تونس.. اغتيال جديد وغموض متجدد   
السبت 1434/9/20 هـ - الموافق 27/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 22:20 (مكة المكرمة)، 19:20 (غرينتش)
مباركة البراهمي أرملة محمد البراهمي خلال تشييع جنازته اليوم في مقبرة الجلاز بالعاصمة التونسية (رويترز)

ماهر خليل-الجزيرة نت

وضع اغتيال المعارض القومي محمد البراهمي تونس مجددا أمام مفترق طرق ومستقبل غامض قد يعصف بعملية انتقال ديمقراطي كانت قد بلغت حسب وصف الترويكا الحاكمة الربع ساعة الأخير من عمرها, قبل أن يقلب الاغتيال السياسي الثاني -بعد ذلك الذي غيب المعارض اليساري الآخر شكري بلعيد قبل نحو نصف عام- المعادلة رأسا على عقب ويعيد توزيع أوراقها.

لم يكن البراهمي ذلك المعارض الشرس الذي تنبأ البعض بأنه سيوضع يوما على قائمة اغتيالات سياسية بدا أن غيومها قد انقشعت وأنها كانت مجرد سحابة عابرة في سماء تونس، ذلك البلد الذي  لم يشهد تاريخه المعاصر جرائم سياسية مريبة بهذا التواتر وفي حيز زمني قصير.

وإذا كان بلعيد زعيم حزب "الوطنيون الديمقراطيون الموحد" والقيادي البارز في الجبهة الشعبية (شيوعي) قد قتل في فترة مشحونة بالتجاذبات بين المعارضة والحكومة الائتلافية التي تتزعمها حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية المعتدلة كما تصف نفسها، فإن اغتيال البراهمي (58 عاما) جاء في إطار مغاير تماما من حيث دلائل التوقيت والرسائل التي حاول قاتلوه إيصالها.

اغتيال بلعيد والبراهمي خلف تساؤلات
عديدة 
بشأن مستقبل تونس (الفرنسية)
يوم رمزي
فبالإضافة إلى أن الاغتيال جاء في يوم رمزي هو يوم الاحتفال بعيد الجمهورية، فقد تزامن مع تأكيد الرئاسات الثلاث للجمهورية منصف المرزوقي وللحكومة علي العريض وللمجلس التأسيس مصطفى بن جعفر خلال كلمات ألقوها بالمناسبة، أن مرحلة الانتقال الديمقراطي تعيش الربع ساعة الأخير من عمرها بعد التوافق على تشكيل هيئة تنظيم الانتخبات المقبلة والانتهاء من صياغة الدستور الجديد.

كما أن الراحل الذي لم يكن من المعارضين "سليطي اللسان" أو المشاكسين لمناوئيهم في السلطة، هو من أصيلي ولاية سيدي بوزيد موطن محمد البوعزيزي مفجر ثورة "الحرية والكرامة" التي أطاحت في 14 يناير/كانون الثاني 2011 بنظام بن علي قبل أن تتدحرج كرة الثلج لتسقط رؤوس حكم أخرى في دول ما أطلق عليه الربيع العربي, مصر وليبيا واليمن.

ويبدو أن قاتلي البراهمي استغلوا أيضا الأوضاع المتأزمة في مصر بعد عزل الرئيس محمد مرسي من قبل المؤسسة العسكرية وحاولوا تصدير الأزمة إلى تونس التي عاشت خلال الأشهر الأخيرة فترة مهادنة بين الفرقاء السياسيين إضافة لاستقرار أمني ملحوظ كان ينبئ -حسب ملاحظين- بتوجه البلاد لتتويج الفترة الانتقالية الثانية بنجاح فريد في المنطقة.

بوبكر الحكيم (الثاني من أسفل) المتهم الأول
بقتل بلعيد والبراهمي (الفرنسية)
نفس القاتل
يشار إلى أن إعلان وزارة الداخلية يوم الجمعة أن سلفيا وصفته بـ"التكفيري" يدعى بوبكر الحكيم (30 عاما) هو الذي قتل البراهمي بـ14 رصاصة من سلاحه الناري وهو من نفس النوع الذي قتل به بلعيد، فإن الرواية لم تقنع عائلة الفقيد ومعارضين ربطوا الاغتيال بتهديدات رئيس كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي صحبي عتيق بـ"استباحة" دماء الداعين إلى إسقاط الترويكا الحاكمة في تونس تعليقا وقتها على عزل مرسي.

وبعد ليلة ساخنة أمس ذكرت بأيام الثورة على بن علي وعاشتها مدن داخلية عديدة بينها سيدي بوزيد التي أعلن نشطاء أنها باتت خارج سيطرة السلطة المركزية وتعيينهم مجالس محلية لتسيير الأمور رافضين العودة عن ذلك حتى تسقط الحكومة، وأيضا قفصة حيث قتل متظاهر خلال مواجهات مع الشرطة، استفاق التونسيون السبت على خبر نادر الحدوث تمثل في تفجير سيارة شرطة بعبوة ناسفة وضعها مجهولون تحتها، دون أن يسفر عن ضحايا.

وما يزيد الأمر تعقيدا وينبئ بأيام صعبة في الفترة القادمة، تضاعف عدد المنسحبين من المجلس الوطني التأسيسي ليبلغ أكثر من خمسين نائبا وعزمهم على الاعتصام أمام مقر المجلس وسط العاصمة حتى تحقيق مطالبهم بحل الحكومة والمجلس التأسيسي وتكوين حكومة إنقاذ وطني تكلف بإكمال الدستور والإشراف على انتخابات قبل نهاية السنة الحالية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة