تسعة أسئلة لفك طلاسم الأزمة الليبية   
الأحد 1437/7/25 هـ - الموافق 1/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:57 (مكة المكرمة)، 15:57 (غرينتش)
أحمد خليفة- طرابلس
تعيش ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي في أغسطس/آب 2011 وضعا يكتنفه الغموض، إذ إن الأزمة السياسية معقدة ومتداخلة بين ما هو سياسي وعسكري، مما يجعل المشهد غير واضح في ذهن القارئ.

حيث تتبادر إلى ذهنه -خاصة غير الليبي- أسئلة متعددة، منها ما يتعلق بتنظيم الدولة الإسلامية، ومنها ما يتعلق بحكومة الوفاق الوطني التي يرأسها فايز السراج، وثالثة تتعلق بمصير المؤتمر الوطني العام والحكومة المنبثقة عنه، ورابعة عن البرلمان المنعقد في طبرق، وغيرها.

وللمساعدة في فك هذا الغموض، نقدم هنا مجموعة من المعلومات في صورة سؤال وجواب، لتكون عونا للقارئ على فهم الوضع الليبي في الوقت الحالي.

هل صحيح أن تنظيم الدولة الإسلامية واجهة لبقايا الموالين للقذافي؟

هذا الكلام غير دقيق، فبالنسبة لما يقال عن وجود أعوان للنظام السابق في تنظيم الدولة، أكد شهود عيان أن هذه الأقاويل ليست دقيقة، إذ إن هناك عسكريين من سكان سرت ممن كانوا ضمن كتائب النظام السابق انضموا للتنظيم أفرادا وليسوا قيادات فيه، وهم حاليا مجرد مقاتلين في التنظيم ولا يوجد لهم دور قيادي، وسبب انضمامهم انتقامي بالدرجة الأولى من ثورة 17 فبراير التي أطاحت بالنظام السابق وأفقدتهم قوتهم العسكرية التي كانوا سابقا يتمتعون بها.

ما المناطق والمؤسسات التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الجديدة؟

قد يكون من المبكر تحديد المدن أو المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني، لكن ما يمكن قوله إجمالا في هذا الصدد إن المجلس الرئاسي لهذه الحكومة الموجود منذ أكثر من شهر في طرابلس يحظى بدعم شعبي واسع، رغبة من الأغلبية العظمى من المواطنين الليبيين في كل مساحات القطر الليبي.

فالناس يعتقدون بأن هذه الحكومة ستنهي الأزمة السياسية والمسلحة في البلاد، ويرون أنها طوق النجاة الذي سينقذ ليبيا من التمزق والتشرذم الذي تعيشه منذ أكثر من عامين.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني يجهز -بشكل هادئ وعلى مهل- لتسلم زمام الأمور في الدولة الليبية بشكل عام، وبدأ بالفعل تسلم مقرات ومباني الوزارات في طرابلس، خاصة مقرات الوزارات السيادية كالخارجية والداخلية والمالية والدفاع.

وحاليا ينتظر المجلس الرئاسي البرلمان الليبي المنعقد في طبرق لتعديل الإعلان الدستوري وتضمين الاتفاق السياسي فيه والتصويت على منح الثقة بشكل رسمي للحكومة.

وهنا يجب أن نذكر أن أكثر من مئة عضو من البرلمان -أي الأغلبية- أصدروا بيانا أعلنوا فيه منح الثقة للحكومة، وطالبوها بمباشرة عملها بعد تضييق الخناق عليهم في طبرق ومنعهم بالقوة من عقد جلسة رسمية، بل وتهديدهم بالسلاح وانتشار مسلحين موالين للواء المتقاعد خليفة حفتر في محيط المقر الذي يوجد فيه البرلمان بطبرق.

ولكن، ووفقا للأعراف البرلمانية في منح الثقة للحكومات، فإن الأمر لا يُكتفى فيه ببيان صحفي فقط، بل يستدعي عقد جلسة رسمية برئاسة ومقرر وجدول أعمال والتصويت رسميا بعد ذلك على منح الثقة.

video

أما جغرافيًّا، فيمكن القول إن حكومة الوفاق الوطني تحظى بدعم شعبي واسع في المنطقتين الغربية والجنوبية من البلاد، ومساحات واسعة من المنطقة الشرقية التي يوجد فيها حفتر الذي يرفض هذه الحكومة ويراها مهددة لموقعه في المشهد الليبي، وتوافقه في ذلك دول عربية مجاورة وإقليمية.

كما أن الأهالي أو المواطنين بالمنطقة الشرقية يتخوفون من إعلان تأييدهم الحكومة بشكل ظاهر بسبب عودة الأجهزة الأمنية القمعية للنظام السابق للعمل في هذه المنطقة، خاصة في بنغازي، حيث تمارس هذه الأجهزة عملها وتمارس القمع نفسه الذي كانت تمارسه في عهد النظام السابق، فقد أتاحت لها ما تعرف بعملية الكرامة الفرصة، وهيأت لها المناخ للعمل وممارسة عملها من جديد.

ما الدول التي اعترفت رسميا بحكومة الوفاق والدول التي رفضتها؟

لم تعلن أي دولة غربية أو عربية حتى الآن اعترافها بشكل رسمي بالحكومة عبر بيان صادر عن وزارة الخارجية في هذه الدولة أو تلك وفقا للمتعارف عليه دوليا، لكن السياق العام والزيارات والتصريحات الصادرة عن الوفود التي تفد إلى طرابلس، خاصة من وزراء خارجية بعض الدول الكبرى تؤكد الاعتراف بالحكومة، بل بوصفها ممثلا شرعيا وحيدا لليبيين، مع إطلاق وعود بدعمها بقوة.

يشار إلى أن من زار المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس من المسؤولين الغربيين وزراء خارجية ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي.

ويجدر التذكير بأن حكومة الوفاق الوطني هي نتاج لاتفاق الصخيرات الذي رعته وأشرفت عليه هيئة الأمم المتحدة، مسنودة بدعم دبلوماسي وسياسي من الدول الغربية الكبرى، التي قدم وزراء خارجيتها إلى طرابلس وأعلنوا منها تأييدهم هذه الحكومة.

أما عربيا، فلم يزر طرابلس حتى الآن معلنا الاعتراف بهذه الحكومة سوى وزير الشؤون المغاربية في الجزائر عبد القادر مساهل.

لكن في العموم، إن هناك ضغوطا غربية مستمرة لم تتوقف منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي لحث دول العالم على ضرورة الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، وعدّها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا حاليا، بل وتعدى ذلك إلى إطلاق وعود غربية بمنحها الأموال الليبية المجمدة خارج ليبيا، وفي عدة دول غربية وعربية، بعد اجتياز العوائق القانونية التي تمنع منح ليبيا هذه الأموال حتى الآن.

ما المؤسسات التي تقع تحت سيطرة حكومة الوفاق؟

بالنسبة للمؤسسات التي تقع تحت سيطرة الحكومة أو تخضع لها، فهي المؤسسات السيادية والمالية الكبرى، كمصرف ليبيا المركزي، والمؤسسة الليبية للاستثمار، والمؤسسة الوطنية للنفط، وديوان المحاسبة.

video

ما مصير حكومتي طرابلس وطبرق وبرلمانيهما؟

خلق الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر/كانون الأول الماضي واقعا سياسيا ومؤسساتيا جديدا في ليبيا، حيث أفرز هذا الاتفاق ثلاث مؤسسات جديدة، أو لنقل تحديدا أعاد تدوير اثنتين وأفرز واحدة جديدة كالآتي:
  • أولا البرلمان الليبي أو مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق، الذي انتهت شرعيته في العشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والآن أعاده الاتفاق السياسي -على سبيل المجاز- إلى الحياة من جديد.
  • ثانيا المجلس الأعلى للدولة، وهو المسمى الجديد للمؤتمر الوطني العام، بعد توقيع الاتفاق.
  • ثالثا حكومة الوفاق الوطني التي تتكون من مجلس رئاسي بتسعة أعضاء وبقية الوزراء.

كيف تم توزيع السلطة بين الأطراف الثلاثة السالفة؟

نص الاتفاق بعد المباحثات والمشاورات بين أطراف الأزمة على توزيع السلطة وتقسميها بين هذه الأجسام الثلاثة، وكذلك منح الحكومة صلاحيات تشريعية خلافا للمتعارف عليه من أن الحكومات سلطة تنفيذية.

ويرجع ذلك إلى أن الاتفاق السياسي جاء جراء أزمة حكم وتصارع على السلطة عاشتها البلاد، وأطرافها أقطاب سياسية عدة على رأسها المؤتمر الوطني العام والبرلمان الليبي في طبرق، وقد جرّ هذا الصراع البلاد إلى الدخول في حرب شرسة لم تنته حتى الآن، خاصة في بنغازي.

وبالنسبة للحكومتين فإن مصيرهما الآن هو العدم ولا قيمة لهما، فلا اعتراف دوليا أو محليا بهما بعد توقيع اتفاق الصخيرات.

وكان المجلس الأعلى للدولة عقد جلساته في طرابلس، وانتخب رئيسا له هو عبد الرحمن السويحلي مع نائبين آخرين، لكن هذه الخطوة رفضها أعضاء من المؤتمر الوطني العام على رأسهم رئيسه نوري بوسهمين، حيث رأوا أن ما تم خطوة غير دستورية، وقفز على الاتفاق السياسي والشرعية التي يرون أنفسهم ممثلين له.

بل ووصل الأمر إلى قيام الرافضين بتقديم طعن في صحة جلسات هذا المجلس أمام المحكمة العليا، وفي حال صدور حكم بقبول الطعن وعدم صحة انعقاد جلسات هذا المجلس فإن ذلك سيكون إيذانا بعودة الأزمة إلى المربع الأول، وهي تنازع الشرعيات الذي تجاوزه الاتفاق السياسي إلى حد كبير.

video

ما مصير حفتر وعملية الكرامة؟

إذا طبقت بنود الاتفاق الموقع في الصخيرات كما هي دون تحريف أو تدخل، فإن حفتر سيكون مع عمليته التي أسماها "الكرامة" خارج المشهدين العسكري والسياسي الليبي، لوجود مادة في الاتفاق وهي المادة الثامنة من الأحكام الإضافية التي تنص على "نقل كافة صلاحيات المناصب العسكرية والمدنية والأمنية العليا المنصوص عليها في القوانين والتشريعات الليبية النافذة إلى مجلس رئاسة الوزراء فور توقيع هذا الاتفاق، وتعيين قيام المجلس باتخاذ قرار بشأن شاغلي هذه المناصب خلال مدة لا تتجاوز عشرين يوما، وفي حال عدم اتخاذ قرار خلال هذه المدة يقوم المجلس باتخاذ قرارات بتعيينات جديدة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما مع مراعاة التشريعات الليبية النافذة".

وهذا يعني نقل صلاحيات منصب القائد العام للقوات المسلحة للمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وهو أمر يرفضه بشكل قاطع أغلب أعضاء مجلس النواب الليبي الممثلين للمنطقة الشرقية والمعروفين بدعمهم لحفتر وموالاتهم الشديدة له، وعلى رأسهم عقيلة صالح رئيس المجلس الذي يسعى جاهدا وبكل ما يمتلك من صلاحيات إلى إلغاء هذه المادة وإسقاطها من الاتفاق بأي شكل من الأشكال.

وفي حال تمكنت كتلة حفتر في البرلمان من إلغاء هذه المادة، فإننا سنشهد تصعيدا من الطرف المقابل الموقع على الاتفاق الذي يرى في إبعاد حفتر عن قيادة المؤسسة العسكرية خطوة مهمة في اتجاه التوافق وإنهاء الانقسام.

ما مصير خليفة الغويل؟

خليفة الغويل هو رئيس ما يعرف بحكومة الإنقاذ الوطني، وهو ينحدر من مدينة مصراتة التي تشكل رقما مهما وصعبا في المعادلة الليبية، بل إنه أحد أبرز وجوه هذه المدينة بعد ثورة فبراير/شباط 2011.

وعرف الغويل برفضه اتفاق الصخيرات وما ينبثق عنه، وكان رافضا بقوة لدخول الحكومة إلى طرابلس، بل إنه سخر كل ما يملك من صلاحيات في سبيل منعها، حتى وصل الأمر إلى إغلاق المجال الجوي لطرابلس مرتين أمام الطائرة التي تقل المجلس الرئاسي من تونس إلى طرابلس.

وواصل رفضه المعلن لها حتى صدر قرار من الاتحاد الأوروبي بوضعه مع رئيس المؤتمر الوطني العام نوري بوسهمين وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب ضمن قائمة من تطالهم العقوبات بوصفهم معرقلين للاتفاق السياسي.

وإذا تمكنت حكومة الوفاق الوطني من تثبيت أقدامها في العاصمة، وسيطرت على كامل التراب الليبي، بعد منحها الثقة بشكل رسمي من قبل مجلس النواب، فإن حكومة خليفة الغويل المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام وحكومة عبد الله الثني المنبثقة عن مجلس النواب ستكونان جزءا من الماضي لمرحلة مرت بها ليبيا اتسمت بالصراع السياسي والعسكري العنيف.

ولكن، وعلى سبيل الترضية وحفظ ماء الوجه -وهذا ليس مستغربا- فقد يمنح الغويل أو الثني أو وزراء حكومتيهما مناصب دبلوماسية أو إدارية حكومية، بسبب تأثيرات جهوية أو مناطقية أو قبلية بالمجتمع الليبي.

video

ما مصير فجر ليبيا؟

بالنسبة لمسمى "فجر ليبيا" فيمكن القول إنه ليس هناك واقعيا شيء اسمه قوات فجر ليبيا، ففجر ليبيا كانت اسما لعملية عسكرية شهدتها طرابلس عام 2014 وانتهت هذه العملية بمجرد انتهاء المعركة بين قوات فجر ليبيا في حينها -وهي كتائب الثوار- وبين لوائي القعقاع والصواعق الموالين لرئيس الوزراء السابق محمود جبريل.

وكانت هذه العملية تهدف إلى إخراج هذين اللواءين من طرابلس، بعد ثلاثة أعوام من سيطرتهما على مطار طرابلس وبعض المؤسسات الحكومية الليبية التي كان يقوم بتأمينها مسلحون ينتمون لهذين اللواءين، وهما لواءان يضمان الأغلبية العظمى من مسلحي كتائب القذافي التي واجهت الثوار عام 2011.

وتعدّ مدينة الزنتان القاعدة الرئيسية لقيادة هذين اللواءين، فلواء القعقاع مثلا على رأسه شخص يدعى عثمان امليقطة، وهو شقيق السياسي الليبي عبد المجيد امليقطة القيادي البارز جدا بحزب تحالف القوى الوطنية الذي أسسه محمود جبريل.

وبعد توقيع الاتفاق السياسي في الصخيرات المغربية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، فإن معظم الكتائب الثورية المسلحة التي شاركت في عملية فجر ليبيا العسكرية أعلنت تأييدها حكومة الوفاق الوطني، وأبدت استعدادها للتعاون معها ودعمها وتأمين المقرات الحكومية التابعة لها.

وهنا تجدر الإشارة بالتأكيد إلى أن العمود الفقري لقوات فجر ليبيا يتمثل في كتائب وألوية الثوار المسلحة من مدينة مصراتة (غرب البلاد)، ومعها كتائب مسلحة ثورية قدمت وقتها من مدن ومناطق تقع غرب وجنوب طرابلس من مدن عرفت بموالاتها لثورة فبراير كغريان والخمس وزليتن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة