لماذا يحدث هذا؟   
السبت 1437/10/26 هـ - الموافق 30/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:16 (مكة المكرمة)، 16:16 (غرينتش)

علي البتيري

أشعر بفرح واعتزاز عندما ألتقي تلميذا من تلاميذي الموهوبين وقد أصبح شاعرا أو قاصا أو كاتبا مسرحيا, فيقول لي عندما تجمعني به صدفة اللقاء: "كله بفضل تشجيعك لنا وصدق اهتمامك بنا ونحن على مقاعد الدراسة".

في المقابل أبحث عن تلاميذ آخرين كان لديهم موهبة أدبية حقيقية, وحين أسأل عنهم أو ألتقيهم أجد أن لا علاقة لهم بالأدب أو الإبداع الأدبي بشتى أنواعه, وحين أتحرى السبب الذي جعلهم يعزفون عن الكتابة أعرف مع الأسف من بعضهم أو من أحدهم على الأقل، أن أبواب النشر كانت مغلقة في وجوههم، وأن أسباب الرعاية والتشجيع التي كانت تتوفر لهم وهم في المدرسة لم يجدوها في الجامعة أو الكلية، فبحثوا عن إشباع رغبتهم في الإبداع على صعيد آخر غير صعيد الكتابة والتأليف.

عندما نكتشف هذه الظاهرة التي قد تعترض طريق الناشئة من أصحاب المواهب الأدبية نشعر بالحزن, كما نشعر بحرقة الكتابة ولوعتها, وعندما نريد أن نتصدى لها ونكشف خطورتها الوبائية التي إن لم تقتل أو تصب بمرض, فإنها تحبط الطامحين من أصحاب المواهب الأدبية، وتفقدهم القدرة على مواصلة الطموح.

فالقائمون على مؤسسات النشر -أهلية كانت أم رسمية- قادرون على معالجة هذا الأمر برمته، والتصدي لهذه الظاهرة المؤسفة التي تحبط الهمم وتعيق حركة الإبداع.

لماذا تظل الإبداعات الأدبية -بغض النظر عن أصحابها وأسماء مبدعيها- محكومة بدواليب الحظ, وبأرقام للنشر خاضعة للسحب كأوراق اليانصيب, دون اعتبار لدرجة الإبداع وجودته؟ ولماذا تغيب المواصفات والمقاييس النقدية الموضوعية التي يراد لها أن تنتصر للنص الجيد والمعافى؟

ولماذا يظل ما يدفعه الأدباء للنشر مرهونا بطقس متقلب لأمزجة وأهواء المحررين الثقافيين في الملاحق الأدبية، أو المجلات المتخصصة بالإبداع؟

لماذا يظل ما يدفعه الأدباء للنشر مرهونا بطقس متقلب لأمزجة وأهواء المحررين الثقافيين في الملاحق الأدبية، أو المجلات المتخصصة في الإبداع؟

مشاريع ضائعة
لا نعدو الحقيقة إذا ما قلنا إن كثيرا من المشاريع والإنجازات الأدبية تضيع وتضيع فرصة ظهورها وتوهجها بسبب حالة الجمود والانغلاق التي يفضلها بعض المحررين الثقافيين مع الأسف.

هذا الوضع المأزوم لا يطمئن أحدا من المبدعين في مسيرتهم، إذ يصابون بالإحباط من قسوة الدفع إلى الوراء، فيولي معظمهم الأدبار، مخلفين وراءهم أنصاف المشاريع الأدبية وأرباعها, فلا تجد هذه المشاريع الطموحة متنفسا لها إلا في كتابات من يتصدون لهذه الظاهرة السلبية بموضوعية وحرص على الحركة الأدبية.

من حقنا أن نتساءل هنا عن دور الروابط والاتحادات والمنتديات الثقافية واللجان الأدبية المتكاثرة هنا وهناك، مع الإشارة إلى أن لها دورا يمكن أن نعول عليه، ونضع أملنا فيه.

حتى نحن الذين تحدينا حصار هذه الظاهرة السلبية التي يستهوي أصحابها وحراس أبوابها إغلاق أبواب النشر في وجه الأقلام الصغيرة والكبيرة على حد سواء, حتى نحن بعد كل ما أنجزناه وحصلنا عليه بصعوبة ما زلنا نعاني من ضيق مساحة النشر والانتشار, خاصة إذا لم نكن نتقن سباق الحواجز، ونحن نمتطي خيول طموحاتنا, أو لم نكن نجيد تسلق الأسوار العالية التي غالبا ما يتم تحصينها بسياج تحفظي شائك، خوفا من تسلل كاتب مبدع ما، يحمل في جيوبه قصائد أو قصصا قصيرة مهربة يود أن يوصلها للقراء.

لماذا نجد أوراق بعض المبدعين الحقيقيين مبعثرة متطايرة تعبث بها رياح التجاهل والإهمال؟ ولماذا تظل أوراق بعض الموهبين الواعدين المتوهجة بالإبداع حبيسة أدراجهم، تختنق مع مرور الوقت بثاني أكسيد الانتظار اليائس الذي لا ينتهي باحتمال الإفراج أو إطلاق سراح الكلمات السجينة دون تهمة ما؟!

ضقنا أدباء معروفين وناشئين واعدين بصقيع الإهمال, ومن بطء الحركة ووعورة الطريق, ومن بعض الحفر والمصائد التي ينصبها مغرضون متعصبون لأنفسهم ولآرائهم المزاجية الانطباعية، تلك التي لا تقبل الحوار والمناقشة في هذا الأمر حيث يتمسك هؤلاء المتعصبون بهذه القاعدة التي يضعونها لأنفسهم لا لغيرهم" "أنا وأصدقائي المقربون أولا وغيرنا ليس ثانيا"، وكأنهم يقولون لمن يطرقون أبواب النشر: الأبواب لنا والطريق لنا, والظهور الأدبي وقف على جيلنا دون غيره, ولتذهب الأجيال المقبلة إلى الصمت أو إلى الجحيم.

من حقنا جميعا أن نطالب بعدالة النشر ونزاهته وموضوعيته على قاعدة تكافؤ الفرص, فلا تحكمنا في هذه المسألة الحضارية علاقات شخصية أو مصالح فردية ضيقة

أبواب مفتوحة
ما الذي يمنع رفد الحركة الأدبية في عالمنا العربي بكل جديد متوهج؟ وما الذي يحول دون إثرائها بطاقات وكتابات إبداعية تبحث عن أبواب نشر مفتوحة، ويحلم أصحابها بمفاتيح لهذه الأبواب، لا يخفيها المستأثرون بعملية النشر في جيوبهم الخلفية؟

هل ستبقى الروابط والاتحادات والمنتديات الثقافية المنتشرة كالسفن التائهة في بحر همنا الثقافي كالجزر المتباعدة التي لا تتضافر لها جهود تذكر، يمكن لها أن تتصدى لحالة شبه انعدام النشر التي يعاني منها معظم الأدباء العرب المغمورين منهم والمعروفين على حد سواء؟

إذا كنا نؤمن بأن الأدب رسالة جماعية في المجتمع لا تستثني أحدا، فأين الروح الجماعية الكفيلة بإنهاء ظاهرة الانفراد والتفرد بمقدرات النشر ومجالات الانتشار؟

إلى متى ستبقى بعض الأسماء التي تمكن أصحابها من إشهارها وتلميعها تصول وتجول في الساحة الأدبية دون غيرها من الأسماء التي ما زالت تعاني من الطمس أو الإقصاء غير المبرر؟!

من حقنا جميعا أن نطالب بعدالة النشر ونزاهته وموضوعيته على قاعدة تكافؤ الفرص, فلا تحكمنا في هذه المسألة الحضارية علاقات شخصية أو مصالح فردية ضيقة.

لندع كل المواهب الحقيقية تتفتح وتطرح ثمارها في مختلف الحقول الأدبية, وهذا لا يتم إلا بفتح الأبواب والنوافذ لتهوية الأمكنة الثقافية وتوفير الأجواء بعيدا عن الأمزجة والأهواء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة