مقاومة مضادات الميكروبات تهدد الأمن العالمي   
الجمعة 1437/10/25 هـ - الموافق 29/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:22 (مكة المكرمة)، 11:22 (غرينتش)

تاداتاكا يامادا*

اليوم نواجه حقيقة قاسية مفادها أن علاج الأمراض المعدية أو الوقاية منها لم يحرز أي تقدم كمي منذ النجاحات المبكرة التي حققتها اللقاحات والعلاجات المضادة للميكروبات.

وعلى نحو ما، يتجه العالم إلى الخلف بعد أن أصبحت الميكروبات التي كانت قابلة للعلاج ذات يوم مقاومة للعلاجات المتوفرة، مع استمرار أمراض معدية جديدة في الانتشار بلا توفر أي تدخل فعال لعلاجها حتى الآن.

ويمثل هذا الوضع تهديدا وشيكا وبالغ الخطورة للعالم، ويشهد على ذلك التأثير العالمي الذي خلفته أزمة إيبولا في غرب أفريقيا عام 2014 أو تفشي فيروس سارس عام 2003، الذي عرّض للخطر حتى الاقتصادات الغنية مثل سنغافورة وكندا.

الواقع أن ظهور أمراض معدية فتاكة وسريعة الانتشار ومقاومة لمضادات الميكروبات من شأنه أن يؤدي إلى أعداد لا حصر لها من الوفيات وقدر لا يمكن تصوره من البؤس. وقد تكون العواقب مماثلة في الحجم لهجوم إرهابي واسع النطاق. وقد تُحاط المجتمعات بالأسوار، وتُغلَق الحدود الوطنية، ويقيّد السفر أو يُعلَّق. وقد تتفكك أو تنهار الأنظمة الصحية، وكذلك الاقتصادات.

يشير احتمال حدوث مثل هذا السيناريو المروع إلى أن خطر الأمراض المعدية -سواء نتيجة للإصابة بميكروبات تكتسب القدرة على مقاومة العلاجات القائمة أو ميكروبات جديدة- يعد من بين أكبر التحديات التي تواجهها البشرية.

ولا يقتصر الأمر على الخطر الذي يهدد الصحة العامة، بل يمتد التهديد إلى الأمن الوطني والعالمي. وبالتالي فلا بد من التصدي له بحلول شاملة وفعّالة.

ظهور أمراض معدية فتاكة وسريعة الانتشار ومقاوِمة لمضادات الميكروبات من شأنه أن يؤدي لأعداد لا حصر لها من الوفيات (بكتشر إليانس/دويتشه فيلله)

بحث مكلف
وتستهلك عمليات البحث والتطوير اللازمة لإنتاج أدوية أو لقاحات جديدة الوقت، فتستغرق عادة أكثر من عشر سنوات. وهي أيضا باهظة التكاليف، إذ يتكلف كل مُنتَج جديد مئات الملايين من الدولارات. وعلاوة على ذلك، ليس هناك ما قد يضمن النجاح، بل في مقابل كل مُنتَج ناجح، هناك ما قد يبلغ تسعة علاجات مرشحة فاشلة وكانت واعدة بنفس القدر.

ونظرا للمخاطر التي ينطوي عليها الأمر، فليس من المستغرب أن تتوخى شركات الأدوية الحذر الشديد في اختيارها بين الاستثمارات في العقاقير أو اللقاحات الجديدة، فلا تنتقي إلا تلك التي تَعِد بمكاسب مالية كافية لتغطية تكاليف النجاحات والإخفاقات وتوفير عائد معقول على الاستثمار.

وقد نشأت أفكار عديدة لمعالجة مشكلة الاستثمار هذه، مثل تقديم الجوائز للمنتجات الناجحة، وخلق حافز جديد للاستثمارات في الصناعة، وإنشاء آليات تمويل جديدة لدعم البحوث التي تتصدى للتهديدات الناجمة عن أمراض معدية ناشئة.

وكل هذه الأفكار جديرة بالمحاولة وسوف تخلف بعض الأثر، لكنها لن تؤدي إلا إلى تقدم تراكمي بسيط في أفضل تقدير، والأمر يحتاج إلى حلول أكثر طموحا.

الواقع أن كل دولة تقريبا مهيأة لتوجيه نسبة كبيرة من ناتجها المحلي الإجمالي نحو الاستثمارات في الدفاع أو الأمن الوطني. ولا بد من النظر إلى التهديد العالمي المتمثل في الأمراض المعدية المقاومة أو الناشئة في هذا السياق أولا وقبل كل شيء، مع التزام الدول كافةً بتوفير التمويل، ورأس المال الفكري، والموارد المتاحة لدعم اكتشاف وتطوير وتصنيع وتخزين مضادات للميكروبات ولقاحات جديدة وتوزيعها بشكل عادل.

خطر الأمراض المعدية يعد من بين أكبر التحديات التي تواجهها البشرية (دويتشه فيلله)

60 مليارا
وما لم تدرك الدول المخاطر التي تواجهها، فمن غير المرجح أن تتعهد بمثل هذا الالتزام. وربما يكون من المفيد أن تعلم هذه الدول أن التكلفة التقديرية للتهديدات العالمية المرتبطة بالأمراض المعدية الناشئة تبلغ 60 مليار دولار سنويا، ومع تغطية تكاليف الاستثمارات مقدما فقد تصبح التكاليف الإجمالية أقل كثيرا.

ولا بد أن تكون استثمارات أي دولة مجمعة لإنشاء خط أنابيب كبير من المنتجات لمكافحة التهديدات المعدية. وهناك العديد من السبل التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الغاية، ويتخلص أسهلها في نشر الأموال على العلماء في المجالات الأكاديمية، وشراكات تطوير المنتجات، وشركات التكنولوجيا الحيوية، وشركات الأدوية الأكبر حجما كلما سنحت الفرصة.

وقد يسمح هذا للعمليات القائمة بالمضي قدما بزخم جديد يستند إلى توفر أموال جديدة. ولكن للأسف، يشير التاريخ إلى أن هذا لن يؤدي إلى إحراز تقدم كبير.

يتمثل البديل في إنشاء شركة أدوية عالمية تامة النضج لا تسعى إلى تحقيق الربح وتزويدها بميزانية للبحوث تعادل ميزانيات أكبر خمس شركات تسعى إلى تحقيق الربح على مستوى العالم، وبهدف وحيد يتلخص في إنشاء خط أنابيب من المنتجات لمعالجة التحدي المتمثل في التهديدات المعدية.

وكما هي الحال مع أي من نظيراتها الساعية إلى تحقيق الربح، لا بد أن تكون المواهب الإدارية والعلمية المكلفة بالقيام بهذا الجهد أفضل المتاح، وسوف يتطلب اجتذاب مثل هذه المواهب تعويضات تنافسية. وسوف يكون الفريق الإداري مسؤولا عن أداء هذه الشركة أمام مجلس إدارة من المستثمرين يتألف من ممثلين للدول التي توفر التمويل والعلماء الذين يوفرون رأس المال الفكري.

التكلفة التقديرية للتهديدات العالمية المرتبطة بالأمراض المعدية الناشئة تبلغ 60 مليار دولار سنويا (دويتشه فيلله)

مهمة معقدة
وبهدف مواكبة الممارسات الصناعية، لا بد أن يبنى خط الأنابيب هذا مع مجموعة من البحوث والتراخيص الداخلية أو الاستحواذ على الابتكار الخارجي. ولا بد أيضا من تشييد البنية الأساسية المناسبة للتجارب السريرية لدعم البحث ليس فقط في الدول المتقدمة، بل أيضا في المناطق النائية حيث من المرجح أن تنشأ بعض التهديدات المعدية التي يواجهها العالم.

سوف يستعين عمل الشركة الجديدة باتفاقيات مسبقة بين الهيئات التنظيمية بشأن متطلبات تسجيل المنتجات الجديدة، وبين الحائزين على الملكية الفكرية بشأن التنازل عن حقوق الملكية، وبين الحكومات بشأن توفير الحماية فيما يتصل بالمسؤولية القانونية التي تتحملها الشركة وتعويض ضحايا التفاعلات الضارة غير المتوقعة نتيجة لاستخدام المنتجات الجديدة.

ولا بد أن يعمل المجتمع الدولي على زيادة قدرة التصنيع المتاحة، وإنشاء قنوات توزيع جديدة، وقدرات تخزين الاحتياطي للمخزون من المنتجات التي ليس لها تطبيق فوري.

غني عن القول إن هذه المهمة سوف تكون معقدة، وسوف يكون لزاما علينا أن نتعامل مع العديد من التفاصيل. ولكن يتعين علينا بشكل أو آخر أن ننفض عنا غبار عدم اليقين وأن نتحرك الآن، خشية أن نجد أنفسنا على حين غرة في مواجهة تهديد عالمي وشيك. إنها معركة لا نملك تَرَف خسارتها.
_______________
* شريك المشاريع لدى مؤسسة شركاء فرايزر للرعاية الصحية، وكان سابقا كبير المسؤولين الطبيين والعلميين وعضو مجلس إدارة شركة تاكيدا للمستحضرات الصيدلانية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة