سامي الحاج يدحض ادعاءات حسن معاملة معتقلي غوانتانامو   
الأربعاء 1426/11/14 هـ - الموافق 14/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 13:09 (مكة المكرمة)، 10:09 (غرينتش)

يدحض سامي الحاج مصور قناة الجزيرة المعتقل بغوانتانامو في رسالة جديدة وجهها لمحاميه البريطاني كلايف ستافورد سميث، ادعاء الإدارة الأميركية بأنها تعامل معتقليها بإنسانية.

وينقل الحاج في رسالته بعضا من معاناتهم من سوء الطعام، ردا على الحملة الإعلامية التي حاول بها الرئيس الأميركي جورج بوش تلميع صورة إدارته من خلال ظهوره أمام وسائل الإعلام العالمية وهو يتناول قطعة من دجاجة محمرة زعم أنها من نفس طعام معتقلي غوانتانامو.

وقد اعتقل سامي الحاج أواخر عام 2001 عندما كان يحاول العبور إلى أفغانستان عبر الحدود الباكستانية مع فريق الجزيرة لتغطية الحرب الأميركية، وما زال يقبع في سجن غوانتانامو سيئ الصيت منذ أربع سنوات دون توجيه أي تهم رسمية أو إجراء أي محاكمة.

وفيما يلي أصل الرسالة ونصها:

 دجاجة بوش بين الحقيقة والخيال

سامي الحاج

في خضم هالة إعلامية وحملة قوية شنتها وسائل الإعلام العالمية ضد الولايات المتحدة الأميركية في تعاملها اللا إنساني مع معتقلي غوانتانامو، ظهر الرئيس الأميركي جورج بوش على شاشات التلفاز وهو يأكل قطعة من دجاجة محمرة واضعا بجانبها قطعة من الليمون حتى يستثير شهية المشاهدين، مدعيا بذلك أن هذا الدجاج يتناوله المعتقلون بخليج غوانتانامو!.

لا شك ولا ريب أن المشاهدين من جميع أرجاء المعمورة يعلمون علم اليقين ويجزمون أن الدعوى المزعومة لم تكن سوى مشهد من المشاهد الهوليودية، لا سيما أن الرئيس بوش نفسه يدرك هذه الحقيقة.

"
بعد مرور عامين من معاناة الجوع القاتل والطعام البارد المعلب تفشت الأمراض المستعصية والقاتلة بين المعتقلين بسبب المواد الحافظة في الوجبات المعلبة
"
وقد اتضح ذلك جليا عندما قام موفد قناة الجزيرة بلقاء صحفي مع الجنرال هود القائد العام لمعتقل "جولاج المعاصر" بخليج غوانتانامو حيث وجه له سؤاله المحرج الفاضح "متى آخر مرة شاهدت المعتقلين يأكلون من الدجاج الذي أكل منه الرئيس بوش؟" فلم يجد الجنرال هود مفرا من السؤال سوى أن يولي هاربا راميا ميكروفون قناة الجزيرة على الأرض وتاركا مستضيفه يعض أصابع الندم.

أنى له بالإجابة ولا سيما أن الكثير من المعتقلين لا يأكلون الدجاج واللحم بتاتا، تورعا واحتياطا لدينهم بعد أن صرح أحد المترجمين العرب بأن ما يقدم للمعتقلين من الدجاج واللحم قد أزهقت أرواحهم على غير الطريقة الشرعية.

أما البقية الأخرى من المعتقلين فليسوا في حاجة إلى مواد بلاستيكية تزيد من أمراضهم المزمنة التي يعانون منها، حيث لا يكاد يوجد معتقل إلا ويشتكي من أمراض مزمنة بدءا بالإمساك ومرورا بالقولون وانتهاء بالقرحة.

بدأت معاناة المعتقلين من الطعام منذ معتقل بغرام الأول القابع وسط الجبال المكسوة بالثلوج البيضاء، حيث كان يقدم للمعتقل قطعة من الخبز ووجبة معلبة مكتوب عليها "غير صالحة للطعام بدرجة حرارة صفر أو ما دون، وهي تزن مائتين وخمس وعشرين غراما فقط، وقارورة ماء صغيرة الحجم متجمدة بسبب الانخفاض الشديد لدرجة الحرارة.

في معتقل قندهار تحسن الأمر نوعا ما، فأصبح المعتقل يحظى بقطعة خبز ووجبتين معلبتين وقارورتي ماء حسب برنامج تجويعي مدروس، حيث كانت الوجبة الأولى تقدم عند الساعة الثانية صباحا والمعتقلون يرتجفون من شدة البرد، أما الأخرى فعند الساعة الواحدة ظهرا. ولا تسأل عن نوعية الوجبة فيكفي أن تعلم أن الكثير من المعتقلين أكل لحم الخنزير المعلب دون أن يدري.

ويتواصل البرنامج بخليج غوانتانامو ليقدم للمعتقل ثلاث وجبات يوميا لا تسمن ولا تغني من جوع مما شجع الجنرال ميلر -صاحب فظائع سجن أبو غريب العراقي مؤخرا وقائد معتقل "جولاج المعاصر" آنذاك- على إلقاء البيان تلو البيان عبر مكبرات الصوت ليحث المعتقلين على التعاون مع المحققين حتى يتسنى لهم العودة إلى بيوتهم والاستمتاع بلذة الوجبات الحارة مع عوائلهم على حد زعمه.

بعد مرور عامين من معاناة الجوع القاتل والطعام البارد المعلب تفشت الأمراض المستعصية والقاتلة بين المعتقلين: السرطان بأنواعه المختلفة والبواسير وأمراض المعدة المزمنة، وأقلها تساقط شعر المعتقلين بسبب المواد الحافظة في الوجبات المعلبة.

وحتى لا يهلك الجميع وتفقد الاستخبارات الأميركية موسوعتها المعلوماتية الإرهابية كما يزعمون، اضطرت الإدارة الأميركية داعية السلام العالمي وحامية حقوق الإنسان أن تلغي الوجبات المعلبة وتوفر وجبات حارة.

وبلا شك سبق التنفيذ ضجة إعلامية داخل السجن عبر مكبرات الصوت والملصقات والمحققين الكرام الذين تمزقت قلوبهم واحترقت أكبادهم لحال المعتقلين المأساوي كما يقولون، فأبشر المعتقلون خيرا غير أن فرحتهم لم تدم طويلا، فلقد جاء الحليب بودرة، والبيض مجففا كثيرا ما يخالطه الدود، واللحوم والدجاج قطعا بلاستيكية، والأسماك من مخلفات الحرب العالمية الأولى، والخضروات أشجارا وحشائش لا تعرف لها اسما.

وحدث ولا حرج عن الكم، فعدد حبات الأرز المسلوق بالماء لا يتجاوز قبضة اليد، والبطاطس المسلوق غير الناضج قطعتان صغيرتان وأحيانا تدرك مسؤول التوزيع الشفقة فيزيد عليها ثالثة، أما الفاصولياء السوداء فنصف ملعقة، وعلى ذلك فقس.

أما مواعيد تقديم الوجبات فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت وجبة الإفطار تقدم للمعتقلين بعد صلاة العشاء بساعة ونصف، ووجبة السحور قبل الأذان بدقائق معدودة أقصاها ربع ساعة.

وأذكر في إحدى المرات تأخر السحور حتى قبل وقت الأذان بخمس دقائق، وعندما تذمر المعتقلون من ذلك، رد عليهم مسؤول التوزيع بأن "لا داعي للقلق سوف نعطيكم نصف ساعة أخرى".

وفي الأيام العادية، تقدم وجبة الإفطار في الساعة الخامسة صباحا أي قبل صلاة الفجر في بعض الأحيان، أما العشاء فبعد صلاة العصر مباشرة.

"
من يتعاون مع التحقيق بالإجابة عن جميع تساؤلات المحققين المعقولة وغير المعقولة سيجد طاولة التحقيق امتلأت بمختلف ألوان الطعام والحلويات بدءا بالبيتزا هت وانتهاء بدجاجة بوش المحمرة بعناية وبجانبها الليمونة
"
طعام بلا طعم، حيث لم يتذوق المعتقلون حتى الآن طعم البهارات بل يحلمون بالبصل. الأصل في طريقة الطهي هي السلق بالماء من غير تمليح، أما الملح فهو أحد المميزات التي تقدم للمتعاونين في التحقيق والمطيعين للوائح العسكرية الصارمة، وحتى هؤلاء الثلة القليلة معرضون لعقوبات صارمة إذا احتفظ أحدهم بغرام من الملح.

الماء.. وما أدراك ما الماء، يكون بلون البرتقال من كثرة الصدأ في شبكة المياه، وآخر بلون الحليب من كثرة المطهرات الكيميائية، أكثر من أربعين في المائة من المعتقلين يعانون من أمراض الكلى، علما أن أفراد قوات المارينز الشجعان والسادة المحققين الكرام ومن والاهم من المترجمين المخلصين لا يشربون هذا الماء بتاتا، بل لديهم مخزون من قوارير مياه الصحة المحمولة جوا من ينابيع المياه العذبة بالولايات المتحدة الأميركية، أما الثلة القليلة من المتعاونين في التحقيق والمطيعين للوائح العسكرية فيصرف لهم كل شهر قارورة واحدة فقط.

الشاي يوم بسكر معسل ويوم من غير سكر بطعم الحنظل، ومرة مخلوط بمواد مخدرة منومة وأخرى مخلوط بمواد تجعلك تسهر.

ومن طرائف الطعام، أذكر أني كنت بجوار محمد القرعاني (16 عاما)، وفي أحد الأيام استلم وجبة الغداء، فبدأ يضحك بشكل هستيري لافتا أنظار الجميع حتى عساكر التوزيع.

وبعد جهد جهيد من محاولاتي لمعرفة سبب إطلاقه تلك الضحكات، طلب مني أن أنظر في طعامه فرأيت دودة حية تسبح في صحنه، فطلبنا المسؤول وامتنع جميع أفراد العنبر الثمانية والأربعون معتقلا عن تناول الطعام حتى شرفنا المسؤول، وعندما نظر إلى الدودة قال بلا مبالاة متناهية: ليست مشكلة، يستبدل صحن محمد القرعاني بآخر، وعندها رفض محمد القرار متعللا بأنه طالما طعامه فاسد فطعام الجميع فاسد أيضا.

وبعد أخذ ورد وافق سعادة المسؤول على صرف وجبة معلبة لمحمد، أما بقية المعتقلين فلهم خياران لا ثالث لهما: من أراد فليأكل ومن لا يرغب عليه أن يسلم الصحن للجندي فورا ودون أي كلام وإلا فأفراد قوات الشغب البواسل على أهبة الاستعداد.

غالب التبوكي في عنبر "كوباك" وجد في وجبة الغداء عقرب كاملة بشحمها ولحمها. طلب المسؤول وحين جاء استلم الصحن وقام بوضعه بكل برود أمام زنزانة غالب وطلب منه أن يتحلى بالصبر حتى موعد وجبة العشاء القادمة!

محمد الشنقيطي وجد صرصورا وآخر وجد ذبابة وثالث وجد أعقاب سيجارة وهلم جرا..

على الصعيد الآخر، من يتعاون مع التحقيق بالإجابة عن جميع تساؤلات المحققين المعقولة وغير المعقولة ويرفع رأسه وينظر إلى عيون عارضات الأزياء المحققات، ويعترف بكل ما يقوله المحقق حتى وإن كان مجافيا للحقيقة، ويتجرد من دينه ولا يتردد في سب وشتم أعداء الحرية والحضارة المتخلفين الرجعيين.. فإنه سيجد طاولة التحقيق امتلأت بمختلف ألوان الطعام والحلويات بدءا بالبيتزا هت ومرورا بالكباب وانتهاء بدجاجة بوش المحمرة بعناية وبجانبها الليمونة.

معتقل غوانتانامو-كوبا

في 8 سبتمبر/ أيلول 2005

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة