الصهاينة ضد الروائي الفرنسي سيلين   
الخميس 1432/3/29 هـ - الموافق 3/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:42 (مكة المكرمة)، 14:42 (غرينتش)

بوعلام رمضاني – باريس

مثقفو فرنسا بارعون في تقديم مواقف "ازدواجية"، فقد صمتوا عن المواقف التي نظّر لها خبير الشأن الأفريقي جاك فوكار، ومن أشهرها مجزرة إبادة التوتسي وفلسطينيي غزة وتحالفوا مع دكتاتورية الرئيسين المخلوعين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك.

وهم أنفسهم الذين فرضوا رقابة جديدة بقيادة وزير الثقافة "اليساري اليميني" فريدريك ميتران على إثر إلغاء احتفالية تكريم الروائي الكبير فرديناند سيلين
(1894- 1961)، أحد أكبر روائيي فرنسا في القرن العشرين وأكثر الأدباء متابعة في العالم اليوم، بذريعة معاداته للسامية.

وهو تماما ما كانوا قد فعلوه سابقا مع الممثل الكاميروني الأصل الكوميدي المعروف ديودونيه بسبب تمثيله دور استيطاني يهودي، وعادوا من قبلهما المفكر الشهير روجيه غارودي مؤلف كتاب "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل".

بدأت فصول "قصة الترهيب" على يد رجل يدعى كارل لاسرفلد، رئيس جمعية أبناء وبنات المبعدين اليهود، إذ استطاع بـ"سرعة خاطفة" إقناع الرئيس الفرنسي نيكولا  ساركوزي باتخاذ قرار يلغي تظاهرة تكريم سيلين، بوصفه مسيئًا لقيم الجمهورية، التي لا يمكن لها أن "تحتفل بكاتب يكره اليهود، رغم عبقريته الأدبية التي لا تضاهى"، على حد تعبيره.

ساركوزي خضع للحملة ضد الروائي سيلين (الفرنسية- أرشيف)

المجلس اليهودي

وأسرف لاسرفلد في موقفه، فأيّد موقف ريشارد باسكييه، رئيس المجلس التمثيلي للهيئات اليهودية في فرنسا، بقوله "إن مبدع رائعة (سفر حتى آخر الليل) هو أيضا الكاتب الذي ألف رواية (تفاهة من أجل مذبحة) الدنيئة والكريهة، وقضى سنواته الأخيرة معاديا لليهود بشكل جنوني، وأتفهم أن يكون محل نقاش وبحث في ندوة لكن لا أقبل أن يحتفل به باعتباره وطنيا".

فرديريك ميتران، الاشتراكي الذي يصرّ على عدم تناقضه إيديولوجيا بوجوده في حكومة يمينية "ساركوزية" وزيرًا للثقافة، ويندم في الوقت نفسه على مواقفه السابقة المؤيدة لزين العابدين بن علي لأنه لم يكن دكتاتوريا في تقديره، قد سقط أخلاقيا وأدبيا مرتين حسب البروفيسور هنري غودار المتخصص في أدب الروائي سيلين.

فعالية تكريم سيلين هذه أشرفت عليها لجنة مكونة من 12 أكاديميا وأكاديمية لا يكرهون اليهود، ولا يخلطون بين حرية الفكر والتكريم الذي يستحقه كل المبدعين الكبار، من دون أن يعني ذلك تزكية أفكارهم ومواقفهم خلال مراحل ما من مساراتهم الإبداعية كما يحدث مع المبدعين في مختلف المجالات.

وزير متواطئ
"وزير الثقافة الفرنسي ابن شقيق الرئيس الراحل فرنسوا ميتران ارتكب ذنبين لا يغتفران" يقول غودار، مستنكرًا ومنددًا.

ويضيف "يتمثل الأول في قوله إن قرار الإلغاء يعدّ موقفًا صارخًا ينطق بسلوك غير حضاري وتبين حينما حاول وزير الثقافة إقناعه بأن القرار لا يعني الإنقاص من قيمة وشأن اللجنة الأكاديمية التي وافقت على إدراج اسم سيلين في قائمة التكريمات الوطنية المُقرّة في العام الحالي".

تصاعد استياء غودار، الذي تحدث لإذاعة "فرانس أنفو" الإخبارية، بروح منكسرة، مفترضًا أن يعطي وزير الثقافة المثل في مجال التسامح والحرية الفكرية والحق في الرأي والرأي الآخر.

وزير الثقافة فريدريك ميتران اتهمه خصومه بالسقوط الأدبي والأخلاقي (الفرنسية- أرشيف)
وقال إنه لم يفهم قرار الوزير، الذي بارك فكرة التكريم منذ البداية، ولم يتردد في توقيع مقدمة دليل تكريم عدة شخصيات هذه السنة بما فيها سيلين، بوصفه أحد أكبر مبدعي فرنسا وأكثرهم تمثيلا للأدب الفرنسي في الخارج.

وبلغ أسى البروفيسور والأستاذ في جامعة السوربون ذروته غير المسبوقة، حينما لم يعلم بقرار سحب اسم سيلين من دليل التكريمات الوطنية إلا بعد وصوله إلى مقر وزارة الثقافة بقليل، لحضور حفل التكريم، وهو ما اعتبره سلوكًا غير حضاري ولا يليق بمقام وزير ثقافة.

مؤامرة ضد سيلين
ضجة إلغاء احتفالية تكريم سيلين لم تتوقف عند حدود الاختلاف الأدبي والأخلاقي بين وزير الثقافة فردريك ميتران والبروفيسور الكبير هنري غودار، بل امتدت إلى أعضاء اللجنة العليا المكلفة باختيار المبدعين الذين يستحقون التكريم الوطني.

وتتكون هذه اللجنة التي عرفت النور عام 1998 بمبادرة أطلقتها وزيرة الثقافة السابقة، المحسوبة على الحزب الاشتراكي، كاترين تروتمان، من الأكاديميين والفلاسفة والأساتذة المرموقين: جان فافييه وان بلداساري وكاترين بريشنياك وجيل كانتغريل وآلان كوربا وجان ديلومو ومارك فومارولي، وجان نوال جانيني وباسكال أوري وإيمانويال بول وجاك تولييه وكاترين كليمون.

ومن بين هؤلاء الأعضاء، وحدها كليمون، هي التي استقالت من معهد اللجنة العليا للتكريمات الوطنية، احتجاجًا على تكريم سيلين، وهي التي نشرت عشرين رواية أبرزها: "من أجل حب الهند " و"عاهرة الشيطان" وأصدرت أبحاثا حول ليفي شتراوس ولاكان وفرويد.

مثقفو فرنسا، بارعون في تقديم مواقف "ازدواجية"، فقد صمتوا عن المواقف التي نظّر لها خبير الشأن الأفريقي جاك فوكار، ومن أشهرها مجزرة إبادة التوتسي وفلسطينيي غزة وتحالفوا مع دكتاتورية الرئيسين المخلوعين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك
رقابة رئاسية

الروائي المعروف فيليب سولرس، صاحب كتاب "سيلين" ناصر البروفيسور غودار بقوله إن "قرار وزير الثقافة ومن ورائه ساركوزي يعدّ رقابة على الإبداع، وسبق لي أن خصصت كتابا لسيلين المبدع الاستثنائي، ويجب أن يعرف أصحاب القرار أن موقفهم ينم عن عبثية غير مسبوقة، وليس من المعقول أن يطلب مواطن عادي من رئيس الجمهورية إلغاء اسم كاتب في حجم سيلين"، مضيفا "بهذا الموقف يكون قد حظي بإشهار يخدم كل محبيه".

سولرس أكدّ أن "من حق أي واحد أن يعترض على مواقف سيلين وأن ينقده في عدة مجلدات إذا أراد، لكن ممارسة الرقابة عليه عن طريق رئيس الجمهورية يعد موقفا مخزيا وجنونيا ومحيرا في بلد يدعي الديمقراطية والتسامح، وفرنسا عرفت روائيين عظيمين هما بروست وسيلين".

يذكر أن كتاب "سيلين الفضيحة" للبروفيسور هنري غودار يلقي إقبالا كبيرا هذه الأيام مثله مثل كتاب "انتفضوا" للمقاوم اليهودي الشهير ستيفان هيسال (93 عاما) الذي يهاجم في كل وسائل الإعلام الفرنسية لأنه تضمن فصلا ندد فيه بـ"إسرائيل"، التي أبادت الفلسطينيين في غزة بنفس الأساليب الوحشية التي تعرض لها اليهود على أيدي هتلر، كما عبر فيه عن تفهمه لحركة حماس التي توصف مقاومتها بالإرهابية في الأدبيات السياسية الإسرائيلية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة