تونا كيرمتشي.. مرآة الماضي ووجوه إسطنبول   
الأربعاء 1436/11/12 هـ - الموافق 26/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:20 (مكة المكرمة)، 11:20 (غرينتش)

هيثم حسين

يُبرز التركي تونا كيرمتشي في روايته "ارحل قبل أن أنهار" أن الزمن مرآة للإنسان يرى فيها عيوبه وتطوره، والتغيرات التي تطرأ عليه، وذلك من دون أن يتمكن من معالجة جروح ماضيه، واستقاء الدروس والعبر منها، تمهيدا للتصالح مع الزمن الحاضر، والسعي للانطلاق نحو المستقبل بالتخفف من أعباء الماضي وآلامه.

يختار كيرمتشي في روايته -وهي ضمن منشورات العربي في القاهرة بترجمة عمرو السيد
(2015)- بطلته امرأة في الأربعين من عمرها، تستعيد مذكراتها حين كانت في السابعة عشرة، تقارن بين نظرتها البريئة حينذاك للعالم المحيط بها، وتغير تلك النظرة بفعل التجربة والخبرة، وكيف أن السنوات أنضجتها وأكسبتها معرفة أكثر واقعية ودقة بعالمها والأشخاص القريبين منها.

معاينة الماضي
يعتقد الكاتب أنه عندما يكتب المرء مذكراته، فيجب عليه أن لا يقرأها إلا بعد سنوات طويلة من كتابتها. ويجد أن للكتابة دورة حياة خاصة بها، حيث تُعدّ 23 عاما فترة كافية لنمو الكلمات وتطورها حتى تصبح كيانا مستقلا عن كاتبها.

الكتابة تكون أداة الرّاوية للتعبير عما يعتمل في أعماقها، فهي تعيش انعطافة منتصف العمر والمشاعر المختلطة التي يولّدها تغير الشكل، وزيادة المسؤوليات، والشعور بمفارقة سن الشباب والدخول في عتبة التقدم في السن

ويمرحل الروائي التركي سيرة الكتابة، فيرى أن العقد الأول هي الفترة التي تبدأ فيها الكتابة بالتعرف إلى ذاتها، حيث تتعارف الحروف على بعضها وعلى الدفتر الذي كتبت عليه. وفي العقد الثاني تنسى الشخص الذي كتبها، ثم تتخلص من مخاوفها حرفا بعد حرف، ثم تتخلص من أمراضها المزمنة والوراثية المعدية التي كان من الممكن أن تسبب لها مشكلات كبيرة مستقبلا، ثم لا يكون لها أي علاقة بالشخص الذي كتبها.

ولأن الكاتب يكون قد تغير خلال هذه السنين، فلا بد أنه سيشعر أنها ليسا كتابته حين يعود إليها، لذلك يشير إلى أن من الممتع دائما أن تقرأ عن آلامك حين تصير كأنها آلام شخص آخر.

تكون الكتابة أداة الراوية للتعبير عما يعتمل في أعماقها، تعيش انعطافة منتصف العمر، والمشاعر المختلطة التي يولّدها تغير الشكل، وزيادة المسؤوليات، والشعور بمفارقة سن الشباب، والدخول في عتبة التقدم في السن، ومحاولة تفهم ذلك، وتقبله. كما تكون قراءتها ليومياتها الماضية جسرا لعبورها إلى غدها، وبذلك تكون كتابتها وقراءتها مكملتين لدورة حياتها، وعاملين مساعدين لها على التكيف والتأقلم مع ذاتها وما حولها.

المرأة الأربعينية "أردا" تعاين ماضيها بعيدا عن أية رغبة بالانتقام أو التهرب، بل من باب اكتشاف التغيرات والمستجدات، واستعادة الدروب التي أوصلتها إلى ما أصبحت عليه. فالمراهقة التي كانت غرفتها الصغيرة تشكل بالنسبة لها عالمها الرحب، تحولت إلى أم وزوجة، وترك عليها الزمن آثاره العميقة، وتراها تخوض صراعاتها في أكثر من اتجاه.

كيرمتشي يصف محطة منتصف العمر بأن المرء يعبر عتبة لا يراها، ويهرب عندها عصفور الشباب من نوافذ جسده، ولا يدرك التغير الذي حدث له قبل مرور بعض الوقت

يعبّر تونا عن مشاعر المراهقة التي عاشتها بطلته "أردا"، ويفسح لها المجال لسرد اعترافاتها، وكيف أنها كانت تعتبر غرفتها متحفا لها، وكانت تحارب شياطين مراهقتها هناك، ولم تستطع أسرتها أن تقدم لها أية مساعدة في حربها الشخصية.

ويصف الروائي محطة منتصف العمر بأن المرء يعبر عتبة لا يراها، ويهرب عندها عصفور الشباب من نوافذ جسده، ولا يدرك التغير الذي حدث له قبل مرور بعض الوقت، وقبل المرور ببعض الريبة والشك، فإنه يحتاج إلى مَن يلكزه في كتفيه كي يوقظه، يحتاج إلى لافتة مرورية تقول له إنه بعد صعود طويل وصل إلى السطح المستوي لهضبة منتصف العمر، كما يحتاج إلى أسلوب مختلف لفهم هذه الفترة وعلامات مختلفة لإدراكها.

يركز كيرمتشي على مشاعر المراهقة والنضج، وكيف أن كل محطة تكون جسرا بين مرحلتين، فحين يصل المرء إلى السابعة عشرة يشعر بداخله أنه بين أمرين، فقد اقترب من الرشد لكنه لم يغادر الطفولة كلية، وفي هذه السن يكتشف أنه لا يحتاج إلى سحر كي يحول غرفته إلى مفكرة له.

وشاية الوجوه
يلفت الروائي إلى أن وجوه الناس تشي بدواخلهم، وبطلته حين تنظر في المرآة لا ترى وجه امرأة مرت بالكثير من المحن، وتجد أن في أوجه الناس الذين مروا بالألم يمكن للمرء أن يقرأ الكثير من الرسائل.

الروائي يذكر أن الحلم لا يضخ سعادة في روح بطلته، بل قد يكون باعثا على الرعب والكآبة، إذ ينتابها أحيانا شعور برعب محتمل تصفه بأنه الرعب الذي يبني مقاومتها التي تنهار من حين لآخر، الرعب الذي تعتقد أنه سيجعلها أقوى

ويصف كيرمتشي مدينة إسطنبول بطريقة توافق حالة بطلته النفسية، فالراوية تتذكر لقاءها الأول بإسطنبول وتقول إنها كانت تعرف أن هذه المدينة ستنقض عليها من اليوم الأول بأبراجها وقصورها ومنازلها، وأنها لن تهدأ حتى تترك في نفسها انطباعا، وحتى تتمكن من أن تحول السبعة عشر عاما التي عاشتها في الحياة إلى شريط مسح بغير قصد، وقبل أن تحول المدينة التي ولدت ونشأت فيها إلى مركز ريفي صغير.

يتساءل صاحب رواية "الصلوات كلها واحدة" عن جدوى الكتابة، ويقارب عالم الحلم والواقع، والتقاطعات بينهما، يرى أن الناس يودون أن يعيشوا ذكرياتهم السعيدة القديمة مرة أخرى في أحلامهم، وذلك إن رأوها وشعروا أنها أحلام فحسب. أما بالنسبة لبطلته، فهي مختلفة، حيث تلك اللحظات القصيرة التي يحدث فيها كل شيء طبقا لمنطق خاص بالأحلام وحدها تدمر كل مقاومة كانت تحاول جاهدة أن تبنيها. إنها تمزّق روحها إلى قطع وتضعها أمامها كي تجمعها مرة أخرى.

ويذكر الروائي أن الحلم لا يضخ سعادة في روح بطلته، بل قد يكون باعثا على الرعب والكآبة، إذ ينتابها أحيانا شعور برعب محتمل تصفه بأنه الرعب الذي يبني مقاومتها التي تنهار من حين لآخر، الرعب الذي تعتقد أنه سيجعلها أقوى طالما أنه لا يقتلها، وذلك على مبدأ أن المصيبة التي لا تقتل المرء تزيده قوة وصلابة.

يؤكد الكاتب أن الإنسان حين يحتار بين الاختيارات، تختار الحياة له، وهي لا تفعل ذلك بشكل يثير العجب، وإنما ما يحدث أنه يختار أحد الخيارات التي لا تبدو خطيرة للغاية للوهلة الأولى، ثم تعمل قوى الحياة الخفية على ترتيب بقية الأحداث، ويعتقد أن المرء يحتاج إلى الكثير من المساعدة حين يقرر بدء حياة جديدة. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة