حديقة التحرير الخلفية.. ترويح وسياسة   
الثلاثاء 1434/1/27 هـ - الموافق 11/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 17:31 (مكة المكرمة)، 14:31 (غرينتش)
الإقبال على الحديقة لم يتأثر بالاعتصامات والمظاهرات في ساحة التحرير (الجزيرة نت)

مصطفى رزق-القاهرة

أمتار قليلة تفصل حديقة الحرية عن مدخل ميدان التحرير من جهة جسر قصر النيل في قلب العاصمة المصرية القاهرة، لكن هوة شاسعة من الاختلاف بين المكانين تبدو لمن يتجول بهذه الحديقة التي يصل إلى سمع زائريها صوت الهتافات المنددة بالإعلان الدستوري الجديد وبالرئيس محمد مرسي والتي يطلقها المعتصمون في الميدان منذ ما يزيد على 15 يوما.

محمود، موظف مهمته بيع تذاكر الحديقة، وتبدو على ملامحه علامات الرضا رغم ما تشهده البلاد من أزمة انعكست على مختلف الفئات، خاصة تلك الفئات البسيطة التي تأثرت مداخيلها باستمرار الاعتصامات والمظاهرات، وانعدام الشعور بالأمن في بلد لا يعرف أحد إلى أين ستأخذه حالة الاحتقان السياسي.

لم ير ذلك المواطن أي تغير في عدد المقبلين على الحديقة منذ بدأت الأحداث في التصاعد خلال الأسبوعين الماضيين، بل وحتى منذ أحداث الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس السابق حسني مبارك، وهو ما فسره بأن الناس لا بد أن يرفهوا عن أنفسهم أيا كانت الظروف، وإلا استحالت الحياة بسبب الضغوط المتواصلة عليهم.

يوسف وتوفيق أكدا تأثر الفن والسينما
بالأحداث الأخيرة (الجزيرة نت)

رؤى سياسية
بداخل الحديقة التي تشغل مساحة واسعة وتطل على دار الأوبرا المصرية وبرج القاهرة ونهر النيل، تجمع عدد من الشباب والفتيات، يبدو أنهم يحتفلون بمناسبة ما، وعند الاقتراب للحديث معهم رفضت الفتيات التحدث أو التقاط صور لهن في حين لم يمانع الشباب.

وعكس ما كان متوقعا، كان لهؤلاء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 وعشرين عاما رؤية سياسية ورأي في الأحداث التي تجرى على بعد أمتار منهم، حيث اتفق جميعهم على ضرورة المشاركة بالاستفتاء على الدستور الجديد المقرر في 15 ديسمبر/كانون الأول الجاري حتى وإن كانت للقوى السياسية ملاحظات عليه، مؤكدين أن الكلمة الأخيرة لا بد أن تكون للشعب، وليس من حق أي تيار سياسي أن يصادر هذا الرأي.

وفي إحدى زوايا الحديقة، جلس شابان يمسك كل منهما بغيتار يعزف عليه ألحانا تبدو في طور التأليف، وبجوارهما جلست فتاة تبدي ملاحظاتها على ما يؤديه كل منهما، تحدث الأول -وهو طالب جامعي يمارس أيضا الغناء والتلحين ويدعى يوسف توفيق- قائلا "إن ما يحدث في التحرير انعكس بشكل سلبي على أشياء عديدة أغفلها الكثيرون كالفن والموسيقى والسينما، وهي فنون تراجع مستواها بشكل كبير خلال فترة عدم الاستقرار التي شهدتها مصر ما بعد الثورة".

وأكد توفيق أن بديل المأزق السياسي الحالي هو الحوار الذي يجب ألا ترفضه المعارضة حتى لا تُتهم بلي ذراع مؤسسة الرئاسة.

أما الثاني ويدعى إيهاب رامز، فتناول جانبا آخر من تأثير الأزمة، متحدثا عن مشاكل تعرض لها في الجامعة بسبب الزحام الشديد الناجم عن المظاهرات والاعتصامات بميادين عديدة بالقاهرة الكبرى.

الآن حان وقت الاستراحة واحتساء كوب من الشاي قبل مغادرة الحديقة إلى ميدان التحرير.. في المكان المخصص لبيع المشروبات جلس ياسر وهو أربعيني تبدو على ملامحة علامات الحزن، رفض في البداية الحديث لكنه تراجع فجأة عن موقفه قائلا "إن الأوضاع في مصر لم تعد كما كانت قبل الثورة.. الناس أوشكت على أن تكفر بالثورة والثوار.. بالنظام والمعارضة.. بكل شيء".

ياسر غير متفائل بسير الأحداث
في مصر (الجزيرة نت)

حالة الانفلات
وحول الإقبال على الحديقة أكد ياسر أنه تراجع قليلا، لكن ما يحزن -وفقه- هو الانفلات الأخلاقي الذي أصبح سمة سائدة داخل الحديقة وخارجها، مبررا ذلك بالانفلات الأمني وغياب الشرطة بشكل ملحوظ وعدم رغبتها في الاحتكاك بالشعب.

في طريق مغادرة الحديقة، كان لافتا وجود هذا الرجل الذي يجلس بمفرده ممسكا بجريدة يقرأها ويضع علامات بقلمه على بعض الموضوعات التي نشرتها.. اقتربت منه واستأذنته في الحديث معه حول المشهد السياسي الراهن.

تحدث معرفا نفسه بأنه أستاذ للقانون بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، ووصف الوضع بأنه "غريب" منتقدا موقف القوى المدنية المعارضة بمطالبها ورفض الحوار مع مؤسسة الرئاسة. وقال إنه كان على هذه القوى أن تذهب للحوار، لأن رفض الحوار يؤكد أن هؤلاء لديهم أهداف أخرى ليس من بينها تحقيق الاستقرار، على حد قوله.

وأضاف أن الشعب منذ نحو عامين وهو يعاني من اقتصاد مرتبك وأوضاع أمنية وسياسية غير مستقرة، وكان يأمل أن يقوده هذا إلى حال أفضل لكنه لم يجده.

وتساءل موجها حديثه إلى قوى المعارضة "لو أن لكم ثقلا حقيقيا في الشارع وتستطيعون الحشد كما رأينا في التحرير وفي قصر الاتحادية فلماذا الخوف من الاحتكام لصندوق الاستفتاء؟".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة