذا ما كان المهاجر مثقفا مبدعا راح الحديث يتضخم، شاملا المحن الروحية الكبرى التي يتعرض لها وهو يُنتج خارج بلده وأرضه وناسه، في مناخ آخر غير الذي نما فيه وترعرع، وعبر لغة أخرى وثقافة أخرى غير التي رضعها وشب عليها وشكّلته.

ما كُتب عن هجرة المبدعين صوّرهم وكأنهم يسبحون خارج مياههم الإقليمية الدافئة، وفي ظل ما يشبه التشرد والنفي، وتحت وطأة قهر مستدامٍ وظلم مُبين ومحنة إبداعٍ يعيشون كابوسها

أما إذا ما كانت الهجرة قسرا وإكراها لأسباب سياسية أو ضغوط اقتصادية واجتماعية أو حروب، مما يحول دون استمرار المبدع في بلده جراء مخاطر جسيمة تحيق به؛ فحينها حدّث ولا حرج عما سيُكتب ويُقال عن الآثار السلبية المروعة، والكوارث الروحية التي ستلحق به وبإبداعه جراء تهجيره.

هل الأمر حقا كذلك على الدوام، أم على الأغلب، أم أحيانا؟

نظريا، ما كُتب عن هجرة المبدعين صوّرهم وكأنهم يسبحون خارج مياههم الإقليمية الدافئة، وفي ظل ما يشبه التشرد والنفي، وتحت وطأة قهر مستدامٍ وظلم مُبين ومحنة إبداعٍ يعيشون كابوسها.

عمليا، فإن تجارب المهاجرين -خارج التنظير لها- تنوعت وتباينت وتلونت بحسب كل مهاجر وخصوصياته النفسية والتفاعلية، وظروف هجرته، وطبيعة البلد الآخر الذي عاش فيه، بحيث وَجَدَ بعضُهم في بلدان المهجر جنة عدن، وبعضُهم مَنْ كانت لهم كجحيم دانتي.

على سبيل التمثيل، فقد هاجر الشاعر السوري عادل قره شولي إلى ألمانيا في مطلع الستينيات من القرن الماضي، واستقر فيها وشارك في مختلف الأنشطة والأمسيات مشاركة فعالة، مما لم يمنحه صفة الشاعر السوري الكبير لدى الألمان فقط، وإنما صار أحد أبرز مثقفيهم وشعرائهم، حتى إنه انتُخب رئيسا لاتحاد الكتاب الألمان في لايبزغ.

وبهذا المعنى، لم ينسب الألمان الشاعر العربي إليهم فحسب، بل وبات الشاعر نفسه أيضا يرى نفسه ومشاعره وثقافته موزعة هنا وهناك على قدم المساواة والتعادل والتناظر.

يقول في حوار معه "عندما أكون في لايبزغ أشتاق إلى دمشق، وعندما أكون في دمشق أشتاق إلى لايبزغ"، وكذلك ينظر إلى ثقافته وشعره "لا أحب كثيرا من قصائدي العربية، ولا أحب كثيرا من قصائدي المكتوبة بالألمانية".

إبداع المنفى
وبما يشابه هذا، يمكننا أن نحصي العديد جدا من الأدباء والفنانين والمفكرين والعلماء العرب الذين هاجروا لأسباب وبدوافع متعددة، متنوعة، ومتغايرة، ثم وجدوا في بلدان المهجر مناخاتهم الإبداعية، وآفاق تطورهم، وفضاءات حريتهم، فأثمر ما كان يشتغلون في حقوله وميادينه، حتى صاروا نجوما كبارا، بحيث نستطيع من خلال تحقق وعلو منجزهم في بلدان المهجر أن نستدل على استقرارهم وهنائهم وتوفر الإمكانات لهم، وانفساح الآفاق أمامهم خارج أوطانهم.

يمكننا أن نحصي العديد جدا من الأدباء والفنانين والمفكرين والعلماء العرب الذين هاجروا لأسباب وبدوافع متعددة، ثم وجدوا في بلدان المهجر مناخاتهم الإبداعية وآفاق تطورهم

لنتذكر في هذا السياق مواقع ومنجزات وشخصيات مثل مروان قصاب باشي، وصلاح فائق، ونصر حامد أبو زيد، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، ونجمي السكري، وأمين معلوف، وفاروق الباز.. والمئات غيرهم ممن شكل المهجر لهم الفضاء الرحب، والوسط الصحي المعافى، والمكان المثالي للعيش وللإبداع في آن.

لنتذكر هؤلاء، ولنستعد ما أبدعوه في مهاجرهم أو منافيهم، وما قالوه بأنفسهم وهم في مغترباتهم، ثم لنعاود التأمل في مفاهيم الوطن والمهجر، البلد الأم والمنفى، وفي كل ما يتعلق بـ"هنا"و"هناك" مما تعلمناه في المدارس، وشاع في أفكارنا وكتاباتنا ومفاهيمنا وثقافتنا.

أليس من الضروري النظر إلى شهادات واعترافات هؤلاء وغيرهم ممن عاشوا في أوطانهم زمنا، ثم هاجروا، أو هُجروا، إلى بلدان غربية وغريبة، والاسترشاد بضوئها لمعرفة مصائر حيواتهم، وصحة منجزهم الفكري والفني، وخلاصة تجاربهم في المهجر، ومن ثم الإجابة عن السؤال الهام والمفصلي: أين مكان المنفى؟ وأين كانوا منفيين؟ في بلدانهم الأم الطاردة، أم في المهاجر المستقبِلة؟

بالطبع، هذا ليس المشهد كله.. ثمة "للحُمى صفة أخرى هي الحنين" وفق محمود درويش، وثمة ما هو مستعص متشابك، وما يحتاج -بعدُ- إلى المزيد، عسى أن يكون في وقفة أخرى.
________________

* كاتب وقاص سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة