الأقباط في مصر   
الخميس 1432/6/10 هـ - الموافق 12/5/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:37 (مكة المكرمة)، 13:37 (غرينتش)

أقباط: جمع قبطي، وهو لفظ يدل على ساكني وادي النيل المصريين، وهي تعني سكان مصر القدماء، وعند دخول العرب إلى مصر أطلقوا على المصريين لفظ الأقباط، وقبل دخولهم كان لفظ "قبط" يدل على أهل مصر دون أن يكون للمعتقد الديني أثر على ذلك الاستخدام.

غير أنه لكون المسيحية الديانة السائدة بين المصريين الأصليين وقت دخول العرب المسلمين إلى مصر، اكتسب الاسم بعدا دينيا تمييزا لهم عن العرب المسلمين، إذ كان المصريون القدامى وحدهم هم المسيحيين، وبمرور السنوات أصبحت كلمة قبطي تشير إلى المسيحي بالأحاديث والخطاب الرسمي للدولة.

وتتمتع الكنيسة الأرثوذكسية والقبطية بثقل روحي وتاريخي معروف لدى جميع المسيحيين في العالم، ويأتي ذلك نتيجة للأدوار التي لعبها أبناء تلك الكنيسة في تاريخ المسيحية.

وقد عانت الكنيسة من الاضطهاد الديني على يد السلطات والممالك المختلفة على مر التاريخ قبل الفتح الإسلامي لمصر، ففي البداية عانت المسيحية لكونها دينا جديدا على خلاف الديانات الوثنية الفرعونية واليونانية المنتشرة في ذلك الوقت.

وعانت بعد ذلك من الاضطهاد الديني على يد الحكم الفارسي ثم الروماني الذين اعتبروا الأقباط درجة ثانية وسخروهم في وظائف مهينة وألبسوهم السلاسل الثقيلة، مما أدى إلى ظهور معظم أجسادهم باللون الأزرق نتيجة للألم الناجم عن تلك السلاسل، حتى أنهم عرفوا بأصحاب "العظمة الزرقاء"، عدا عن تخريب الكثير من الأديرة والكنائس، وتشريد آلاف العائلات المسيحية في جميع أنحاء مصر.

وسعيا للتخلص من الظلم وقف الأقباط إلى جانب الفتح الإسلامي في مصر  ضد الرومان، وعقد المسلمون بقيادة عمرو بن العاص مباحثات واتفاقات عسكرية معهم لتحرير مصر.

ومنذ حكم المسلمين لمصر، تمكن الأقباط من التفرغ للرهبنة والعبادة بحرية في أرجاء البلاد، وتغيرت أحوالهم في ظل الدولة الإسلامية، بعد العهد الذي أعطاهم إياه عمرو بن العاص والذي جاء فيه "هذا ما أعطى عمرو بن العاص إلى أهل مصر من الأمان لأنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، لا ينتقص شيء من ذلك ولا يساكنهم أحد من غير ملتهم".

وهكذا قامت العلاقة بين الولاة المسلمين والأقباط على رعاية أهل الذمة والوصية بأهل الكتاب عملا بالسنة وأحكام الشريعة والعناية بمصالح الأقباط وغيرهم من أهل الأديان. وحرص الولاة المسلمون على تقدير الرئاسة الدينية القبطية واحترامها ومخاطبتها بألقاب الشرف والتكريم، إلى جانب تعيين شخصيات قبطية في وظائف سامية بالدولة الإسلامية.

ويجد بعض المؤرخين في ذلك تفسيرا للتحول البطيء لأبناء الأغلبية القبطية من المسيحية إلى الإسلام والذي استغرق نحو ثلاثة قرون، فالعرب المسلمون الفاتحون لم يمارسوا أي ضغوط تذكر لتحويل الأقباط إلى الإسلام، كما أن الأقباط لم يلمسوا تضييقا يذكر على حرياتهم الدينية اعتقادا وممارسة.

ويرون أنه حدث تحوّل منظم للأقباط إلى الإسلام بحيث أصبحت أغلبية سكان مصر من المسلمين مع نهاية القرن التاسع الميلادي وبداية القرن العاشر.

ولم يندمج الأقباط -كطائفة- اندماجا كاملا في المجري الرئيسي للحياة السياسية في مصر إلا مع ميلاد الدولة الحديثة، وتجلى ذلك في عهد محمد علي باشا الذي تولى حكم مصر عام 1805 وأشاع سياسة التسامح وروح المساواة بين المصريين، وعيّن الأقباط في وظائف عليا، كما ألغى الزي الإجباري الذي كان مفروضا على المسيحيين، وألغى القيود التي كانت تفرض عليهم لممارسة طقوسهم الدينية، وسمح لهم ببناء الكنائس.

وعندما تولى سعيد باشا الحكم عام 1854 عمل على مواصلة العمل بسياسة روح التسامح الديني والمساواة بين المسلمين والأقباط، فطبق قانون الخدمة العسكرية على الأقباط، وألغى الجزية المفروضة عليهم، ودخل الأقباط لأول مرة في سلك الجيش والقضاء وسافر بعضهم إلى أوروبا لتلقي العلوم.

ولم يختلف الحال بالنسبة للأقباط بعد وفاة سعيد باشا وتولي الخديوي إسماعيل باشا الحكم عام 1863، بل إن هذا الأخير أصبح أول حاكم يطلب رتبة الباشوية لرجل مسيحي. وقد شغل كثير من الأقباط في عصره مناصب عليا، منها منصب كبير التشريفات.

وفي عام 1911 عقد أقباط مصر في أسيوط أول مؤتمر خاص بهم، وقد حضرته شخصيات مدنية ودينية وصاغوا فيه -لأول مرة- جملة من المطالب السياسية، منها زيادة التمثيل القبطي في المجالس المنتخبة، والمساواة في إسناد الوظائف الإدارية وتخصيص الموارد المالية..إلخ. غير أن هذا البيان السياسي قوبل برفض تام وبحركة مضادة من مؤتمر إسلامي عقد بالإسكندرية.

وينظر إلى ثورة 1919 كمثال ناصع من أمثلة الوحدة الوطنية والتي أفرزت شعارات من مثل "عاش الهلال مع الصليب". وقد شارك الأقباط في ذلك الوقت في الحياة السياسية بقوة.

وأعطى دستور 1923 الحرية للمصريين جميعا في تشكيل الجمعيات مع ضمان كافة الأحكام الخاصة بكفالة المساواة في الحقوق لكل المصريين، بصرف النظر عن الدين والجنس واللغة، إضافة إلى حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.

ومنحت هذه الجمعيات حق الإشراف على تعليم الديانة المسيحية للأقباط في المدارس الحكومية بعد قرار سعد زغلول عام 1907 الخاص بإدخال تعليم الديانة المسيحية في المدارس، ويقوم بتدريسها المدرسون الأقباط في كل مدرسة. وأضيف هذا المنهج أيضا في مدارس المعلمين العليا، وفي عام 1949 أصبحت مادة الدين من بين مواد الدراسة، وذلك للمساواة بين التلاميذ المسلمين والمسيحيين في تعلم الديانة.

ومع ثورة يوليو/تموز استفادت الطبقات الوسطى والدنيا القبطية -شأنها شأن مثيلاتها من المسلمين- بالتغييرات المجتمعية الواسعة التي حدثت، ولكن دورها في الحياة السياسية كان أقل حظا.

وبحسب المؤرخين الأقباط فإن إجراءات التأميم التي قام بها جمال عبد الناصر عام 1960/1961 كادت تقضي على عدد كبير من الأعمال والصناعات والوظائف المهنية والفنية التي كان الأقباط فيها بنسب عالية، وهي قطاع النقل والصناعة والبنوك. أما تأميم الأراضي الزراعية بموجب قانون الإصلاح الزراعي فكانت خسارة الأقباط فيها كبيرة.

ومع وصول أنور السادات إلى السلطة والانفتاح الاقتصادي الرأسمالي، استفادت الفئات العليا من الأقباط. وبإعلانه في أغسطس/آب 1977 عزم السلطة على إصدار قانون الردة الذي يعاقب كل مرتد عن الإسلام بالإعدام، شعر الأقباط بأنهم مهددون بالرجوع إلى وضع أهل الذمة فتحركوا.

وفي 5 سبتمبر/أيلول 1977 وبناء على نداء من البابا شنودة الثالث، بدأ الأقباط صياماً -وهو تقليد ديني قديم عندهم يلجؤون إليه عندما يواجهون محنة شديدة- واستمر خمسة أيام، احتجاجاً على القوانين الإسلامية التي تدرس الحكومة المصرية تطبيقها، والتي -بحسب رأي المقر البابوي في القاهرة- تهدد المسيحيين في مجال المحافظة على دينهم. وبعد الضغوط والمفاوضات تراجعت السلطات المصرية عن القانون.

وبالنسبة لعدد الأقباط في مصر، فإن مصادرهم تقدر نسبتهم بما بين 9 و10% من مجموع السكان، في حين تقدرهم مصادر أخرى بنحو 5%.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة