الشعر مضاد حيوي للثورات   
الخميس 1432/3/1 هـ - الموافق 3/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:14 (مكة المكرمة)، 15:14 (غرينتش)

الطاهر العبيدي
 
"حذار فتحت الرماد اللهيب ... ومن يبذر الشوك يجني الجراح"، أعطني شعرا أعطيك ثورة "الشعر عمل انقلابي"، تلك هي بعض المفاصل أو بعض الممرّات أو بعض المنعرجات، التي تحيل على أسئلة ظمأى حول مساهمة الشعر في تغذية الثورات الإنسانية، وإحداث حالة قلق مستمرة في الصدور، التي تعاني حالات الربو السياسي والاجتماعي.
 
وهي تبقى عالقة في الوجدان الشعبي ومتجذرة في اللاوعي الجماهيري، ومؤجلة تنتظر إشارة انطلاق لتبرز في شكل جرعات تحصينية تغذي الغليان واللهيب الكامن في الصدور المكممة، والمنتظرة لشرارة التصريح الميداني، ضد واقع القهر والبؤس.

فكثيرا ما ارتبط الشعر الانتفاضي بمناخات الجور والتسلط، ليكون من التعبيرات الأرضية التي تترجم متاعب وهموم الجماهير، ذالك لأن هذا النوع من الشعر اختار عدم التحليق  في الفضاء، مفضلا الالتحام بالأرض، كي يستطيع جس ارتفاع درجة حرارة أجساد الجماهير، والانحياز إلى المدن التي يغطيها رذاذ البؤس والغبار، وناطقا باسم تلك الأحياء المشروخة، والقرى التي غادرها الربيع، لتكون رائحة شي الحروف والكلمات إحدى شرارات الثورات والانتفاضات المنقلبة على واقع الأنظمة الحدباء.

وبذلك يكون الشعر الثائر إحدى الأدوات المساهمة في خلخلة الجدار العازل، الذي يحجب خيوط الشمس، ومحاكاة أرصفة الصبر، كي يلتقط  الإشارات الصادرة عن الإنسان الحالم بالعبور إلى الحرية والانعتاق.

من هنا فإن الشعر الملتزم بقضايا الناس كان وقود معارك التحرر والكرامة، وذخيرة كامنة في اللاوعي الجمعي، كما في العديد من الثورات الشعبية التي غالبا ما تستند على العديد من العناصر الروحية والفكرية والاجتماعية والبيئية، ومنها الاحتماء بالشعر الانقلابي المنبثق من الإحساس بالغبن والجور، فيجتهد الشعر المفوض باسم الملايين التي تجهل ضوء النهار، في الانتصار على كساد الجماهير، والاستنصار للتعبير ضد الصمت الآثم وضد الفعل المهزوم.

الثورة الجزائرية
لقد اصطف الشعر الهادف كإحدى أوعية الثورة الجزائرية، وأحد عناصر المقاومة والتعبئة، مثلما يلوح في إحدى قصائد الشيخ عبد الحميد بن باديس التي تترجمها هذه الأبيات:  
 
شَعْـبُ الجـزائرِ مُـسْـلِـــمٌ    وَإلىَ الـعُـروبةِ يَـنتَـسِـبْ
مَنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْلِـهِ   أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـذبْ

وبذلك يكون الشعر قد انخرط في المعركة، وكان مجندا على خطوط التماس، ليشترك في تخضيب بصمات الهوية والانتماء، مما قوض مقولة المستعمر إن "الجزائر فرنسية"، وبذلك يكون الشعر أحد الكتائب المصطفة في خنادق الكفاح، من أجل تجذير الثورة على أسس الانتماء والمرجعية القيمية والمساهمة في رج النفوس.

لعلنا هنا حين نحاول إلقاء نظرة سريعة حول واقع الثورة التونسية ضد الاحتلال الفرنسي، حيث كان الشعر من أدوات المقاومة للتصدي للمستعمر.
 
وقد برز الشعر العامي القريب من واقع الجماهير، الذي اختار التحدث بلغة الناس، بلغة المقاهي المتثائبة، بلغة الشوارع المعطوبة، بلغة قرى التيه والبؤس، لتترجم في شكل أغان تثير الحماس والاعتزاز، تمجد فعل الثوار وتوضع الاستعمار.
 
ليتناقلها الناس، ويتحول هذا الشعر العامي بعد أن وقع تكريره وتحويله إلى إيقاعات غنائية شعبية، ظلت نبض الزمان ونبض المكان،  تردد في الأفراح وفي التجمعات وضمن المجالس الشعبية. متغنية بأبطال الكفاح المسلح ضد المستعمر، من أمثال رموز المعارك البطولية البشير بن سديرة "الدغباجي"، وغيرهم.

وفي هذا المجال نسجل السيمفونية الشعرية العامية المشهورة، في تخليد إحدى معارك القائد الثائر "محمد الدغباجي"، الذي ظل صداعا مزمنا في رأس المحتل الفرنسي. التي بقيت محفورة في الذاكرة الشعبية تتغنى بها الأجيال المتعاقبة. 
  
الخمسة اللي لحقوا بالجرة      وملك المــوت يراجي
لحقوا مولى العركة المـرة     المشهــور الدغباجي

استدعاء للشعر
طبعت الثورة التونسية منذ  انطلاقتها في 17 ديسمبر/كانون الأول 2010  قوافي شاعر الثورة والحرية أبو القاسم الشابي، الذي كان حاضرا من خلال أبياته الشهيرة:

إذا الشعب يوما أراد الحياة   فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد للظلم أن ينجلي        ولا بد للقيد أن ينكسر
 
والتي كانت جزء النشيد الوطني الرسمي، ومن الشعارات المرفوعة على مر أيام الثورة الشعبية التونسية، مما غذى الشعور الشعبي بعدم الاستكانة والقدرية، والاستمرار في الانتفاضة ضد واقع الرسوب الاجتماعي والسياسي، ومواجهة القمع بكل مشتقاته.

وقد كانت تحركات الجماهير الغاضبة في اتجاه تكسير الرمزية الصنمية للدولة، والتمرد ضد المؤسسات المقوسة الظهر، وضد السلطة الفولاذية تستبطن في رف الذاكرة فواصل من التعبيرات الحسية، التي ساهمت بطريقة متسربة في إذكاء روح التمرد والاعتزاز بالشخصية الحالمة بالعبور إلى شواطئ الحرية والكرامة.
 
وكذلك الاصطفاف إلى جانب الترانيم الشعرية التي تبعث الحرارة في الدماء، التي سرى فيها غليان الغضب، وبراكين اللهب، والبحث عن اللجوء السياسي والاجتماعي، بين خيام العديد من أبيات "الشابي"، لتخصيب عناوين الانقلاب ضد السلبية، والتحريض من أجل استدراك الوعي العابر للقارات، كما في إحدى قصائد "أبو القاسم الشابي" التي كانت رسائل مضمونة الوصول لكل ظالم ومستبد حين يقول:
 
ألا أيها الظالم المستبد          حبيب الظلام عدو الحياة
سخرت بأنات شعب ضعيف   وكفك مخضوبة من دماه
 
وللشاعر "أبو القاسم الشابي" بصمات ممتدة في الماضي والحاضر في الذهنية التونسية وفي الوجدان الشعبي، حيث ارتبط شعره بمرحلة الاستعمار، ومحاولاته الشعرية المستمرة في تأليب الناس ضد معسكر السكينة والاستكانة والانتظارية،  وفضل ركوب صهوة القوافي مساهما في تأسيس وعي ثوري، يتكامل مع المقاومة الشعبية للمحتل، وعدم التوكؤ على أشلاء الترقب، في انتظار نصر لا يأتي عبر التثاؤب والسهاد. وقد ترجم ذلك جليا في قصيدة "النبي المجهول".
 
أيهـا الشـعبُ  ليتنـي كـنتُ حطَّابـا
            فــأُهْوي عــلى الجـذوع بفأسـي!
ليـت لـي قـوّةَ العـواصفِ, يا شعبي
            فـــأُلقي إليــك ثــوْرَةَ نفســي
 
ليكون هذا الشعر المنبثق من ازدواجية الحلم والتعب، أحد العناصر المغذية للثورة الشعبية التونسية، التي تبقي وشما في جبين التاريخ الحديث.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة