قرصنة الكتب..عبء على الثقافة العراقية   
الأحد 1433/2/21 هـ - الموافق 15/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:41 (مكة المكرمة)، 10:41 (غرينتش)

 قرصنة الكتب وتجاوز حقوق النشر شاعت في العراق في العقدين الأخيرين (الجزيرة نت) 

وارد بدر السالم

في تسعينيات القرن الماضي شاعت في العراق ظاهرة الاستنساخ الأدبي والعلمي والفكري عموما، لتسجل سابقة فريدة على المستوى الثقافي المحلي في زمن الحصار الثقافي الشامل الذي كان يعاني منه المثقفون والعلماء والأكاديميون في تلك الفترة العصيبة.

وكان استنساخ الكتب الأدبية والعلمية في تلك الحقبة الحرجة من الحياة الثقافية العراقية نوعا من الاحتجاج الضمني على السلطتين السياسية والثقافية في إدخال الثقافة العراقية في منظومة معرفية ضيقة قوامها ما تنتجه المؤسسة الثقافية وما تمليه على الجميع من معرفة حزبية أحادية الجانب.

ولعل ذلك الحصار الداخلي الذي نتج عن حصار شامل لكل مرافق الحياة اليومية ولعقد ونصف من الزمن تقريبا، كان في أحد وجوهه شكلا من أشكال التمرد الثقافي، الذي استقدم الغائب من المعرفة ولو بحلقاتها البسيطة. لكنه كان نوعا مباشرا من تقوية الإرادة الفردية والجماعية معا في الوصول إلى أي سقف من الحرية الثقافية، حتى لو كانت الطرق الذاهبة إلى تلك الممنوعات غير مشروعة من ناحيتها الأدبية والقانونية.

كتاب حنا بطاطو "العراق" تعرض للقرصنة من قبل دور نشر عراقية وإيرانية (الجزيرة نت)
ثلاثية صناعية



فالكتاب والطباعة والنشر ثلاثية جدلية لحلقة ثقافية واحدة، وهي "صناعية " في وجهها المباشر، تعني طرفين لهما علاقة بهذا التكوين، وهما المؤلف منتجا والقارئ مستهلكا، وبينهما ما نسميه قانونيا "الحقوق"، وهي مادية واعتبارية يرعاها عادة ما نسميه "الناشر". وهذه أعراف طبيعية بين أركان هذه العلاقة منتظمة بعقود أصولية.

فإن كانت مثل هذه المتوالية، في الزمن الماضي، مشرعة ومفتوحة على نظام مؤسساتي واحد لم يخلق تقاليد ثقافية رصينة ولم يشع ثقافة النشر الحر بوجود الرقابة والرقيب، وما تسرب عبر هذا النظام من مخالفات قانونية بهذا الخصوص كاستنساخ الكتب والقواميس وبقية المراجع المعرفية عبر قرصنة علنية، فإن الزمن الجديد وما حمله من مستجدات ثقافية مختلفة وانفتاح معرفي كبير حري بأن يخلق وعيه الثقافي و"الكتبي" ويؤمن مستلزمات كل هذا.

فالأحزاب التي تحفل بها الساحة السياسية العراقية يكاد يكون معظمها خرج من معطف ثقافي ما وأيديولوجية تستند في دعائمها الأساسية على الثقافة الإنسانية بكامل تجلياتها.

قرصنة علنية
وتعمد بعض دور النشر إلى اختيار عناوين بعينها ونشرها لمعرفتها الأكيدة أنها نافدة من السوق، وتلك التي مر على إصدارها سنوات طويلة، سواء ما كان منها باللغة العربية أو الإنكليزية، وكل هذا يجري في غياب العقود الأصولية والقفز على الحقوق المالية التي هي حق لورثة المؤلفين المتوفين، أو حتى من المؤلفين الأحياء الذين يفاجؤون دائما بمؤلفاتهم المقرصنة والمسروقة من دور النشر.

وتأتي إحدى دور النشر في مقدمة الدور التي لا تراعي مثل هذه الحرمات، ولا يقف جشعها عند حدود معينة. كما فعلت عندما طبعت كتاب "مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة" للعلامة الراحل طه باقر، وكتبت عليه "الطبعة الأولى 2009 " !!! وبطبيعة الحال فإن هذه الدار لم تسلم أية حقوق مالية للورثة!

الكاتب علي الوردي مؤلفاته طبعت في دور نشر إيرانية دون حفظ حقوق المؤلف (الجزيرة نت)
دار أخرى "معروفة" تشارك في مختلف المعارض العربية تجد فرصتها سانحة للقرصنة على مؤلفات الرحلات التاريخية، التي تخص العراق وكتب المذكرات لشخصيات سياسية مختلفة.

ويمكن رصد عشرات الكتب التي وجدت طريقها إلى السوق العربية عبر هذه الدار، ولعلنا نشير إلى بعض الكتب التي قرصنتها هذه الدار منها "البابيون والبهائيون" لعبد الرزاق الحسني و"بغداد القديمة" و"قيان بغداد" لعبد الكريم العلاف ومذكرات توفيق السويدي ورحلة فريزر إلى بغداد ورحلة متنكر في بلاد كردستان.. وغيرها من الكتب الثمينة ذات الأهمية التاريخية والمعرفية، ومن الطبيعي جدا أن تحذو هذه الدار حذو الدور الأخرى في السطو على نتاجات العقول العراقية من القدامى والمحدثين.

مؤلفون مسروقون!
الأمر نفسه يحدث مع بعض مؤلفات الراحل طه باقر خاصة كتابه (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة) الذي يعاد طبعه عادة دار دون وجه شرعي، وحدث هذا في الملحمة التاريخية الكبرى "جلجامش" التي وجدت طريقها إلى دار ما أيضا، كما أعادت نشر كتب رحلات مهمة مثل "رحلة المنشئ البغدادي" و"رحلة أبي طالب خان إلى العراق وأوروبا" وغيرها من الكتب ذات البعد التاريخي والبحثي كـ"أعلام اليهود في العراق الحديث" لمير البصري.

غير أن الأمر تعدى المنطق كثيرا، حينما لجأت هذه الدار إلى اقتراف "جريمة ثقافية" جديدة بنشرها بحوثا مستلة من مجلة "سومر" التي كانت تصدرها مديرية الآثار قبل 2003، وهي مجلة محكّمة رصينة منتشرة على نطاق عربي وعالمي، تعنى بالتراث العراقي والعربي والعالمي.

وكانت هذه المجلة تنشر بحوثا هامة في مجالات اختصاصاتها المعرفية في العالم القديم، غير أن هذه البحوث أخذت طريقها إلى دار النشر هذه كمؤلفات مستقلة دون علم أصحابها ومؤلفيها!!

الزمن الجديد في العراق وما حمله من مستجدات ثقافية مختلفة وانفتاح معرفي كبير حري بأن يخلق وعيه الثقافي ويؤمن مستلزمات كل هذا
طبع في إيران!
لا نريد أن نتوسع كثيرا في التحليل والاستنتاج ونحن نشهد عشرات الكتب التي تطبع في إيران لدور نشر وهمية لا وجود لها على أرض الواقع، أو دور نشر "لمرتزقة" الكتب، فبعضهم يكتب على أغلفة الكتب المطبوعة في إيران "طبع في بيروت"، وبعضهم يغير تواريخ النشر وغيرهم لا يكتب أي شيء على أغلفة الكتب المطبوعة.

وفي إيران طبعت كل مؤلفات علي الوردي ومن دور نشر مختلفة إيرانية وعراقية. ومن إحدى مطابع إيران صدر كتاب الدكتور محمد مكية "بغداد" وبيع بأقل من ربع سعره الذي طبع في بيروت!! كما جاء كتاب أحمد سوسة "العرب واليهود .." من إحدى المطابع الإيرانية وكذلك مذكرات الدكتور مكية "خواطر السنين".

وطبعت هذه الدور الإيرانية الكثير من الكتب ذات العمق المعرفي والتاريخي والجمالي والجغرافي عبر مطابع إيران بأسعار زهيدة (دائما زهيدة !!) كقصائد الشاعر مظفر النواب ومؤلفات الباحث عباس العزاوي وعشرات الآلاف من نسخ كتاب حنا بطاطو "العراق"، وكتاب لونكريك "أربعة قرون من تاريخ العراق"، وغيرها من القواميس العلمية.
_______________
كاتب من العراق

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة