دوائر الحكومة بسوريا لا تزال لـ"حيطانها" آذان   
السبت 1433/12/26 هـ - الموافق 10/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:04 (مكة المكرمة)، 15:04 (غرينتش)
وزير الإعلام يتحدث أثناء مؤتمر صحفي بوزارة الإعلام وخلفه صورة للرئيس بشار الأسد (رويترز-أرشيف)
صور الرئيس السوري بشار الأسد المنتشرة بكثافة هي أول ما يلفت النظر عند دخول أي مؤسسة حكومية سورية، حيث يسود مناخ استخباري خانق داخل هذه الدوائر.
 
ويبلغ عدد العاملين في الدولة -بحسب آخر ما نشره المكتب المركزي للإحصاء- أكثر من مليون ومائة ألف شخص.
 
وفوق كل ضغوط العمل الاعتيادية، يتحمل الموظفون السوريون مخاوف وإجهادا نفسيا يتعلق بالمناخ الاستخباري الذي يسود المكاتب وأروقة المؤسسات، إذ لا يزال مفهوم "الحيطان لها آذان" مكرسا هناك بل إن وطأته صارت أشد. 

العديد من الموظفين تحدثوا للجزيرة نت، عن مشاكل كبيرة تواجههم يوميا وبعضهم تعرضوا للاعتقال وأحيلوا للتحقيق. وحصلت الجزيرة نت على وثائق توضح التعليمات التي تصلهم من الجهات المسؤولة في ما يخص الأحداث الدائرة في البلاد.

كان آخر تلك التعميمات يوجه جميع العناصر إلى الالتزام بالعمل الموكل إليهم وعدم إضاعة الوقت في الكلام والتحليلات والأحاديث الجانبية.

وتعميم آخر من رئاسة مجلس الوزراء يتضمن تحذيرا من أن "العصابات الإرهابية" ستقوم بتقديم الطعام والمشروبات والحلويات مدسوسا فيها المواد المخدرة والسموم إلى عناصر الحراسات والاستعلامات في الجهات الحكومية بهدف النيل منها وقتلها.

وفي وقت باكر من بدء الاحتجاجات منعت أجهزة استقبال البث التلفزيوني الفضائي في جميع المؤسسات وأصبحت فقط المحطات المحلية هي المتاحة. 

الموظفة أمل تقول إنها رأت عدة مرات جثثا مرمية في الطريق (الفرنسية-أرشيف)

تحقيقات وعقوبات
أمل موظفة تعرضت لسلسلة من التحقيقات والعقوبات بسبب تعبيرها عن رأيها المعارض للنظام أمام زملائها ونقلت من مكان عملها إلى دائرة أخرى، وهي الآن شبه معزولة في مكتب لوحدها ويتم تحاشيها من باقي الموظفين لئلا تسوء سمعتهم الأمنية.

تقول أمل إن أكثر من عشرة أشخاص من عائلتها قتلهم النظام ولا تستطيع أن تنافق وتبدي تأييدها له، وتضيف "كثيرا ما أبيت أنا وأسرتي في الملجأ ثم أخرج تحت القصف في ريف دمشق لأصل إلى وظيفتي ورأيت عدة مرات جثثا مرمية في الطريق ويجب أن أصغي إلى الموظفين المؤيدين وهم يقلبون الحقائق، لا شيء أكثر استفزازا من ذلك".

لكن وضع أمل أفضل من زملائها الذين اعتقلوا بسبب تقارير أمنية كتبها موظفون آخرون يعملون في نفس المكان وبعد الإفراج عنهم فصلوا من العمل وخسروا مصدر الرزق الذي يعيل أسرهم.

فبعد أن فقد علاء وظيفته الحكومية، حيث كان يعمل أستاذا في المرحلة الابتدائية، إثر اعتقاله من قبل الأمن العسكري أصبح الآن يكسب قوت يومه عاملا في ورشة بناء.

موظف آخر حدثنا عن تجربة اعتقاله بتهمة دعم أسر "الإرهابيين" حيث كان يقدم بعض المساعدات لعائلات النازحين من حمص. ويقول "لقد استدعوني عبر الأمن الخاص بالمؤسسة وحققوا معي لأسبوع كامل".

وأضاف "اطلعنا على حالات أخرى لزملاء استدعتهم المخابرات العامة بتهمة التظاهر واعتقلوا ستين يوما ثم تم تحويلهم إلى شعبة الأمن السياسي وبعدها فصلهم من العمل، ورغم أن مرسوم العفو الأخير يجب أن يشملهم لكن وضعهم لم يتغير".

الأمن يسيطر على المؤسسات الحكومية (الجزيرة-أرشيف)

سيطرة أمنية
فادية موظفة في مؤسسة السكك الحديدية تقول إن الدوام أصبح يسبب لها الكثير من التوتر حيث تشعر بأنها تحت المراقبة ولا تستطيع التحدث إلى زملائها المتعاطفين مع الثورة لأن المؤيدين يترصدون كل حركة وسكنة ويرفعون تقارير للأمن.

وقالت إنها تلقت العديد من التنبيهات وحتى التهديدات بإمكانية إلحاق الضرر بها إذا لم تلتزم الصمت، وتضيف "لقد تأزمت العلاقات بين الموظفين بعد اندلاع الثورة بين مؤيدين ومعارضين، وهناك من قاطع الآخرين وتسبب لهم بالأذى عبر الوشاية".

وأوضحت أن سيطرة الأمن على المؤسسات الحكومية أصبحت أكبر الآن، وتقول "قبل عدة سنوات عندما أردت الحصول على وظيفة حكومية خضعت لتدقيق أمني وملأت استمارة تتضمن كل البيانات الشخصية الخاصة بي وبأقاربي من الإخوة والوالدين والأعمام والعمات والخالات والأخوال وأزواجهم، واستقصى الأمن عني في الحي الذي أسكنه وسألوا كلا من مختار الحي والبقال وناطور البناية".

وأضافت أن الوظيفة هي مصدر الرزق الوحيد لها وعليها تحمل كل تلك الضغوط بالإضافة إلى خطورة الوصول إلى مقر العمل بسبب تصاعد العنف يوميا، مشيرة إلى أن تلك مشكلة عامة يشاركها فيها معظم العاملين في الدولة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة