ناشط أميركي يروي تعذيبه بإسرائيل   
الخميس 1431/6/27 هـ - الموافق 10/6/2010 م (آخر تحديث) الساعة 21:17 (مكة المكرمة)، 18:17 (غرينتش)

الناشط بول لارودي وهو يعرض آثار التعذيب على جسده (الجزيرة نت)

حاوره في أثينا: شادي الأيوبي

من هو بول لارودي ومتى بدأ اهتمامه بالقضية الفلسطينية؟

اسمي بول لارودي، أسكن في سان فرانسيسكو في ولاية كاليفورنيا، وأعمل كتقني لآلة البيانو كما أنني أستاذ مادة اللغويات في جامعة أميركية.

أصبحت ناشطا لصالح القضية الفلسطينية منذ عام 1967، لكن أصبحت أكثر نشاطا منذ عام 2002 حيث انضممت إلى "حركة التضامن الدولية" التي تعاونت معها لعدة سنوات، ثم أصبحت عضوا مؤسسا لحركة "غزة الحرة" مع أربعة من زملائي.

خلال هذه الأعوام دخلت السجون الإسرائيلية كما جرحت برصاص الجيش الإسرائيلي، وتم ترحيلي من الأراضي المحتلة عام 2006، وهكذا لم يبق عندي وسيلة للعودة إلى غزة إلا عبر البحر وهو ما نجحنا فيه عام 2008 عبر رحلة التضامن التي قامت بها منظمة غزة الحرة، وما حاولنا القيام به هذه المرة كذلك عبر أسطول الحرية.

 كيف تصف رحلتكم الأخيرة مقارنة بالمحاولات السابقة؟

كانت لدينا في الرحلة الأخيرة الكثير من الآمال بفضل الأعداد الكبيرة التي اشتركت في الحملة، والمساعدات التي كنا نحملها لغزة، كانت رحلة ذات مغزى كبير، لكن الإسرائيليين كان لديهم للأسف فكرة أخرى وقد بذلوا الكثير من الجهد لإيقافنا، مما أدى إلى حصول النتائج المأساوية وخسارة الأرواح على السفينة التركية التي قضيت ساعات عليها قبل أن أعود إلى سفينة الركاب اليونانية 8000.

لقد قاموا باقتحام المركب وحاولنا الدفاع بأجسادنا عن حجرة القيادة حيث كان القبطان يقود الباخرة، وقد استعملوا لصدنا أدوات صعق لشلنا عن الحركة، وقنابل دخانية وصوتية وهذه الأخيرة كنت تعرضت إليها في أماكن مفتوحة لكنها في غرف السفينة المغلقة مؤلمة للغاية خاصة بالنسبة لشخص مثلي يعمل كتقني بيانو، لم نكن نشكل أي خطر عليهم، لقد كانوا يستطيعون إيقافنا بأسلوب رجال الشرطة.

شخصيا، لم أكن أرغب في إنهاء مقاومتنا بسهولة، لذلك خطرت لي فكرة نفذتها فورا أمام الجميع، وهي أني قفزت في مياه البحر لإيقافهم لبعض الوقت، وهو ما حدث فعلا حيث أوقفوا سفينتنا وصاروا يبحثون عني، ولما لم أرجع إلى السفينة استدعوا أحد قواربهم لانتشالي، واستطعت لفترة طويلة أن أتجنبهم مما أدى إلى تعطيل عملية اقتيادنا إلى أسدود حوالي ساعة ونصف، ولما أمسكوا بي كانوا مغتاظين مني بشكل كبير مما دفع أحدهم إلى توجيه قبضته إلى وجهي وهو ما ترك الأثر الذي ترونه على عيني اليمنى.

كما أوثقوا يدي وجعلوني أجلس ساعات طويلة تحت الشمس المحرقة في وضعية مؤلمة للغاية على متن القارب العسكري وهذا أيضا ترك ندوبا على جلدي.

كان وثاق اليدين مؤلما جدا والأسوأ أنهم انتزعوا عني ثيابي، لكنني رفضت التعاون معهم بأي شكل من الأشكال ولم أصرح لهم باسمي، وقد هددوني بحبسي داخل إحدى حجرات قاربهم الضيقة وطلبوا مني ألا أسبب لهم إي إزعاج أو القفز من جديد في الماء.

"
لقد ضربوني أكثر من مرة، ضربوني في المركب وفي المعتقل، ضربوني أحيانا بأيديهم وأحيانا بأرجلهم، كما أنهم أوثقوا يدي بشكل مؤلم جدا
"
 ألم يتعرفوا عليك وأنت ناشط قديم؟

لا أعتقد أنهم تعرفوا علي فقد كنت حينها بدون أي بطاقة شخصية، وفي مركز الاعتقال الذي ساقونا إليه رفضت مجرد الحديث إليهم كما رفضت مجرد المشي عندما طلبوا مني الانتقال إلى مكان آخر، ولذا قاموا برفعي ولي ذراعي خلف ظهري بطريقة شديدة ومؤلمة ووضعوا القيود في يدي.

لكنهم لم يستسيغوا عرضي بهذه الطريقة أمام وسائل الإعلام التي كانت متواجدة هناك، ولهذا أجلسوني على كرسي متحرك وعادوا لطرح الأسئلة علي من جديد دون أن يجدوا مني أي إجابة.

وفي لحظة ما قالوا: هذا يكفي، ليس هذا جيدا للعرض أمام الكاميرات، وهكذا نقلوني إلى سيارة إسعاف لا لمداواتي والاعتناء بي، فهم لم يهتموا بذلك على الإطلاق، بل لمواراتي عن وسائل الإعلام، وعندما نقلوني إلى المستشفيات رفضت تلقي أي علاج أو إجراء فحوصات.

ما سبب وجود هذه العلامات السوداء على جسدك؟

لقد ضربوني أكثر من مرة، ضربوني في المركب وفي المعتقل، ضربوني أحيانا بأيديهم وأحيانا بأرجلهم، كما أنهم أوثقوا يدي بشكل مؤلم جدا، ووضعوا فيهما قيودا معدنية تتحرك باتجاه واحد فقط، لقد كانوا يطلبون مني التعاون معهم وكنت أرفض ذلك، وبعد المستشفى، الذي بقيت فيه حوالي الساعة، أرجعوني إلى مكان اعتقال مع سائر النشطاء.

لقد رفضوا إعطائي سروالا جديدا بعدما تمزق سروالي تماما، مع أنني بقيت أطب منهم ذلك أكثر من ساعتين، وعندما سألتهم آخر مرة تجمع حولي عشرة أو أكثر منهم وأوسعوني ضربا وركلا.

في تلك اللحظة كان زميلي الناشط فاغيليس بيساياس يراقب الأمر مما حدا به إلى الصراخ بهم لكي يتوقفوا عن ضربي، لكنهم عمدوا إلى ضربه هو الآخر بقسوة ووحشية، ثم وضعوني في شاحنة للشرطة وأدخلوا بعد ذلك قبطان السفينة اليونانية ثيوذوروس بوكاس وكان مجروحا في أذنه وقد تم لف رأسه بقطعة ضماد كبيرة، وهكذا فهمنا أن الإسرائيليين كانوا يعمدون إلى نقل كل من أصيب منا بجراح إلى أمكنة أخرى لإخفائه عن الأنظار تجنبا للحرج أمام وسائل الإعلام المتواجدة في المكان.

في اليوم التالي وضعونا في غرفة مظلمة لا نوافذ لها ولا يدخلها الهواء، وعزلونا عن سائر النشطاء المحتجزين، وقد أخبرتهم أني أعاني من مرض السكري، وأني لا بد أن أتناول الأدوية المخصصة لي، وقد هددتهم بالإضراب عن الطعام والشراب وأخذ الدواء حتى ينقلونا إلى غرفة أكثر ملاءمة وتهوية، وهو ما اضطروا إلى قبوله في النهاية.

وفي المطار تكررت طلباتهم ورفضي أكثر من مرة، وقد رفضوا أول الأمر أن أرحل مع الوفد اليوناني الذي دعاني أعضاؤه للعودة معهم إلى اليونان، وأرادوا إرسالي إلى تركيا لأسباب أجهلها، فألقيت نفسي أرضا من جديد ورفضت الحراك، مما دعاهم إلى ضربي وتعذيبي مجددا، لكنهم هذه المرة فعلوا ذلك أمام حوالي أربعين ناشطا تركيا وسويديا وفلسطينيا، وقد قام هؤلاء بالاحتجاج ورمي المقاعد على الجنود مما دفع الآخرين إلى ضربهم من جديد، والبعض ضُرب بشكل مبرح. أنا كنت ملقى على الأرض لأني كنت مجروحا، وقد رأيت بعيني ستة جنود يضربون رجلا تركيا بقسوة وعنف.

"
نترقب استرجاع مراكبنا التي سرقتها إسرائيل ومعاودة سفرنا بها، وسنستخدم لذلك الضغوط الشعبية والقانون الدولي
"
هل كان هناك اهتمام من جانب السفارة الأميركية بالبحث عنكم؟

نعم لقد طلبت منهم المجيء فأرسلوا شخصا من السفارة وطلب رؤيتي، وطلب مني مدير السجن أن ألبس سروالا جديدا بدل سروالي الممزق معللا ذلك باحترام المنظر العام، ورفضت ذلك من جديد وأخبرت المدير قائلا له: إنك إنما تريد أن تخفي الأشياء القذرة التي ارتكبتها، وغضب مني جدا لكنه لم يكن لديه أي خيار آخر، كما لم يكن يستطيع ضربي قبل دقائق من رؤية المسؤول الأميركي لي.

بعد ذلك عرضت على ذلك المسؤول آثار الضرب التي بقيت على جسدي فصعق لها وسجل تقريرا بها كما اتصل بأسرتي وأخبرها بمكاني، وأحضر لي بعض المجلات والورق والأقلام، حيث كانوا منعونا من الاتصال بالعالم الخارجي عبر أي وسيلة إعلامية، لكنهم لم يسمحوا لي باستلامها، لكن المعلومات التي أوردها المسؤول الأميركي لأسرتي كانت مفيدة حيث انتقلت إلى جهات كثيرة.

بعد ذلك أخذونا إلى سجن صغير قرب المطار، وهو نفس المكان الذي كنت قد سجنت فيه قبل أربعة أعوام، وهناك عاودت مطالبتي بمقابلة محامية إسرائيلية أعرفها، وكنت أظن أن ذلك لن يتم أبدا، لكنني رأيتها هناك، وكان ذلك قبل ساعات من توجهي عبر الطائرة إلى اليونان.

ثم قابلت شخصا إسرائيليا أخبرني أنه "عامل اجتماعي" وسألني: لماذا جئت إلى إسرائيل؟ وأجبته أني ضحية من ضحايا الاختطاف والقرصنة غير الشرعية، حيث إني وزملائي تم إحضارنا بالقوة من عرض البحر، وأخبرته أنني رغم أني أحضرت بالقوة إلى داخل إسرائيل، فأنا أريد التعاون بهدف تقديم المتاجرين بالبشر إلى العدالة، وحينها سألني: من هم المتاجرون بالبشر الذين تعنيهم؟ فقلت له إنهم البحرية الإسرائيلية نفسها.

ثم سألني ماذا كنت أعمل قبل اعتقالي من قبل البحرية الإسرائيلية، فقلت له إنني كنت في سفر في المياه الدولية مع القافلة المتجهة إلى غزة، وأضفت أن كلا المكانين ليسا جزءا من إسرائيل، كما أننا لا نعبر بأي حال بمياه إقليمية إسرائيلية.

ومن الحجج التي ساقها "العامل الاجتماعي" الإسرائيلي أنه قال لي: لو كنت تعلم أن مجموعة من القتلة تتوجه باتجاهك، ألا تبادر إلى الإمساك بهم وتعطيلهم قبل أن يتمكنوا من القتل؟

هل تنوي مقاضاة الاحتلال الإسرائيلي على اعتقالك وتعذيبك، وماذا بشأن مواصلة الرحلات إلى غزة؟

نعم أنا أجري فحوصات في المستشفى لكتابة تقرير عن حالتي الصحية لهذا الموضوع، لقد وكلت المحامية الإسرائيلية برفع دعوى بالنيابة عني ضد الحكومة الإسرائيلية بتهمة الاختطاف والقرصنة.

كما أننا نترقب استرجاع مراكبنا التي سرقتها إسرائيل ومعاودة سفرنا بها، وسنستخدم لذلك الضغوط الشعبية والقانون الدولي. هناك صعوبات في المسألة ونحن نعلم ذلك لكننا سنبذل كل جهودنا من أجل هذه المسألة.

هذه المحاولة هل كانت مختلفة عن المحاولات السابقة؟

نعم، كانت أضخم بكثير وأكثر تنظيما، وأعتقد أننا سوف نرى صداها عما قريب، من خلال المظاهرات والاحتجاجات الدولية.

كما أننا رأينا الأمم المتحدة تدين إسرائيل، وهذا يعد سابقة في القضية الفلسطينية، ودليلا على أن الكثير من النشطاء يقومون بجهد كبير للتعريف بالقضية الفلسطينية، والنتيجة الطبيعية هي أنه عندما تتغير الجماهير وتضغط في اتجاه ما فسوف تضطر الحكومات إلى الانقياد وراءها.

هل هناك رسالة تود إيصالها للعالم؟

نعم، أعتقد أنه حان الوقت لكل من يحب إسرائيل ولا يرى فيها أي سلبية، أن يفهم أن هناك شيئا ما خطأ، وأن هناك تغييرا في الموازين على الساحة الدولية، وعلى إسرائيل أن تفهم هذه التغيرات وإلا فإنها سوف تضيع تماما. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة