قصةُ حِلفٍ غير مُقدّس   
السبت 27/9/1429 هـ - الموافق 27/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 21:51 (مكة المكرمة)، 18:51 (غرينتش)
بسناسي تتصفح داخل بيتها ألبوما وفي الصورة ريفسات أول معسكر سكنته عائلتها (الجزيرة نت-أرشيف)

إلياس تملالي

شقة فاطمة بسناسي بباريس, غيرَ بعيد عن السوربون, لا تشبه إطلاقا خيم المعسكرات, ثم المجمعات الرخيصة التي وُضِعتْ فيها هي وعائلتها, عندما حلت بفرنسا وهي في السادسة قبل 46 عاما. كانت الجزائر قد تحررت حينها بل وتحررت فرنسا من عقدتها الجزائرية, لكن 1962 كان بداية منفى طويل, نفسي وجسدي, لوالدها عمّار, الذي قاتل لسبب أو لآخر مع الفرنسيين كعشرات آلاف الجزائريين يعرفون بالحَرْكَى, وآمن بحلف تبين بعد نهاية الحرب أنه غير مقدس.

لابنته ترك عمار إرثا مركّبا, فهي فخورة بالأب الذي رباها, لكن استقلال الجزائر من فرنسا التي قاتل أبوها في صفوف جيشها "انتصارٌ للعدالة". ترأس بسناسي (54 عاما) "الحَرْكى وحقوق الإنسان", وهي جمعية تحاول جعل فرنسا تعترف بما يسميه الحرْكى مأساتهم. لا أرقام دقيقة, لكن مصادر تقول إن ما بين 15 ألفا و150 ألفا قتلوا بالجزائر بعد وقف إطلاق النار. الأكيد أن الجيش الفرنسي ترك "حلفاءه" لمصيرهم.
 
لم تذكر اتفاقات إيفيان الحَرْكَى نصا, لكن الجزائر وفرنسا التزمتا بعفو عن الأفعال التي ارتكبت خلال الحرب.

ساركوزي في لقاء مع ممثلي الحرْكى نهاية مارس 2007 وهو مرشح رئاسي (الأوروبية-أرشيف)
المؤرخ والسياسي
يقر مؤرخون فرنسيون بدور بلادهم فيما يعرف بـ"هُجران الحركى", "لكن الإقرار بمأساة ليس مهمة المؤرخ" تقول بسناسي في لقاء هاتفي مع الجزيرة نت, فـ"كل ما يستطيع فعله هو تسليط الضوء على الأحداث, لكن الدولة هي من يجب أن تعترف".
 
اشتكى الحرْكى وأبناؤهم لسنوات من التمييز في فرنسا: من جزائريين مهاجرين يرونهم خونة, ومن فرنسيين معادين للهجرة, ومن غلاة المستوطنين الفرنسيين الذين غادروا الجزائر, يرون فيهم تذكارا بيوم فقدوا فيه جوهرة المستعمرات الفرنسية، كما كانت تسمى الجزائر. 
 
في 1992, أقر فرانسوا ميتيران بأن بلاده "تنكرت لجميل" الحركى, وفي 2006, قال نيكولا ساركوزي إنه سيعترف رئيسًا بمسؤولية فرنسا في "مأساتهم". بعد 18 شهرا تقريبا من أدائه اليمين, لم يفعل بعد.

"قد لا يحترم ساركوزي وعده" تقول بسناسي "لكنني لا أستطيع أن أحكم على نياته, وسنظل نذكّره بكلمته".

ظاهرة ريفية
"الحركى" (من الحَرَكة ومفردها حَرْكِي) قوة جندتها فرنسا أو تجنّدت, خصوصا في الريف لمواجهة جبهة التحرير. كان الهدف حرمانها من الريف, ومن هنا يرى مؤرخون أنها ظاهرة ريفية أساسا, ويجب أن تدرس في هذا السياق.

لكن لفظ حَرْكي لما يرد على لسان سياسي جزائري, خاصة إذا كان الموسم موسم انتخابات, فإنه يحتمل معنى واحد فقط: الخيانة.

"
عندما سئل بوتفليقة بفرنسا في 2002 عما إن كانت بلاده جاهزة لتسمح للحرْكى بالعودة قال إن ذلك سيكون كمن يطلب من فرنسي مصافحة collabo في إشارة إلى الفرنسيين المتعاونين مع النازيين
"

"الحَرْكى كانوا بين نارين: جبهة التحرير والجيش الفرنسي" -تقول بسنانسي- و"الاستقلال لم يكن أولوية بالنسبة لهم, الأولوية كانت حماية أنفسهم وأطفالهم".

ولم لا يختار المرء على الأقل العنف الذي يجعله مستقلا إذا وضع بين نارين؟
 
"أوافقك تماما" ترد بسناسي التي كتبت ثلاثة كتب في الموضوع أحدها بعنوان "بنت حَرْكِي" نال جائزة ضد العنصرية في 2005, لكنه "خطأ جبهة التحرير فقد كان بمقدورها أن تكسب هؤلاء الريفيين إلى صفها, وكان ذلك سيساعد في مواجهة الجيش الفرنسي".

بالنسبة لجزائريين كثر, كان الحركى أكثر قساوة من الجنود الفرنسيين الذين وجدوا فيهم عونا في جلسات الاستنطاق والمداهمات لمعرفتهم بثقافة البلد.
 
وعندما سئل عبد العزيز بوتفليقة خلال زيارة لفرنسا في 2002 عما إن كانت بلاده جاهزة لتسمح للحركى بالعودة, قال إن ذلك سيكون كمن يطلب من فرنسي مصافحة collabo وهو اللفظ الفرنسي الذي يطلق على من تعاون مع النازيين من الفرنسيين.
 
لكن سياسيين جزائريين, بعضهم مسؤولون رفيعون في جبهة التحرير خلال الحرب, يعترفون بتعقيد القضية. علي هارون مسؤول الولاية السابعة (فرنسا) خلال الحرب, قال لصحيفة جزائرية في 2006, إن أغلب الحَرْكَى قاتلوا مع فرنسا لتأمين قوت أولادهم, والأكثر قسوة معهم كانوا "ثوار" الساعة الـ25, في إشارة إلى من انخرطوا في الجبهة عندما بات أكيدا أن الحرب ستنتهي, وهي شريحةٌ يسميها الجزائريون "المارسيين" نسبة إلى تاريخ توقف المعارك.
 
التاريخ الرسمي
شيراك يلتقي مجموعة حركى في 2001 بيومهم الوطني الذي كان هو من أقره  (الأوروبية-أرشيف)
قضية الحرْكى حاضرة بقوة في المخيلة الجزائرية, لكن الثورة لا تصور في المناهج الدراسية إلا في شكل بطولي مطلق. الشعب هب هبة رجل واحد، هكذا تقول الرواية الرسمية.
 
"جهاز الدولة يحتكر كتابة التاريخ, وكل من يحاول أن يقدم عروضا حرة موضوعية ونقدية يمنع من تقديم النتائج في الساحة العامة"، يقول للجزيرة نت دحو دجربال المؤرخ الجزائري ورئيس تحرير مجلة "نقد" المتخصصة في الدراسات والنقد الاجتماعي.
 
"الظروف ليست مهيأة في الجزائر ليفتح نقاش حول الحركى" يضيف دجربال الذي يذكّر بأن هذه الشريحة باتت فرنسية, والحرْكى ليسوا ممنوعين كأفراد من دخول الجزائر باعتبارهم مواطنين فرنسيين, ويشدّد على أن ملف "الظلم" الذي لحق بهم, إن فتح, فيجب أن يفتح معه أيضا ملف الظلم الكبير الذي لحق بالجزائريين.
 
في سبتمبر/أيلول 2006, فاجأ بوتفليقة كثيرين عندما قال إن عائلات الحرْكى وأقاربهم تعرضوا للاضطهاد. اعتبر ثوريًا تصريحُ بوتفليقة الذي يكاد يكون المسؤول الوحيد الذي حرك ملفا فتحُه من المحرمات, عكس فرنسا حيث أثمر النقاش عشرات الكتب وبضعة أفلام, أحدثها يعرض هذا السبت بعنوان "خيار أبي" للمخرج رابح زنون, أحد أبناء الحَرْكَى.
 
أما بسنانسي فتخوض معركة فكرية ليس مع السلطات الفرنسية والجزائرية فقط, ففي 2006 لم يغفر لها أحد أبرز مواقع الحركى حديثها عن ضرورة تقديم أدلة على إعطاء جبهة التحرير (قيادة) أوامر بتقتيل الحركى. معركة بسناسي هي أيضا مع الحركى أنفسهم: كيف تجعلهم يصطلحون بينهم على رواية واحدة لما حدث.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة