الصين .. ثقافة الأمة وصناعة الإبداع   
السبت 26/2/1435 هـ - الموافق 28/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
غلاف كتاب "الصناعات الإبداعية في الصين" للأسترالي مايكل كين (الجزيرة)
الصحبي العلاني
 
كثيرا ما توقعنا الدراسات الاقتصادية فائقة التخصص في خطأ نظن معه أن البضائع التي تملأ الأسواق، والسلع التي تنتشر حولنا هي مجرد منتجات مادية خالصة لا تحكمها إلا نواميس التداول وقانون العرض والطلب، إلى درجة ننسى معها الحقيقة الأهم، وهي أن كل سلعة تخفي وراءها رؤية ثقافية كاملة وتحديات سياسية غير معلنة وأزمات اجتماعية عميقة.

ومن أجل تصحيح تلك النظرة الضيقة، وتجاوزها بالانفتاح على الثقافة في أعمق معانيها وأكثرها شمولا، أصدر أستاذ الصناعات الثقافية في جامعة كوينزلاند الأسترالية الباحث مايكل كين             (Michael Keane) مؤخرا كتابا جديدا تحت عنوان "الصناعات الإبداعية في الصين"، سعيا منه إلى الإجابة عن جملة من الأسئلة التي ربما تحير الكثيرين.

كيف استطاعت بضائع الصين الزهيدة إغواء الملايين عبر العالم، والكل يعلم علم اليقين أنها من "الدرجة الثانية"؟ ما هي الرهانات الثقافية التي تخفيها والتحديات السياسية التي ترفعها والأزمات الاجتماعية العميقة التي تعتمل في صلبها دون أن نتفطن إليها أو نعي بها تمام الوعي؟  وهل الصينيون ذاهلون حقا عن ضرورة تأسيس ثقافة جديدة مغايرة تخرج بهم من دائرة التقليد والاتباع إلى دائرة الابتكار والإبداع؟

بين ضغوط الخارج المتنامية وضغوط الداخل المشروعة تنبه الصينيون إلى حتمية القيام بمراجعات عميقة من أجل "إصلاح الخلل" في أجهزة "المصنع الكبير

مصنع العالم وخلل الأجهزة
بمزيج من الإعجاب والازدراء لا يتردد الكثير من الغربيين في نعت الصين بكونها "مصنع العالم"، فالمؤشرات تشهد بأن اقتصادها هو من أكثر الاقتصادات نموا وأكثرها صلابة وقدرة على المنافسة وعلى مواجهة الأزمات التي تعصف بغيرها شرقا وغربا.

لكن -ويا للمفارقة- فإن المؤشرات نفسها تفيد بأن الصين هي من أقل الدول احتراما للبيئة ومحافظة على كرامة الإنسان وحقوقه في العمل والوطن، وارتسمت ملامح تفاوت طبقي أخذ يعبر-في استحياء ولكن بكامل الإلحاح- عن اختلالات عميقة، ما كان لها أن تصيب مجتمعا يفترض أنه يكفل المساواة والعدالة بين سائر الأفراد.

وفي خضم تلك المؤشرات ذات الدلالات المتناقضة وجد الصينيون أنفسهم (ساسة وشعبا) -كما يقول كين- في مفترق طرق، وتنامي الإحساس لدى قطاعات كبيرة بأن الحركة الاقتصادية الفائقة ليست في الواقع إلا علامة على ابتعاد الحزب الشيوعي الحاكم عن خياراته وشعاراته، وعن الموروث الثقافي، لأنها لم تحترم تمام الاحترام مبادئ العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

وبين ضغوط الخارج المتنامية وضغوط الداخل المشروعة تنبه الصينيون إلى حتمية القيام بمراجعات عميقة من أجل "إصلاح الخلل" في أجهزة "المصنع الكبير"، وذلك من خلال التأكيد على حقيقتين متلازمتين:

حقيقة أن الصين أمة عظيمة ذات تاريخ عريق يناهز الأربعة آلاف سنة، فلا يمكنها أن ترضى بمنزلة دونية، يظن جل الأجانب فيها أن أهل البلد ليسوا إلا مقلدين بارعين وأتباعا صاغرين يستنسخون علوم "أسياد" غربيين غرباء، يسوقون لأنفسهم عبر العالم على أساس كونهم الأكثر قدرة على الإبداع والابتكار والإضافة.

وكذلك حقيقة أن الصين –بما لها من قوى حية وطاقات بشرية- قادرة على النهوض بدور يتجاوز التقليد والاستنساخ إلى مستوى أرقى، قوامه الخلق والإبداع والاستشراف، ولكن التوفيق بين هاتين الحقيقتين، حقيقة الماضي العريق وحقيقة الحاضر الواعد، وبلوغ الحقيقة الثالثة الكامنة وراءهما أي حقيقة المستقبل المنشود ليست بالسهولة التي نعتقد، لأن الأمر يحتاج إلى مراجعات عميقة وتضحيات جسيمة وتنازلات مؤلمة.

على خلفية هذا الواقع الجديد الذي صارت فيه الأفكار والصور أسلحة عابرة للقارات، تنامى لدى الصينيين الوعي بضرورة الخروج باقتصادهم دائرة تصنيع البضائع المقلدة إلى دائرة الخلق والإبداع التي تصبح الصناعات الثقافية فيها العمود الفقري للاقتصاد.

المراجعة و المجابهة
يوما ما أعلنها الأميركي ذو الأصول الإيطالية جاك فالنتي (1921-2007) Jack Valenti صراحة ودون مواربة حين قال: "التجارة شيء أكبر من البضائع والخدمات، إنها تبادل للأفكار، والأفكار بمقدورها أن تصل حيث لا تستطيع الجيوش أن تغامر".

وفالنتي هو رئيس جمعية السينما الأميركية (Motion Picture Association of America)، أي سفير أميركا الفعلي/الرمزي بين الأمم، كما أنه كان قائدا عسكريا وطيارا بارعا أثناء الحرب العالمية الثانية.

 تفطن الصينيون إلى أن فالنتي (وغيره ممن يسمونهم "ذئاب هوليود") كانوا يقودون ضد بلاد التنين "غارات صامتة"، يمطرون بواسطتها عقول الشبان والشابات. فقد كان فالنتي واضحا تمام الوضوح، فهو أعجز من أن يحلق بطائرته بي-52 في سماء بكين الصافية، وهو الطيار السابق، ومن إلقاء قنابله على مبانيها وقلاعها وقصرها الإمبراطوري العظيم، ولكن بمقدوره اليوم أن يلقي شيئا آخر مختلفا.

بمقدوره أن يلقي إنتاجا ثقافيا، هو عبارة عن صور وأحلام وآمال وأماني وأغاني لا أول لها ولا آخر، يدك بها حصون ثقافة عريقة انغلقت سنوات طوالا على ذاتها وحافظت على خصوصياتها، ولكنها تحت وقع الغارات المتتالية التي لا تنتهي وجدت الصين نفسها مجبرة على المراجعة من أجل المجابهة.

لا يخفي زعماء الصين ومثقفوها وحتى المواطنون العاديون، أن الصناعات الإبداعية  عماد ما يسمونه "قوة التنين الناعمة"، قوته القادمة، وذاك هو في نظرهم جوهر الإبداع، إبداع قائم على الإقناع وينشد الإقلاع

الإبداع والإقناع والإقلاع
على خلفية هذا الواقع الجديد الذي صارت فيه الأفكار والصور أسلحة عابرة للقارات قديرة على اجتياز الحدود دون استئذان، تنامى لدى الصينيين الوعي بضرورة الخروج باقتصادهم من الدائرة الضيقة، دائرة تصنيع البضائع المقلدة وترويجها بأثمان زهيدة، إلى دائرة أكثر رحابة واتساعا، دائرة الخلق والإبداع التي تصبح الصناعات الثقافية فيها العمود الفقري للاقتصاد.

ولكن "تصنيع الثقافة"، أي الانتقال بها من مستوى الأفكار والقيم والمثل التي يغلب عليها التجريد، وتحويلها إلى منتج مادي محسوس قابل للتسويق والترويج عالميا، ليس بالأمر السهل ولا بالمهمة اليسيرة. فالثقافة الصينية -شأنها في ذلك شأن سائر الثقافات العريقة- لا يمكنها أن تتحرر بيسر من قيود ماضيها، سواء تعلق الأمر بالماضي البعيد أو بالماضي القريب.

أما الماضي البعيد، فالمقصود به -وفق الكاتب مايكل كين- تلك "الأصول" التي تم ضبط نواميسها منذ فترة حكم سلالة "السونغ" للصين (من سنة 960م إلى سنة 1279م)، نواميس اعتبرت "الإبداع" مجرد مهارة قائمة على التكرار والنسخ والمعاودة ليس للفنان فيها من فضل سوى فضل التقليد والتجويد مع قدر يسير من التغيير.

وأما الماضي القريب، فالمقصود به فترة هيمنة الحزب الشيوعي الصيني على الحكم (من سنة1949 إلى اليوم). وفيها -أو في القسم الأعظم منها على الأقل- تم "تأصيل الأصول"، حين اعتبـر المثقفون والفنانون مصدرا للقلاقل وسببا للصداع المستمر في رأس السلطة.

ولكي تتخلص الدولة من هذا الصداع كان لزاما عليها أن تطوق "الإبداع" وأن تحاصره وتحصره في الحدود التي رسمتها نظريات الحزب ومقولاته الأيديولوجية. فإلى حدود سنوات الثمانين من القرن العـشرين كان المنتجون السينمائيون وكتاب السيناريو وصانعو الأشرطة الوثائقية والممثلون على خشبات المسارح وراقصو الباليه بدور العرض وغيرهم من صانعي أمجاد الثقافة الصينية، مجرد موظفين في الدولة ينتظرون في آخر الشهر مرتباتهم الزهيدة التي لا تتناسب مع حجم طموحاتهم الفنية وخيالهم الخلاق.

ولكن سنوات التسعين من القرن العشرين فتحت للمثقفين والفنانين الصينيين كوة صغيرة ما فتئت تتسع شيئا فشيئا. فقد أعاد الحزب الحاكم هيكلة العلاقة بين القطاعـيـن العام والخاص، وسمح بتجاورهما وتفاعلهما وتكاملهما من أجل إرساء ما سماه رجال السياسة "اشتراكية السوق"، التي كان من بين أهدافها المرسومة إلى أفق سنة 2020 إرساء صناعات إبداعية في ثلاث مجالات: مجال الفنون، ومجال التصميم، ومجال الميديا.

صناعات إبداعية لا يخفي زعماء الصين ومثقفوها وأساتذة الجامعات فيها وحتى المواطنون العاديون أنها عماد ما يسمونه "قوة التنين الناعمة"، قوته القادمة، وذاك هو في نظرهم جوهر الإبداع، إبداع قائم على الإقناع وينشد الإقلاع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة