تلقائية الانزياحات وانتقائية المصاحبات   
السبت 1432/5/27 هـ - الموافق 30/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:29 (مكة المكرمة)، 16:29 (غرينتش)

غلاف المجموعة الشعرية "يا جبال أوِّبي معه" (الجزيرة نت)

                                                              إبراهيم الزيدي

هبت على الشعر كباقي الفنون ريحُ العصر وروحه، فطارت مدوناته إلى شتى المراحات، تغرب منها ما تغرب، وتجدّد ما تجدّد، وبقي بعض منها في مراح الخليل بن أحمد الفراهيدي.

ومن المدونات التي احتفظت بمراحها الإنساني، وتنفست روح العصر كما تقتضي الحياة مجموعة "يا جبال أوبي معه" للشاعر عيسى الشيخ حسن، الصادرة عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، فهي تتمتع بتعدديّة في الأصوات، والأساليب، واللغات، ويمكننا القول بتعدديّة الوظائف أيضا.

ويقتضي ذلك الوقوف على النظام الإشاري لنصوصها، وليس بالإمكان التوصل إلى نتائج علمية في التحليل ما لم نتوسل بذلك النظام وظيفيًّا ودلاليًّا، "وإذا تأملنا هذه العملية، فسنرى أنها تربط بين طرفين: اللغة نظامًا، والإيصال هدفًا، ويكون ذلك ضمن علاقة تمثل اللغة فيها أداة الإيصال، ويصبح الإيصال فيها وظيفة اللغة"*.

تداخل النص واللغة
مجموعة "يا جبال أَوِّبِي معه" هي خلاصة غنية ومكثفة لتجربة شعرية منحازة للمعاني المستترة، مع حضور مميز للعفوية، فالكلمات في هذه المجموعة تقول أكثر مما تستطيع، نتيجة لانحلال الذات في فعل الكتابة
هذه العلاقة المتداخلة بين النص ولغته، تحتمل أكثر من قراءة تحليلية، بيد أن تلقائية الانزياحات الشعرية، وانتقائية المصاحبات اللغوية في هذه المجموعة، فرضا نفسيهما كحامل موضوعي على هذه القراءة.

"ولد/ إلاّ سبع سنابل، يرتكب قصيدته"

في هذا المقطع من قصيدة "شهادة تعريف" يمكن ملاحظة الانزياح المُتضمن في المصاحبة اللغوية، من خلال لفظة "سنابل" فالمعنى الذي أضفته الكلمة على الجملة حقق الانزياح، ووجودها في الجملة "بمعزل عن إحالاتها الدلالية" حقق المصاحبة اللغوية للكلمة السابقة عليها "سبع"، ومن خلال تحقيقها للإحالة الدلالية في المعنى، والمصاحبة اللغوية في الوجود تحققت للجملة الشعرية غنائيتها أيضا.

وكذلك في المقطع اللاحق "يرتكب قصيدته" فالفعل "يرتكب" الذي يشي بمهمة الولد، حقق الانزياح، ولو أن الشاعر اختار مصاحبًا لغويا غير "قصيدته" للفعل "يرتكب" لما تحقق الانزياح بالضرورة، فانتقائية المصاحب اللغوي هنا، هي التي نقلت الكلمات إلى فضاء اللغة، حيث القيم التعبيرية المكثفة.

" كنّا نهذي بالباب/ ونفك ضفائر رؤيانا، لتمرّ الأسماء"

هذا التمرد اللغوي، يخرج اللغة من أحاديتها إلى تعدديتها، فينفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات التأويل، من خلال التداخل الذي أحدثه الأسلوب، ومن خلال إزاحة المعاني عن مألوفها، فالرؤيا ليس لها ضفائر، والأسماء لا تحتاج إلى فك تلك الضفائر لتمرّ، بيد أن القصديّة في اختيار كلمة "رؤيانا" لتكون مصاحبة للضفائر، هي التي أحدثت النقلة النوعية في بناء الحدث الشعري، ثم استكملت بـ"لتمرّ الأسماء" لتحقق اتصالاً مع عناصر سابقة على المواصفات والمعايير.

هذه العلاقة المتداخلة بين النص ولغته، تحتمل أكثر من قراءة تحليلية، بيد أن تلقائية الانزياحات الشعرية، وانتقائية المصاحبات اللغوية في هذه المجموعة، فرضا نفسيهما كحامل موضوعي على هذه القراءة
وظائف جديدة
إن متابعة هذه اللعبة الإبداعية القائمة على التلقائية حينًا، والقصدية حينًا آخر، ليست بالجديدة على الشعراء، الجديد نراه في قدرة الشاعر على إعطاء الألفاظ وظائف جديدة، وإخراجها من دلالاتها المتعارف عليها:

"سأموت، إذا غاب عن خاطري ثلة الأصدقاء، يحوكون أحزانهم نجمة في ظلال البيوت"

بمعزل عن الشحنة العاطفية التي يختزنها هذا المقطع، يمكننا –بدون عناء– أن نلاحظ كيف أن لفظة "نجمة" التي دخلت على "أحزانهم" بصفة مصاحبة لغوية، نقلت المقطع برمته من صيغة السرد الحكائي إلى فضاء السرد الشعري، الذي يقتضي هو الآخر دراسة مستقلة، حيث إن الشاعر قد اشتغل عليه في أكثر من مكان في المجموعة:

"وتكون لنا  جرة من ضلوع الندامى، تحبّرنا باحتمال العنب".

" أحن إلى مزنة هاطلة/غير أني أخاف إذا ما بكيت بأن يستفيقوا/ يبلل دمعي مناماتهم".

ومن الملاحظ أيضا على المصاحبات اللغوية في المجموعة، أنها تفتقر إلى العلاقة السببية مع المُصاحب، ولا تُرى في محيطه اللغوي، لذلك انعكست النتائج الدلالية لصالح الانزياحات الشعرية، التي خرجت عن المعيار، وكرست لنفسها شيفرة لغوية خاصة، هي هوية النص، والبصمة الإبداعية للشاعر:

"ولأمي التي يستريح على راحتيها التعب".

هنا جاء لفظ "التعب" كمصاحب لغوي مألوف للفعل "يستريح" بيد أنه بالنسبة للمعنى العام لم يكن مألوفًا، وبالنسبة للتركيب اللغوي أيضا، فتحقق الانزياح ضمنًا، وتحققت للنص شحنته العاطفية، فعدم الانسجام بين الصورة والمعنى ولّد معنى مغايرًا، وصورة أغلقت منظومتها الرمزية على ابتكار لغويّ خاص، وقد تكرر هذا الانشقاق في أكثر من قصيدة:

"إخوتي غادروا دفتر العائلة".

هذا الخروج على جملة القواعد التي يسير بها الأداء إلى وجوده، والاختيار القصدي لـ"دفتر العائلة" ليكون مصاحبًا لغويًّا لفعل المغادرة، يشي بأن الشاعر لا يبحث عما يريد أن يقوله، إنه يبحث عن كيفية قول ما يريد أن يقوله، فما يريد قوله حاضر في تجربته الشخصية، أما كيف يقوله فقد أصبح موجودًا في تجربته الإبداعية.

"
إن متابعة هذه اللعبة الإبداعية القائمة على التلقائية حينًا، والقصدية حينًا آخر، ليست بالجديدة على الشعراء، الجديد نراه في قدرة الشاعر على إعطاء الألفاظ وظائف جديدة، وإخراجها من دلالاتها المتعارف عليها
"

بعد مشهدي
ثمة مصاحبات لغوية تكسب المقاطع بعدًا مشهديًّا تصويريًّا، نتبين ذلك في قول الشاعر في قصيدة "يدا محمد العمر": "تسافر بين يديه العيون".

فبطل القصيدة، مدرس مادة اللغة العربية، لا تكتمل صورته الشعرية ما لم تؤخذ بالحسبان طريقته في شرح الدرس لتلاميذه، وللخروج من الصورة الفوتوغرافية للمشهد، وإظهار الصورة التفاعلية بينه وبين تلامذته دخلت كلمتان، الأولى "تسافر" لتحرك المشهد، والثانية "العيون" لتأخذ الدلالة بعدها الغنائي، وبقي مكان السفر "بين يديه" حاملاً موضوعيًّا لشعرية النص.

إلا أن هذا، وذاك.. لا يعني أن كل نصوص المجموعة لها نفس السوية، فثمة دلالات قد تواضع عليها الناس، استعملها الشاعر، كما في قصيدة "ما يحدث":

"في الصبح الرافل بحبور الأشياء، يغنّي المشهد: فلاح يتفيأ شجرة/ وثمار

تتساقط، والطير تحلق، تبني الأعشاش على الأغصان النضرة".

بقي أن نقول إن مجموعة "يا جبال أَوِّبِي معه" هي خلاصة غنية ومكثفة لتجربة شعرية منحازة للمعاني المستترة، مع حضور مميز للعفوية، فالكلمات في هذه المجموعة تقول أكثر مما تستطيع، نتيجة لانحلال الذات في فعل الكتابة.

* الأسلوبية وتحليل الخطاب- د.منذر عياشي- مركز الإنماء الحضاري- ط1-2002

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة