وحدة طبية لموت بلا ألم لمرضى الإيدز بالكاميرون   
الأربعاء 1437/2/21 هـ - الموافق 2/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:02 (مكة المكرمة)، 10:02 (غرينتش)

فقدوا الأمل في العلاج والشفاء، إما لأنهم مصابون بأمراض مستعصية مثل الإيدز، أو لأنهم وصلوا مرحلة من المرض أضحت معها جلّ العقاقير والمسكّنات غير مجدية، هي حالات يعجّ بها جناح "سانت رافائيل" بمستشفى القدّيس مارتن الخاصّ بالعاصمة الكاميرونية ياوندي، المخصّص بشكل حصري لتقديم الرعاية لمن دخلوا آخر مراحل الإصابة بالمرض.

رعاية طبّية يحظى من خلالها هؤلاء المرضى بالاهتمام والمساعدة على الأكل والاغتسال والتخفيف من آلامهم في انتظار موت كريم، ضمن خدمات ترتكز على دعم فريق من الأطباء والممرضين، يشكلون وحدة نادرة من نوعها في أفريقيا.

"أشعر بالوجع في كامل أجزاء جسمي". هكذا تقول إحدى المريضات بالجناح وتدعى سيلفي، وتضيف "ألم في ظهري وصدري حين أتنفّس، وفي حلقي عندما أحاول ابتلاع الطعام أو الماء أو حتى ريقي، وأشعر بالغثيان، وبحالة تعب دائمة".

سيلفي مصابة بمرض الإيدز، وهي الآن في آخر مراحله، وتبلغ من العمر 31 عاما، ومع ذلك فإنّ ملامحها توحي بضعف عمرها الحقيقي؛ جبين مقطّب، وتجاعيد اجتاحت مبكّرا وجهها، في استجابة للنقص الواضح في وزنها، وعينان جاحظتان يخيّل لمن يراهما أنهما ستقفزان من محاجرهما، ومسحة من الحزن تعلو وجها شاحبا فارقته جميع معالم الحياة، أما جسدها فكان أنحف من أن تحتويه تلك الثياب الضيقة التي بدت فضفاضة بالنسبة لذلك الهيكل الهضمي.

وصف يمكن أن ينطبق على جميع المرضى الموجودين في الجناح، سواء كانوا رجالا أو نساء؛ فرائحة الوهن تنبعث من جميع زوايا المكان، والنظرات التي تتوحّد حال دخول أي شخص غريب تمنح انطباعا بأن أصحابها يتطلّعون إلى أيّ تجديد في المشهد الذي يتكرر يوميا أمام أنظارهم.

سيلفي المصابة بمرض فقدان المناعة البشرية منذ عشر سنوات، دخلت منذ فترة المرحلة الأخيرة من المرض، حين أبدى جسدها عدم الاستجابة لأيّ علاج مضادّ للفيروسات من المتوفّر في الكاميرون.

امرأة طاعنة في السن مصابة بالإيدز (الجزيرة/أرشيف)

تدهور سريع
وفي غياب العلاج، تدهورت حالتها الصحية بشكل سريع، حتى أنها غدت عاجزة عن تلبية أبسط احتياجاتها الإنسانية، لكن -ولحسن الحظ- الرعاية التي توفرها الوحدة الخاصة بالمستشفى لأمثالها خصصت لها ممرضة لمساعدتها، طوال اليوم على الأكل والاغتسال وغيرهما.

وبصوت خافت لا يكاد يسمع، أضافت سيلفي للأناضول "أشعر بأني بخير هنا". كانت تتمتم بكلمات غير مفهومة أو في الواقع غير مسموعة، كما كان يبدو أنّ كلّ حرف تنطق به يكلّفها جهدا خرافيا وألما كبيرا، ومع ذلك، تابعت "في المنزل لم أكن أشعر بهذه الراحة، لأنه لم يكن هناك أحد للاعتناء بي طوال الوقت، ويحدث أن أنام لساعات".

لم تتمكّن سيلفي من استكمال جملتها الأخيرة، فأغمضت عينيها، مفسحة المجال للدموع تنهمر غزيرة وتستكمل ما عجزت عن قوله جراء الوهن والألم والحزن.

المسؤولة بمستشفى القديس مارتن بياوندي جورجات مبيسي قالت للأناضول إنّ الرعاية التي تقدّمها الوحدة الخاصة للمصابين بالأمراض المستعصية ممّن لم تعد أجسامهم تستجيب للعلاج، تساعد هؤلاء الأشخاص على الموت بكرامة، مضيفة "نحن لا نسلبهم حياتهم ولا نقوم بأي شيء له علاقة بما يسمى الموت أو القتل الرحيم في الغرب، وإنما نمنحهم بعض الراحة في أيامهم الأخيرة إلى أن يحين أجلهم".

وتشمل الرعاية الطبية تقديم الأدوية الخاصة بكلّ نوع من الألم للتخفيف من معاناة المريض، إضافة إلى الدعم النفسي والروحي، والمساعدة على القيام بجولات داخل المستشفى، بل إنه من الممكن أن يتمتعوا بخدمات تجميلية لمن يريد ذلك، بحسب المصدر نفسه.

جيزال إيتيمي ابنة أحد المرضى بالجناح الخاص بالمستشفى، قالت -من جانبها للأناضول- إنه "ومنذ قدوم والدي إلى هنا، تحسّن مزاجه بشكل ملحوظ، حتى وإن لم يرافق ذلك تحسّن في وضعه الصحي، فلقد أصبح بشوشا، كما أنّ أفضل فترات يومه تتزامن مع قدوم الممرضة لاصطحابه في جولة يومية بالمستشفى".

حاليا، يعد مستشفى القديس مارتن الوحيد الذي يقدّم مثل هذه الخدمات في العاصمة الكاميرونية، بما أنّ بقية المستشفيات، خاصة كانت أو حكومية، تقدّم مثل هذا النوع من الخدمات في منزل المريض، أي أنها تقوم بإرسال سيارة إسعاف مجهّزة بطاقم طبي إلى منزل المريض، بناء على طلب من الأخير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة