باراك يربح شارون ويخسر حزب العمل   
الاثنين 27/11/1421 هـ - الموافق 19/2/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

إلياس زنانيري - القدس المحتلة
إيهود باراك 
لم يكن إيهود باراك يتوقع مثل هذا الوضع الصعب داخل حزب العمل، حتى إن أقرب المقربين إليه تخلوا عنه، وأعلنوا صراحة معارضتهم ليس فقط لتشكيل حكومة ائتلافية مع الليكود، وإنما طالبوه وبكل صرامة بأن يرحل.

وكان رئيس بلدية حيفا عمرام ميتسناع من أشد المعارضين، على الرغم من الصداقة الحميمة التي تربطه مع باراك، أو ربما كانت تربط بينهما إلى حين نشر ميتسناع رسالة شديدة اللهجة يوم الأحد في صحيفة معاريف اليومية، قال فيها إنه لا يستطيع النوم ليلا في كل مرة يتخيل فيها باراك وزيرا للدفاع في حكومة شارون.

وفي لقاءات جانبية أوضح ميتسناع -الذي يحمل رتبة لواء متقاعد في الجيش، وكان قائدا للمنطقة الوسطى عند اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر/كانون الأول 1987- أنه فقد الثقة بباراك بعد أن أعلن الأخير -إثر خسارته في الانتخابات أمام شارون- أن كل التفاهمات والاتفاقات التي تم التوصل إليها مع الفلسطينيين في كامب ديفد وطابا لاغية. واعتبر ميتسناع هذا الموقف من باراك تنكرا لما يزيد عن المليون ومائتي ألف إسرائيلي صوتوا له في الانتخابات الأخيرة بسبب ما أنجز على المسار الفلسطيني من التسوية. وهذا التنكر هو الذي أفقد باراك -برأي ميتسناع- المصداقية أمام ناخبيه.

وقال ميتسناع مساء الأحد إنه حزين جدا لكتابة هذه الرسالة التي أبلغ مضمونها لباراك عدة مرات شخصيا، ولكن الأخير لم يأبه بها، فقرر نشرها على الملأ دون أن يخجل من قول الحقيقة، ودون أن يتردد في إسداء النصيحة لرفيق دربه العسكري لسنين طويلة، خاصة أن إعلان باراك بأن التفاهمات مع الفلسطينيين لم تعد ذات أهمية وغير ملزمة "يعني وكأن كل ما فعلناه كان كذبة كبرى!"

التنكر للتعهدات
وإذا كان ميتسناع قد اعتبر التنكر لاتفاقات السلام مع الفلسطينيين سببا في حجب ثقته عن باراك فإن آخرين في حزب العمل -ومن بينهم قيادات الصف الأول مثل وزير الخارجية شلومو بن عامي والوزير بلا وزارة حاييم رامون- يعتبرون أن باراك الذي قرر فور هزيمته أمام شارون التنحي عن العمل السياسي، وعن رئاسة حزب العمل، لابد أن يحترم تعهداته ويستقيل، لأنه لا يليق برجل دولة وممثل جمهور أن يسمح لنفسه بالقيام بمثل هذه المناورات التي لا تنتهي في ميدان السياسة.

بيد أن كثيرين في حزب العمل رأوا في هزيمة باراك أمام شارون مدعاة للتخلص من هذا الرجل الذي هبط عليهم من سماء الحياة العسكرية فور انتهاء خدمته رئيسا للأركان في مطلع العام 1995، ونال ثقتهم بعد اغتيال إسحق رابين لأنهم رأوا فيه خير وريث لرابين، وأفضل من يسير على درب الاتفاق والمصالحة التاريخية مع الشعب الفلسطيني.

ولكن باراك سرعان ما تنكر للحزب، وضرب مؤسساته الحزبية وأقام ما أسماه بقائمة إسرائيل الواحدة، التي اعتبرها (فوق حزبية)، وضمت إلى جانب حزب العمل ائتلافا هشا مع الأخوين ديفد ومكسيم ليفي، ومع حركة ميماد الدينية التي تقف على هامش الأحزاب الدينية في إسرائيل.

لذلك كان لابد من التخلص من هذا الرجل -الذي كان أعضاء الحزب على استعداد للقبول بضرباته الموجعة قبل هزيمته- أملا منهم في أنه سيقطع نهاية الشوط، ويتوصل إلى اتفاق حقيقي مع الفلسطينيين، ويضع حدا للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على الأقل، طالما أن مسارات الصراع الأخرى وبالذات السوري واللبناني لا تزال تنتظر الحل.

وهناك من يعارضون باراك لأنهم يعتبرونه المسؤول الأول والأخير عن فشل المفاوضات السلمية مع الفلسطينيين، وأبرز هؤلاء الوزير حاييم رامون الذي كان يصر على باراك قبل التوجه إلى مفاوضات كامب ديفد ألا يطرح موضوع القدس، لأنه موضوع شائك ومعقد، وقد يقود إلى انهيار العملية السلمية برمتها.

ويقول رامون إنه حصل بالفعل على وعد قاطع من باراك بعدم إثارة موضوع القدس، ولكنه فوجئ بأن هذا الموضوع كان في صلب المفاوضات التي تمت. وفي معرض شرحه لموقفه يقول رامون إن الزمن كفيل بحل قضية القدس، بمعنى "أن القدس بعد عشر سنوات ستحتل بالنسبة للإسرائيليين ذات المكانة التي تحتلها غزة اليوم، وبالتالي فإن الزمن كفيل بمعالجة ما قد نفشل في حله اليوم" (من تصريحات أدلى بها إلى الصحف العبرية).

هبوط اضطراري
وكان من المقرر أن يعقد مركز حزب العمل اجتماعا الثلاثاء لمناقشة مسألة انضمام أو عدم انضمام الحزب إلى الائتلاف الحكومي الذي يسعى شارون إلى تشكيله. ولكن باراك قرر فجأة تأجيل الاجتماع إلى مطلع الأسبوع القادم على أمل أن يتمكن من تجنيد الدعم لموقفه المتحمس للانضمام إلى الحكومة الائتلافية الجديدة.

وقد أثار قرار التأجيل غضب الفريق الليكودي المفاوض لتشكيل الائتلاف لأنه عرقل خطة شارون تقديم حكومته إلى الكنيست في مطلع الأسبوع القادم، كما أثار غضب أعضاء العمل الذين لم يتم التشاور معهم في موضوع التأجيل، والذين لم يكونوا يرغبون في رؤية باراك يفاوض عنهم لفترة أسبوع إضافي.

ولكن المقربين من باراك يعتبرون التأجيل ضرورة قصوى لدراسة ما آلت إليه المفاوضات الائتلافية، خاصة بعد أن أعلن شارون صراحة أنه سيتولى شخصيا ملف المفاوضات مع الفلسطينيين، الأمر الذي جعل بيريز يستشيط غضبا ويعلن أن علامة استفهام كبرى تحيط بموضوع الحكومة الائتلافية. وكان بيريز يصر على الدخول إلى هذه الحكومة مقابل أن يتولى هو ملف المفاوضات مع الفلسطينيين، على اعتبار أنه السياسي الإسرائيلي الأكثر قبولا لدى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.

وفور سماع بيريز للشروط التي صرح بها شارون سارع إلى الإعلان بأن الحديث عن حكومة ائتلافية ليس جديا، وأن المباحثات بين الحزبين الكبيرين العمل والليكود قد عادت إلى نقطة الصفر.

أما باراك شخصيا فهو لم يقل كلمته الأخيرة بعد، ولكنه أوضح لشارون أن تشكيل الائتلاف الحكومي مع العمل رهن بتسلمه وزارة الدفاع، وأن أي حكومة ائتلافية بدونه لن تقوم على الإطلاق. واشترط لقاء انضمامه إلى الحكومة عدم ضم المتطرفين رحبعام زئيفي وأفيغدور ليبرمان إليها، وأبلغ شارون رسميا أنه لن يدخل إلى حكومة فيها مثل هذين البرلمانيين اللذين طالب أحدهما بضرب أسوان وطهران، ونادى الثاني بتدمير الصفوف الأولى من المنازل العربية في بيت جالا إذا ما أطلقت النار من قربها صوب مستوطنة جيلو جنوبي القدس.

وهناك من يرى أن الشرط الذي وضعه باراك بخصوص ليبرمان وزئيفي -الملقب بغاندي- لم يكن إلا محاولة أخيرة منه للتهرب من الانضمام إلى الائتلاف المقترح، بعد أن وجد أن الغالبية الساحقة من داخل حزب العمل لا تؤيده، فبات يبحث عن طريق يساعده في تنفيذ هبوط اضطراري دون أن يتحطم!

تلميذا لشارون
دميتان تمثلان باراك وشارون
ولم تقتصر المعارضة لباراك على أعضاء حزب العمل، بل تجاوزتهم إلى خيرة صناع الرأي العام في إسرائيل، وهم الصحفيون الذين لم يألوا جهدا في توجيه انتقادات لاذعة لباراك، بسبب الأسلوب الذي اتبعه في إدارة المفاوضات مع الفلسطينيين أولا ومع الليكود ثانيا، وما قام به من مناورات سياسية مكشوفة فيما بينهما.

فصحيفة يديعوت أحرونوت نشرت يوم الجمعة الماضي مقالا للمحلل السياسي فيها ناحوم برنيع تحت عنوان "باراك أصيب بالعدوى" يقول فيه إن باراك "بات تلميذا لدى شارون في مادة صراع البقاء السياسي، إذ إن شارون -الثعلب الهرم- علمه في لقاء تم بينهما في الأسبوع الماضي أنه لن يضيره على الإطلاق التنكر لوعوده بالاستقالة، وأن الصحف ستكتب عنه لمدة ثلاثة أيام ثم تنسى الأمر بكامله".

أما سيفير بلوتسكر -وهو أيضا من كبار الكتاب في الصحيفة ذاتها- فقد كتب في اليوم ذاته تحت عنوان "إني أخجل" يقول "لم أفكر قط ذات يوم أنني سأعترف بهذا، ولكني اليوم أقر وأعترف أنني في الانتخابات الأخيرة لاختيار رئيس الوزراء أدليت بصوتي لصالح باراك، واليوم أنا أخجل مما فعلت.. إنني مصاب بالخجل لأنني أدليت بصوتي لصالح رجل فقد القدرة على استخلاص أبسط العبر الإنسانية من فشله الشخصي وهي الاستقالة والانزواء في منزله".

كما انضمت صحيفة معاريف إلى منتقدي باراك عبر مقالة على الصفحة الأولى بقلم حيمي شاليف المحلل السياسي فيها تحت عنوان "كبير الفنانين في خيانة الأمانة" قال فيها "إن الذين عارضوا باراك رئيسا للوزراء -وهم أغلبية ساحقة- عليهم اليوم القبول به وزيرا للدفاع. وإن باراك الذي سجل بالضربة القاضية أسوأ هزيمة سياسية في إسرائيل عاد ليقف على رجليه، وهو بعد أن تعهد باعتزال الحياة السياسية عاد ليطل برأسه من جديد وقد غير رأيه".

وأضاف شاليف أن "كل الادعاءات بتلبية الواجب الوطني وبمعالجة الوضع الأمني لن تساعد باراك ولن تفيده، لأنه في طريقه نحو مكتبه الجديد في وزارة الدفاع يمر في أسفل بقعة في الحياة السياسية الإسرائيلية". 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة