رحيل الشاعر السوداني محمد عثمان عبد الرحيم   
الأحد 18/12/1435 هـ - الموافق 12/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 22:28 (مكة المكرمة)، 19:28 (غرينتش)

محمد نجيب محمد على-الخرطوم

رحل الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم عن مائة عام بمدينة رفاعة (وسط السودان)، ويعتبر من الأوائل الذين أسهموا في تأسيس مؤتمر الخريجين عام 1938م، والذي أطلق فكرته الشاعر والسياسي الراحل أحمد خير.

وقاد مؤتمر الخريجين النضال ضد المستعمر البريطاني مطالبا بالاستقلال ومتأسيا بتجربة المؤتمر الوطني الهندي ودعوة السلم التي أطلقها المهاتما غاندي، كما شارك الشاعر الراحل في تأسيس فرع مؤتمر الخريجين بمدينة عطبرة شمال السودان حيث كان يعمل بالسكة الحديدية.

ولعب دورا كبيرا في التعريف بالشعر السوداني عبر النشر في دوريات مصرية ولبنانية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن المنصرم، كما قام بتقديم ديوانه الأول "رياض الأدب" الشاعر الراحل المصري الدكتور إبراهيم ناجي عام 1947م في خطوة عدها كثير من معاصريه تكريما للشاعر والذي عاش أغلب فترات عمره بأقاليم السودان المختلفة بعيدا عن العاصمة الخرطوم.

واستقر منذ أن نال المعاش في الستينيات بمدينة رفاعة ولم يغادرها حتى رحيله، وكان منزله باحة للعلم والأدب والمعرفة حتى وفاته، ولقد امتاز بذاكرة قوية وفكر ثاقب رغم تقدمه في العمر.

الوطن الواحد
أراد المستعمر تقسيم السودان إلى قبائل وإثنيات تتحدث عن القبيلة أكثر من الوطن الواحد، وقد قابل مؤتمر الخريجين ذلك بالرفض الشديد والدعوة إلى هوية سودانية جامعة، ومن بين هؤلاء كان الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم الذي أطلق صيحته الأولى الشهيرة "أنا سوداني" عام 1947 والتي جسد فيها الهوية السودانية العربية والإسلامية، يقول فيها:

دوحة العرب أصلها كرم
وإلى العرب تنسب الفطن
أيقظ الدهر بينهم فتن
ولكم أفنت الورى الفتن
أنا سوداني أنا

وتميز الراحل بشاعرية كبيرة وحافظ على تقليد القصيدة العربية القديمة ولم يخرج عنها، وتميزت قصائده بلونية تابعت نضالات الأمة العربية في المشرق والمغرب، كما دونت كثيرا من التواريخ العربية الحديثة.

وشكلت قضية فلسطين قضيته الشعرية المركزية، إذ إن أغلب قصائده تغنت بأمجاد أبناء فلسطين منذ أربعينات القرن المنصرم ونادى بالوحدة العربية الشاملة، يقول في قصيدته "نداء للوحدة العربية":

لمن يا تراني أزف النداء
وفي نسق هادئ متزن
لشعب العراق الذي لم يزل
يشيد المرافق فوق الدمن
إلى شعراء العراق الشقيق
لإخوتنا في بلاد اليمن
لأبناء صنعاء الرابطين
يزودون عن مجدنا في عدن
إلى الثائرين بأرض الشآم
للبنان مذ فرقتها الفتن
إلى الشعب شعب الجهاد المرير
بأرض فلسطين عبر الزمن

يقول الشاعر اللواء الخير عبد الجليل المشرف أمين صندوق دعم المبدعين الأسبق إن الشاعر الراحل ولد في بيئة شاعرة وهي رفاعة في بيت مثقف وكان مثل أخيه الأكبر الشاعر علي عبد الرحيم الذي توفي في الأربعينيات، وكلاهما انضما منذ الثلاثينيات إلى الحركة الوطنية وكانا إشعاعا شاعرا لدى منتديات النضال ومجامع الفكر والسياسة. ويضيف المشرف أن الشاعر كان متابعا من قبل الإنجليز بعد أن ألّف قصيدته "أنا سوداني" وصدح بها الشاعر الخالد العطبراوي عام 1947.

ويذهب الناقد مجذوب عيدروس إلى القول إن الشاعر الراحل محمد عثمان عبد الرحيم واكب الحركة الوطنية السودانية في عطبرة والجزيرة والخرطوم وشهدته المنابر خطيبا مفوها.

هذا طريقي في الحياة
سلكته منذ الصغر
ولقد عرفت من التجارب
ما يشين وما يسر
العبقرية في الجحيم
وفي الهناءة من فجر

ولقد تم تشييع الشاعر الأحد في مدينة رفاعة بحشد جماهيري كبير، شارك فيه مسؤولون من حكومة ولاية الجزيرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة