هل الرواية اللبنانية عن اللاجئين السوريين منحازة؟   
الأحد 1436/10/3 هـ - الموافق 19/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:24 (مكة المكرمة)، 10:24 (غرينتش)

حاوره: حسن الحاف-بيروت

يرى أديب نعمة المستشار الإقليمي في اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا) الخبير التنموي أن الرواية اللبنانية التي جرى التسويق لها عام 2013 عن تداعيات اللجوء كانت رواية جزئية ومنحازة، هدفها تمكين الحكومة من جلب المساعدات من اجتماع أصدقاء لبنان الذي عقد في نيويورك حينذاك.

وأشار في حوار مع الجزيرة نت إلى أنه لا يمكن -بعد أربع سنوات من الأزمة- الاكتفاء بهذه الرواية، فبرغم كل الحديث عن الأوجه السلبية للأزمة، خصوصاً على ‏المستويين الاقتصادي والاجتماعي، تبقى حقيقة ماثلة أن لبنان لم ينفجر.

ودعا نعمة -الذي عمل خلال سنوات الأزمة مستشارا لوزير الشؤون الاجتماعية- إلى عقد مؤتمر وطني تشارك فيه كل الأطراف السياسية والاقتصادية، فضلا عن الفاعلين في القطاع الخاص والنقابات، لبلورة رؤية ‏تنموية ترسم حلولاً لمشكلات البلاد، ومنها مشكلة اللاجئين.

وفي ما يلي نص الحوار:

 بعد أكثر من أربع سنوات على اندلاع الثورة السورية، كيف تقيّم -كونك خبيرا في التنمية- تداعياتها على لبنان؟
بداية، لا يمكن الحديث عن تداعيات الأزمة السورية على الوضع اللبناني دون التطرق إلى ثلاثة مستويات متكافئة في أهميتها:

المستوى الأول، الأزمة الهيكلية الموجودة في لبنان، والتي تعبّر عن المشاكل الخاصة للبلد وهي سابقة على الأزمة السورية. والمستوى الثاني هو تأثير الأزمة السورية عموماً على الوضع اللبناني. والمستوى الثالث هو الآثار الناجمة عن تدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان.

ذلك أنّ ما نشهده اليوم من آثار سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية،... إلخ، ما هو إلا محصلة لتداخل هذه الفئات الثلاث من المشاكل، وبات من الصعب جداً التمييز بين سبب هذه المشكلة أو غيرها، وردّه إلى مصدره، بفعل التداخل والتعقيد الشديدين بين هذه المصادر الثلاثة.

في ضوء ذلك، علينا ألا نستسهل تحميل الأزمة السورية عموماً، أو أزمة اللاجئين خصوصاً، كل النتائج السلبية التي نراها اليوم مجسّدة على أرض الواقع.

ففي لبنان ظواهر مزمنة سابقة على الأزمة السورية واستمرت معها، منها -على سبيل المثال لا الحصر- انعدام الاستقرار المؤسسي والسياسي والأمني السائد في لبنان، أقلّه منذ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وتبعت هذه الجريمة حرب تموز عام 2006 التي شنتها إسرائيل على لبنان، ثم الأحداث الأمنية في السابع من مايو/أيار 2008، وصولاً إلى الحدث السوري الكبير، وما تسبّب فيه من تعطيل وتمديد وفراغ على مستوى مؤسسات البلد الدستورية.

انعدام الاستقرار السياسي -في رأيي- هو أحد الأسباب الرئيسية في التأرجحات التي يشهدها الاقتصاد اللبناني، فهو يعني أنه لا نموّ مستداماً، وأنه لا استثمارات ستتدفق على البلد، حتى النمو الاقتصادي المرتفع المسجل بعد حرب يوليو/تموز 2006، والذي بلغ حدود 8 و9%، يجب فهمه بوصفه ظاهرة آنية، إذ بعد الحروب -عادة- تحصل موجة إعادة إعمار وتتدفق الأموال، وليس بالضرورة أن تستمر هذه العوامل الإيجابية، وذلك بدليل أن النمو عاد فتراجع عام 2010، قبيل بداية الحراك السوري.

فلبنان -تاريخياً- ينتعش سنة أو سنتين ثم يعود الوضع فيه إلى الركود، علماً أن أغلب النمو المسجل محصور مكانياً في بيروت وجبل لبنان، وقطاعياً على المستوى العقاري والمالي؛ مما يعني أن عائدات النمو غير موزّعة بشكل متوازن قطاعياً ومكانياً، واجتماعياً استطراداً. شهدنا نمواً لكن وضع القطاع الزراعي تدهور، كما أن وضع الصناعة ظل يتأرجح عند مستوياته الضعيفة. يضاف إلى ذلك، أن النظام السياسي بلغ مرحلة لم يعد فيها ممكناً التوافق على القرارات داخل الحكومة، وتسبب تحريض التيارات السياسية الكبرى ضد بعضها البعض في تخلع النسيج السياسي والاجتماعي.

على هذه الخلفية جاءت الأزمة السورية لتعقّد الوضع أكثر، وتزيده خطورة، الأمر الذي يعني أن الأثر الأهم للأزمة كان سياسياً، أكثر مما هو اقتصادي واجتماعي، بدليل أنه قبل الأزمة كان إمكان توصل الأطراف اللبنانية إلى تسويات لتيسير أعمال المؤسسات أيسر بكثير. فقد خلقت الأزمة استقطاباً حول المسائل الخارجية أقوى بكثير من الاستقطاب حول القضايا الوطنية. من هنا، فإن التمديد لمجلس النواب، فضلاً عن التعطيل الحكومي والفراغ الرئاسي، كلها سببها تمفصل المواقف حول هذه القضايا على الموقف من الأزمة السورية والمحاور الإقليمية.


 لكن، هذا الأثر السياسي الكبير ألا توجد له تداعيات اقتصادية واجتماعية؟ 
بالطبع، هناك انعكاسات اقتصادية واجتماعية؛ فغياب المؤسسات وعدم الاستقرار سيؤديان إلى بيئة طاردة للاستثمارات، وإلى تراجع في النمو، وفي الهبات والقروض التي تمنح إلى لبنان، كما سيؤدي إلى تقويض ركائز التخطيط العام لمعالجة أزمة الاقتصاد الهيكلية، فضلاً عن تداعيات الأزمة السورية وأزمة اللاجئين إلى لبنان.
 هل هناك وجه سلبي صرف لأزمة اللاجئين أم أن لها وجوهاً أخرى جرى تجاهلها؟ ‏
في مسألة اللاجئين تحديداً علينا أن ننتبه إلى أن الرواية التي جرى التسويق لها عام 2013 عن تداعيات اللجوء كانت رواية جزئية ومنحازة، هدفها تمكين الحكومة اللبنانية من جلب المساعدات من اجتماع أصدقاء لبنان الذي عقد في نيويورك حينذاك، كانت وظيفته إذا تظهر المشكلة، وطمس حقيقة أننا لم نستفد شيئاً، وهذا غير صحيح. ألم يأت سوريون بمليارات الدولارات إلى القطاع المصرفي؟ ألم يفتتح متمولون سوريون أعمالاً في لبنان؟

بعد أربع سنوات من الأزمة لا نستطيع الاكتفاء بهذه الرواية، بل نحتاح إلى بحث ومعرفة أكثر عمقاً وتوازناً، نستطيع أن نستند إليها لوضع سياسات حلول. فبرغم كل الحديث عن الأوجه السلبية للأزمة، خصوصاً على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، تبقى ماثلة حقيقة أن لبنان لم ينفجر، فهناك مؤشرات على قلة النزاعات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن اللجوء، كما أن معدل الجريمة لم يرتفع، مما يعكس درجة عالية من التعايش بين اللبنانيين والسوريين.

كما أن الذين يتحدثون عن ارتفاع نسب البطالة بين اللبنانيين نتيجة اللجوء لا يقولون لنا مصدر هذه البطالة، أهي بفعل التوترات السياسية وإقفال الحدود ومقاطعة السياح الخليجيين وتراجع التوظيف في القطاع السياحي أم بسبب اللجوء؟ أحد الزملاء في "الأسكوا" أجرى دراسة عن القطاع الزراعي، فتبين أنها لا تزال مركزة بنسبة كبيرة في البقاع (شرق لبنان) والشمال، وفيما لاحظت الدراسة أن 18% من السوريين في هاتين المحافظتين يسكنون في مخيمات عشوائية، كشفت أن عدد العاملين السوريين في الزراعة أقل مما كان قبيل الأزمة.. هذا مؤشر أوّل.

أما المؤشر الثاني، فهو الضغط الذي مارسه أصحاب الملكيات الزراعية على الحكومة اللبنانية لتسهيل دخول العمال الزراعيين السوريين بعد القرار المتخذ في يناير/كانون الثاني الماضي، والقاضي بفرض تأشيرات دخول ورسوم كفالة على العمال، فرضخت الحكومة لهؤلاء، وسمحت لهم بإدخال عدد معيّن من العمال بلا رسوم، بالتناسب مع حجم المساحات الزراعية. الصورة ليست أسود وأبيض، فهناك ألوان عديدة بينهما.

لكن لا توجد دراسات وإحصاءات يمكن الاستناد إليها، والأرقام التي ترمى في وسائل الإعلام ترمي لغايات خاصة ولا صدقية لها.

 هل كانت مساعدات المجتمع الدولي في مستوى الأزمة وتداعياتها على لبنان؟
لننظر إلى الأمر من زاوية ثانية؛ عندما تجلس الأطراف السياسية على طاولة الحكومة لمناقشة الوضع وأسبابه، هم لا ينطلقون من دراسة علمية للواقع وللمعطيات المتاحة كي يقرّروا كيفية التعامل معه، وإنما ينطلقون من أحكام مسبقة تجاه بعضهم، وعندما يقدمون تنازلاً، لا يكون في سبيل وضع خطة لمعالجة المشاكل، بل لإنتاج توازن سياسي سلبي بين المواقف المتعارضة، يتيح لاحقاً وضع فيتو في مقابل آخر.

كان يفترض بسياسة النأي بالنفس التي التزمتها الحكومة بداية الأزمة أن تشكل مخرجاً للأطراف السياسية كي تنأى بنفسها عن المحاور الإقليمية وعن الصراع في سوريا، لا عن معالجة المشكلات الداخلية. لكن، ما حصل هو العكس، إذ ازداد الارتباط بالمحاور الإقليمية، وازداد التدخل في الصراع السوري، بدرجة متفاوتة طبعاً بين طرف وآخر، بالتناسب مع النأي عن معالجة المشكلات الداخلية، ففي المشاريع السياسية المهيمنة كان البعد الخارجي لديها هو الأساس، وعندما تجرّد السياسة من عمقها الاقتصادي والمجتمعي يغدو البعد الوطني هامشياً.

وبرغم ذلك، قدمت الأمم المتحدة عبر منظماتها نحو ثمانمئة مليون دولار مساعدات في عام 2014. وقد كلفت مراكز أبحاث بإجراء دراسة حول تأثير هذه المساعدة، فتبين أن كل مئة دولار منها تعطي مفعول 160 دولاراً، كما تبين أن 17% من قيمة المساعدة أنفقت كأجور للموظفين في المشاريع، بينما وزعت البقية بين مساعدات عينية ونقدية.

فهل هناك من درس تأثير هذه المساعدات على النمو الاقتصادي في البلاد؟ وهل هناك من تساءل عن حجم المساعدات التي تقدمها دول عربية كثيرة كالسعودية والكويت وقطر والإمارات لمنظمات خاصة تعمل في الإغاثة؟ طبعاً لا.

في الواقع، هناك تقديرات تذهب إلى أن هذه المساعدات تسببت من جراء زيادة الاستهلاك بنصف النمو المسجل في البلاد العام الماضي والبالغ نحو 2%.

 ما أوجه الضعف الأساسية التي حكمت تعاطي لبنان مع أزمة اللجوء والأزمة السورية عموماً؟
أولا- هناك فجوة الرؤية والإستراتيجية، وهي مسؤولية الحكومة والأمم المتحدة التي يفترض بها أن تدعمها في هذا المجال.

وثانياً- هناك فجوة المعرفة، حيث لم يبذل أي جهد حقيقي لجمع معطيات وإحصاءات، وبالنتيجة إجراء دراسات حول واقع اللجوء السوري وتأثيراته وسبل العلاج الأنسب لها.

وثالثاً- فجوة القيادة، حيث يعاني لبنان من نقص كبير في كفاءة قيادييه وفي قدرتهم على أن يكونوا في مستوى الأحداث الكبرى التي يشهدها لبنان والمنطقة.

برأيي، يجب عقد مؤتمر وطني تشارك فيه كل الأطراف السياسية والاقتصادية، فضلاً عن الفاعلين في القطاع الخاص والصناعيين والتجار والنقابات والمجتمع المدني لبحث كيفية توفير حلول لهذه المشاكل الوطنية الكبرى، ومن أجل بلورة رؤية تنموية ترسم حلولاً لمشكلات البلاد، ومنها طبعاً مشكلة اللاجئين، مما يعني أن المطلوب دمج خطط مساعدة اللاجئين ضمن خطط التنمية، خصوصاً أن الأزمة السورية غير مرشحة للحل في المدى المنظور، ولا يعلم أحد ما إذا كان عدد اللاجئين في لبنان، والذي استقر منذ فترة، سيعود للتزايد أم لا.

 كيف أثرت معركة القلمون على الحدود اللبنانية السورية اقتصادياً واجتماعياً على لبنان؟

المناطق الحدودية تأثرت تأثراً مضاعفاً بفعل تلك الحرب، وبصورة خاصة تأثرت فئتان: الفئة الأولى، أصحاب المحال التجارية على طريق شتورة المصنع. أما الثانية، فهي الفئات الحدودية المعنية بالتهريب وتبادل البضائع بصورة غير رسمية، وبين هؤلاء من يعملون في تهريب السلاح والذين يرجح أن تكون أعمالهم قد تزايدت.

يمكن القول إن تأثير الأزمة السورية عموماً لم يكن متشابهاً في المناطق كافة، وكانت آثاره الأكبر، والتي عززتها معركة القلمون على البقاع والشمال. لكن ضمن هاتين المحافظتين، تأثرت ثلاث مناطق بصورة أساسية: أولاً عكّار، بسبب مستوى التهميش والفقر العالي، إلى جانب البنية السكانية الفتية التي تشبه التكوين السكاني والعمري للاجئين، مما جعل التنافس على المهن على أشده بين اللبنانيين والسوريين.

ثانياً طرابلس، بسبب معدلات الفقر المرتفعة أيضاً، والتداخل الكبير في السياسة، مما أدى إلى نشوب نزاعات طائفية مسلحة فيها. وثالثاً عرسال، التي لم تعان من كثافة اللجوء فحسب، بل من الحصار المضروب على البلدة أيضاً، مما يعني أن اللجوء السوري هنا يضغط ضغطا صافياً على البلدة وسكانها.

 في رأيك، ما الذي يبقي لبنان واقفاً على قدميه؟

الفوضى، فقد أثبتت أنها في بلدان العالم الثالث قادرة على تنمية نوع معين من المهارات الفردية والجماعية القادرة على امتصاص الأزمات. لبنان لم ينفجر، لكن لو كانت الأزمة في أي بلد آخر لانفجر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة