"لعنة برج بابل" تلاحق قوات الاحتلال   
السبت 1435/2/11 هـ - الموافق 14/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)
غلاف رواية "لعنة برج بابل" للعراقي خليفة الدليمي (الجزيرة)
هيثم حسين
 
يستحضر العراقي خليفة الدليمي في روايته "لعنة برج بابل" التاريخ والأساطير التي يجعلها محورا رئيسا في عمله، ويجعل بعض أبطالها شخصيات معاصرة، فترى "أنكيدو" يتابع المقاومين ويقف معهم يدا بيد، يسير برفقتهم، لا يبخل عليهم بالمشورة.

ينير لهم الدروب المعتمة، ويسبغ عليهم قوة أسطورية في مواجهة آلة حربية متطورة جدا، وهناك أيضا "الكاهن الأكبر" و"عشتار"، وشخصيات أخرى من عالم الأساطير ملقاة في بحر الصراع على برج بابل.

يصوّر من خلال أبطاله الأبعاد والطائفية والعشائرية وغايات المحتلين والمقاومين والإرهابيين وأبناء المنطقة، ويعقد بينها مساجلات تقدم فيها وجهات نظرها

العالم المفقود
يحكي الدليمي في روايته -التي نشرتها الدار العربية للعلوم والثقافة ناشرون مؤخرا- عن بابل القديمة المختبئة تحت الأرض، والتي يفترض أنها بقيت على حالها، وبقيت أسرارها وتقاليدها أيضا، حيث يمارس الشعب البابلي حياته بانسيابية وتناغم، يعكر صفو تلك الحياة الطغيان ثم الغزو ثم نبش الأرض وتهديم المدن التاريخية ونسفها.

ويحكي كذلك عن تراب الحياة وطاقية الإخفاء وقدرات استثنائية خارقة في مثلث الموت الذي يصفه، بحيث أن لعنة بابل تكون شبيهة بلعنة الفراعنة، وتحرم المساس بقدسيتها ومكانتها.

ينطلق الدليمي من فرضيات تدخله في مسارب التخيل المستقبلي الذي يبدو خليطا من الحلم والتمني، ترسم شخصياته الكثيرة خريطة التشابكات التاريخية والواقعية والمتخيلة، ومن تلك الشخصيات "البروفسور كوك"، "راشيل الطالبة"، "مثنى"، "روبرت سعيد"، "إيزابيلا الضابطة"، "هولدن"، "لورانس"، و"موليمان"، "يعرب"، " أنكيدو"، "الكاهن الأكبر" وغيرهم.

يصوّر من خلال كل هؤلاء الأبعاد والطائفية والعشائرية وغايات المحتلين والمقاومين والإرهابيين وأبناء المنطقة، ويعقد بينها مساجلات تقدم فيها وجهات نظرها.

يذهب في سرده في أكثر من اتجاه، وكل اتجاه بدوره يكفل بإضاءة المنطقة التي يعاينها، ولا يخلو أي سياق من الهم السياسي والبعد التاريخي، ذلك أن الصراع التاريخي المتجدد بقوة وشراسة يستهدف الهيمنة على الجغرافيا نفسها، فضلا عن التاريخ الدفين بين طبقاتها، وبالتالي محاولة نهب اللقى والأثريات التاريخية، بغية التعتيم على بعض الحقائق وتقديم حقائق تتناسب مع السياسات المنتهجة والمخطط لها بنوع من الكيد والخبث.

يطلق الروائي حركية أبطاله في مختلف الجوانب، وكل حركة تروم تقديم تصور عما تبحر فيه، من جهة الماضي في مواجهة الحاضر والمستقبل

صراع العوالم
يبدو الصراع الأبرز المستمر طيلة صفحات الرواية هو الصراع بين العوالم، يرسم الدليمي العالم الذي يسمّيه بالسفلي، وهو عالم البابليين القدماء في أرض بابل، حيث تكون لهم تحت الأرض مدينة المقاومة، تدور فيها رحى حياة مختلفة، تجد نفسها إزاء متغيرات خطيرة تستهدف وجودها وتبحث عن محوها لغايات مبيتة، فتعد العدة لخوض صراعها وحربها بما يليق بتاريخها.

وبمقابل العالم السفلي يحضر العالم الآخر العلوي المتمثل في الزمن الحاضر، حيث القوات الأجنبية الرابضة في العراق والمرابطة على تخوم بابل وسطحها، لا تتورع عن اقتراف أي فعل من أجل تعزيز السيطرة على المدينة وتاريخها، ونهب آثارها وتفتيت بنيتها ومحو اعتبارها.

وبالتزامن مع حرب العوالم تلك، هناك الصراع الذي قد يبدو في ظاهره أنه صراع على الرمال وما تحتضنه من نفط وثروات، إلا أن الدليمي يذهب أبعد من ذلك، ويحكي عن صراع على التاريخ بغية إعادة كتابته بأقلام الغزاة ووفق رؤاهم وسياساتهم، ويتعدى الأمر ذلك إلى نهب وإفراغ المنطقة من رموزها وأساطيرها، ومن ثم تركها عرضة للخراب والاندثار.

في الجانب الآخر يقارب الدليمي واقع العراق في العقود الأخيرة وكيف أن الحروب المتعاقبة أهلكت البلاد وأرهقت العباد، ودفعت بالكثيرين منهم إلى الهجرة وشردت ويتمت الملايين، وتحضر مأساة العراقي الهارب من الاستبداد المحلي ليقع بين براثن المهربين، وأثناء ذلك كله يصور رحلة التيه التي يجد العراقي يعرب نفسه بين أتونها يرصد مسارات التهريب، وصورا من حياة أولئك المعانين للوصول إلى الفردوس الأوروبي المشتهى.

يطلق الدليمي حركية أبطاله في مختلف الجوانب، وكل حركة تروم تقديم تصور عما تبحر فيه، من جهة الماضي في مواجهة الحاضر والمستقبل، كحالة "راشيل" الباحثة عن تاريخ بلاد الرافدين ومملكة بابل، والتي ترث عشقها للتاريخ من أبيها، وتواجَه بغمز المحيطين بها وتندرهم أحيانا، ولا تلبث أن تكمل مشروعها بالإبحار في صحراء بابل وأغوارها، وهنا تكون في مجابهة تحدّي السلطات التي تبحث عن ألغاز في تلك المنطقة، تفسر لها كثيرا من الوقائع غير المنطقية التي جرت هناك.

يعتمد الدليمي تقنيات سينمائيّة في سرده، وبخاصة التقطيع السينمائي، كأنه يجري مونتاجا يفرز مشهديات قصيرة متعاقبة، كل مشهد يدل على حالة ويعبر عن فكرة

وحشية الحرب
يصور الكاتب واقع السجون في العراق كسجن "أبو غريب" و"بوكا"، والفظاعات المقترفة فيهما، كما يرصد آثار الاحتلال التي تفوّقت بوحشيّتها وتدميرها على وحشية الحروب السابقة، التي شهدتها أرض العراق، وذلك على لسان باحثة الآثار "زينة" التي تقر بأن الضرر الذي لحق ببابل غير قابل للإصلاح، لأنه تم جرف منطقة واسعة من المواقع الأثرية بالجرافات، وأنشأت عليها أكبر قاعدة لقوّات التحالف في المنطقة.

وتفصح بأسى أن الاحتلال قد أسفر عن تدمير هائل للتاريخ إلى حد تجاوز بكثير مجرد المتاحف والمكتبات، التي تعرضت للنهب والتدمير عند سقوط بغداد، بل إنهم استخدموا بعضها كنقاط رصد ومراقبة ومنها الملوية، القلب التاريخي لسامراء.

يعتمد الدليمي في سرده تقنيات سينمائية، وبخاصة التقطيع السينمائي، كأنه يجري مونتاجا يفرز مشهديات قصيرة متعاقبة، كل مشهد يدل على حالة ويعبر عن فكرة، ويصور أجواء المكان الذي يخصّه.

وبتتالي المشاهد يتصاعد التشويق وتتعدّد الذُرا، بما يوهم أن المواجهة على صفحات الرواية، إنما هي مواجهة على الشاشة، ويذكر في اشتغاله بالأفلام السينمائية التي تمزج الواقع بالخيال والأسطورة بالتاريخ والفانتازيا، وتخلط بين الأزمنة والعوالم والبشر والكائنات الأخرى، سواء كانت متخيلة أو واقعية.

يلجأ الدليمي إلى التحقيب التاريخي، يحفر بين ثنايا التاريخ، وبالتالي يبني روايته على طريقة الطبقات النصية، يربط بينها بحبكته السينمائية، وبإيقاع سريع متواتر ينتقل من مشهد لآخر، كأنه يسابق الزمن، ويسعى لإيقاف أو إنهاء حرب وشيكة أو دائرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة