المستجدات تفرض تموضعا جديدا للأحزاب المسيحية بلبنان   
السبت 1426/11/16 هـ - الموافق 17/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 17:26 (مكة المكرمة)، 14:26 (غرينتش)

المستجدات على المشهد السياسي تفرض تغييرات جوهرية (الفرنسية-أرشيف)

عبد الحليم قباني-بيروت

ليس من الممكن أن تبقى الخارطة السياسية على الساحة المسيحية في لبنان على حالها بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وتاليا اغتيال عدد من السياسيين والإعلاميين كان آخرهم النائب جبران تويني.

فقد أجرت التيارات والأحزاب المسيحية العريقة أو المتجددة ما يشبه إعادة انتشار أو تموضع سياسي ضمن خيارات قد يكون أحلاها مرا بالنسبة إلى بعضها.

فالمشهد السياسي المستجد يحفل حكما بتغيرات جوهرية على هذه الساحة بعد الانسحاب السوري وعودة العماد ميشال عون من منفاه الباريسي والإفراج عن سمير جعجع ونتائج انتخابات نيابية جرت في يونيو/ حزيران وأحدثت "هزة" سياسية في الشارع المسيحي وصلت ارتداداتها إلى عمق الأحزاب العريقة، وهو ما أفرز واقعا يضم مكونات سياسية جديدة.

إحجام الأحزاب المسيحية
يرى النائب جورج عدوان من كتلة القوات اللبنانية أنه لمعرفة الحجم الحقيقي للأحزاب يجب أن يُفسح لها المجال لتتفاعل ديمقراطيا وتحظى بغطاء قانوني من قبل الدولة، وبالتالي لا يمكن القياس بالفترة الماضية وتحديدا الممتدة من العام 1990 حتى العام 2005 حيث انعدم وجود هذا التفاعل بسبب نفي العماد عون واعتقال جعجع ووضع اليد على حزب الكتائب بالإضافة إلى وجود الوصاية السورية.

ولفت عدوان في حديث مع الجزيرة نت إلى أن علاقة الأحزاب بعضها ببعض يحددها البرنامج السياسي لكل حزب، إذ يتم التعاون على أساس نقاط مشتركة فيما يسود التنافس الديمقراطي والواعي عند الاختلاف من أجل تحقيق الأفضل.

أما النائب إبراهيم كنعان عضو كتلة الإصلاح والتغيير فيرى أن الأحزاب موجودة بنسب متفاوتة، ومن الممكن أن يكون حزب التيار الوطني الحر موجود بنسبة أكبر من غيره ما يدل على أن طرحه مقبول أكثر من غيره ويمكنه الوصول إلى قناعات الرأي العام.

وأعرب كنعان للجزيرة نت عن أمله في أن يشارك حزبه مستقبلا مع تيارات وقوى تغلب عليها نظرة المشاركة مع الآخر على نظرة السلطة كهدف.

وأجمع كل من عدوان وكنعان على أن حزبيهما يتمتعان بقوة تغييرية، والسباق يأتي باتجاه البرامج الاجتماعية، كما أكدا أن عدد المؤيدين والمنتسبين للحزبين يتزايد بدليل التأييد الطلابي لهما الذي تجلى في الانتخابات الطلابية.

"
أمين الجميل عزا سبب تراجع حزب الكتائب إلى مصادرة دوره في الماضي أسوة بمعظم المؤسسات الوطنية وتعرضه لخطة مركزة لإضعافه نفذتها السلطة الأمنية
"

الإقصاء والتهميش
وفي الجانب الآخر ثمة أحزاب عريقة كالكتائب اللبنانية والكتلة الوطنية والأحرار لها وجهة نظر مع بروز حزبين يتحركان بزخم على الساحة السياسية، الأمر الذي أدى بشكل أو بآخر إلى تراجعها قياسا مع الأدوار القيادية الفاعلة التي كانت تضطلع بها سابقا وأسهمت في تكوين تراثها في الحياة السياسية اللبنانية.

فالرئيس الأعلى لحزب الكتائب اللبنانية أمين الجميل عزا في تصريحات للجزيرة نت سبب تراجع الحزب إلى مصادرة دوره في الماضي أسوة بمعظم المؤسسات الوطنية وتعرضه لخطة مُركزة لإضعافه نفذتها السلطة الأمنية آنذاك حين حاولت خلق مشاكل داخلية مثل الانتفاضات والاختراقات عبر تدخلات خارجية بهدف تعطيل دور الحزب، ولعل خير دليل على تدخل السلطة الأمنية هو اتحاد الكتائب بعد تحرر لبنان من الوجود السوري.

أما رئيس حزب الأحرار دوري شمعون فشدد على أن للحزب تراثا وماضيا مشرفا يجب أن يبقى في ذاكرة اللبنانيين وأنه دفع ثمن خطابه السياسي المعارض للوجود السوري في لبنان.

ولا يزال للحزب دور فاعل وغير مهمش، في حين تسلم الأمينة العامة لحزب الكتلة الوطنية كلود كنعان "بتراجع شعبية الحزب" عازية هذا الأمر إلى أسباب عدة أبرزها أن الحزب أخذ على عاتقه عدم الدخول في الزوايا الطائفية المتشنجة فضلا عن دور المخابرات الذي أضعف دور الأحزاب وهمشها ونفي العميد ريمون إده.

وقال شمعون للجزيرة نت إنه جرى إقصاء -وليس تهميش- الحزب من قبل أطراف سياسية أساسية عن التشاور في التطورات السياسية "لأنهم يعرفون رأينا مسبقا".

فرز للأحزاب
ونفى الجميل وجود أحادية أو ثنائية حزبية، مشيرا إلى أن بروز قوى أخرى على الساحة أدى إلى تغييب حزب الكتائب اللبنانية ومروره بمراحل ركود، واعتبر أن هذه القوى لم تضف أي جديد بل اكتفت بالشعارات نفسها.

ورأى شمعون أن الحزب موجود وله كيان، أما بالنسبة للهيئة التأسيسية للقوات اللبنانية فقال إنها تتمتع بحضور قوي منذ الأساس، ما أدى إلى ترجمة هذه القوة في الانتخابات النيابية الأخيرة. لكنه اعتبر أن حزب التيار الوطني الحر استمد قوته في الانتخابات النيابية بفعل الشحن الطائفي الذي مارسه خلالها مستغربا تجاهل الناس للماضي الأليم والاقتراع لمصلحته.

في المقابل ورغم اعتراف شمعون ببروز قوتين فإنه لم يسلم بأنهما تشكلان ثنائية أو أحادية بإمكانها أن تختزل القرار السياسي المسيحي.

ويرى كنعان أن هناك ثنائية ظاهريا بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية لأن الأضواء مسلطة عليهما، فالأول يرتكز على المستقلين في الجامعات والثاني يستمد قوته من تحركاته ومن تسليط الإعلام.

وأشار إلى أنه في العمق لا يبدو ذلك صحيحا فهناك "التيار" و"القوات" ورأي عام حر ومستقل وفي الشارع المسيحي مؤيد لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الذي يمثل قطب كونه يجسد طروحات وطنية تلبي طموح المستقلين الذين يشكلون الأكثرية. فالثقافة السياسية ترتكز اليوم على الشخص.
ـــــــــــــــ
مراسل الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة