تقدير متفاوت لإستراتيجية أوباما   
الجمعة 11/2/1433 هـ - الموافق 6/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:34 (مكة المكرمة)، 13:34 (غرينتش)

أوباما يعرض الإستراتيجية الجديدة وعن يمينه وزير دفاعه وخلفه رئيس أركان الجيش (الفرنسية)

تراوحت ردود فعل الصحف الأميركية وبعض الصحف البريطانية على الإستراتيجية الدفاعية الأميركية الجديدة -التي أزاح الرئيس باراك أوباما بعض النقاب عن تفاصيلها أمس الخميس- بين تأييد حذر ومتحفظ ونقد صريح ولاذع أحيانا
.

فقد رأت صحيفة واشنطن بوست أن أوباما بإعلانه عن الإستراتيجية الجديدة في كلمته بمقر وزارة الدفاع (بنتاغون) يكون قد ارتكب نفس الخطأ تقريبا الذي دأب أسلافه الرؤساء على الوقوع فيه منذ وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

واقتطفت الصحيفة بعض العبارات التي وردت في كلمة الرئيس منها تلك التي قال فيها إنه "يتعين علينا أن نتذكر دروس التاريخ. ذلك أننا لا نطيق تكرار أخطاء الماضي (...) عندما تركوا جيشنا مفتقرا للإعداد الجيد للمستقبل. وبصفتي قائدا أعلى للجيش فإنني لن أسمح بأن يحدث ذلك مرة أخرى".

وتقول واشنطن بوست في تعليق لا يخلو من سخرية على هذا التصريح إن إستراتيجية أوباما "فعلت ذلك بالضبط ونسيت دروس التاريخ".

ثمة شواهد من التاريخ استدعتها الصحيفة منها أن الرئيس هاري ترومان في محاولته لتفادي تكبد ذات التكاليف التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية، لجأ إلى تقليص عدد أفراد الجيش من ثمانية ملايين جندي إلى أقل من نصف مليون. وكانت النتيجة أن سُلِبت القوات البرية الضالعة في الحرب الكورية آنذاك من قواها، وهي حرب لم يكن ترومان ينوي أبدا خوضها، حسب تعليق الصحيفة.

أما دوايت أيزنهاور فقد استصحب معه خلال رئاسته إستراتيجية "النظرة الجديدة" التي قامت على خفض قوات الجيش والمارينز مرة أخرى وبناء قوة ردع نووية. ثم اندلعت حرب فيتنام التي لم يكن الرئيس أيزنهاور ومن بعده جون كينيدي وليندون جونسون يرغبون في التورط فيها.

غير أن الجيش الأميركي المحترف تفكك بعدها بحلول عام 1970 ليحل محله كيان من الهواة. وكانت النتيجة الهزيمة وسقوط 58 ألف قتيل.

الخطة الجديدة صيغت بدافع الحاجة لجعل البنية الدفاعية الأميركية تتلاءم مع حقائق الموازنة المفلسة التي فرضتها ثلاثة أعوام من سياسات العجز المالي غير المسبوق لأوباما
العدو القادم
وتخلص واشنطن بوست إلى أن الدروس المستفادة من التاريخ في السنوات السبعين الماضية هي "أننا لا نختار أعداءنا، بل هم من يختاروننا. وهم يتركون لنا -كما درجوا على أن يفعلوا في السابق- السيادة على الجو والبحر لأنهم لا يملكون القدرة على قتالنا هناك".

وتضيف "لقد ظل أعداؤنا يراقبوننا عن كثب في العراق وأفغانستان، وتعلموا من (الرئيس الصيني الأسبق) ماو تسي تونغ (والرئيس الفيتنامي) هو شي منه (والرئيس العراقي) صدام حسين أن أكبر نقاط ضعف الولايات المتحدة تكمن في سقوط قتلى أميركيين. لذلك فإن عدونا المقبل سيسعى لقتالنا على الأرض التي طالما افتقرنا فيها للتجهيز الجيد".

وتبنت صحيفة نيويورك تايمز التي عُرفت بتأييدها لأوباما وسياساته خطا أقرب للانحياز إلى جانب الإستراتيجية الجديدة منه إلى انتقادها.

وقالت إن أوباما أشاح بإستراتيجيته الجديدة عن رؤية تنم عن واقعية في مجملها وتدور حول الأسلوب الذي ستنتهجه الولايات المتحدة في تنظيم ونشر قواتها المسلحة في القرن الحادي والعشرين في وقت تسعى فيه لحل مشاكلها المالية العويصة.

وأشارت إلى أن الإستراتيجية الجديدة تستند إلى ضرورة أن تتسم أميركا بذكاء أكبر وهدوء أكثر في استخدامها للقوة بما يعني ذلك من تقليص كبير في حجم قوات الجيش والمارينز دون أن يقلل ذلك من حقيقة أن العالم أصبح مكانا خطرا للغاية.

وتشدد نيويورك تايمز على أهمية أن تستعد الولايات المتحدة لمواجهة أحداث طارئة متعددة، مشيرة إلى أن القائمة تشمل "باكستان منهارة، أو دولة أخرى اختطفها تنظيم القاعدة، أو إيران بإعاقتها حركة مرور شحنات النفط في غمرة سعيها لتحقيق طموحها النووي أو زعيما كوريا شماليا ضعيفا أو غير متوازن يقدم على عمل انتحاري عبر الحدود الكورية الجنوبية".

جنود أميركيون في دورية راجلة بولاية هلمند الأفغانية (رويترز)
عجز أميركي
غير أن أشرس هجوم على إستراتيجية أوباما الجديدة جاء كما هو متوقع من صحيفة واشنطن تايمز المعروفة بميولها اليمينية للمحافظين الجدد.

وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن الإستراتيجية الجديدة المؤلفة من ثماني صفحات توجه رسالة واضحة لأعداء الولايات المتحدة مفادها أن "اهجموا عليها"، واصفة الإستراتيجية بأنها إقرار بالعجز الأميركي.

ورأت أن الخطة الجديدة صيغت بدافع الحاجة لجعل البنية الدفاعية الأميركية تتلاءم مع حقائق الموازنة "المفلسة" التي فرضتها ثلاثة أعوام من سياسات العجز المالي غير المسبوق لأوباما.

وخلصت واشنطن تايمز إلى أن وثيقة إستراتيجية الدفاع الأميركية تمثل دلالة جديدة على ما سمته "تراجع أميركا الإستراتيجي".

من جانبها ذكرت صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الإلكترونية أن الإستراتيجية تعكس تباينا حادا مع الإستراتيجيات التي سادت العقد الذي تلا أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

وأوضحت أن اهتمام البنتاغون بدأ ينصب أكثر فأكثر على الصين والدول النووية المارقة بدلا من التركيز على الحرب على الإرهاب.

ومضت الصحيفة إلى القول إن الإستراتيجية الجديدة أشارت بوضوح إلى أن من بين ألد الأعداء الذين ستواجههم أميركا "المتطرفين الذين لا دولة لهم وقراصنة الإنترنت الذين ينوون شن حرب إلكترونية".

وأدلت صحيفة لوس أنجلوس تايمز هي الأخرى بدلوها في الموضوع حيث رأت أن ضرورات الموازنة ربما تكون هي التي أملت على أوباما إعادة إنتاج إستراتيجية عسكرية، إلا أن ذلك لا يعني أن التغيير كان "متهورا أو حتى غير حكيم".

وتقول الصحيفة التي ظلت تقف إلى جانب أوباما منذ حملته السابقة للترشح للرئاسة إنه على الرغم من أن الحاجة إلى انتهاج أساليب تقشف أشمل تشكل الخلفية الموضوعية للمواجهات الجديدة المقترحة في الوثيقة، فهي مواجهات تجد مسوغا معقولا لها في تحليل الاتجاهات الجيوسياسية كما ورد في تقرير الإستراتيجية الذي كشف عنه أوباما أمس الخميس.

هاموند: على الأوروبيين التجاوب مع إستراتيجية أوباما (الفرنسية)
رسالتان
ولأن إستراتيجية أوباما الجديدة لا تهم الولايات المتحدة وحدها، فقد أفردت لها الصحف البريطانية على الجانب الآخر من الأطلسي حيزا كبيرا من التعليق والتحليل.

فقد قالت صحيفة غارديان إن الإستراتيجية انطوت على رسالتين جليتين أولاهما أن أميركا لن تخوض حروبا على شاكلة حربي العراق وأفغانستان مرة أخرى، وثانيتهما لا تقل جرأة عن الأولى وهي موجهة لأوروبا.

فالرسالة تفيد بأن أمن أوروبا الجماعي هو من مسؤولية أوروبا وأن على قواتها تحملها وحدها، وأن أميركا ربما لن تكون قادرة على توفير دعم من قبيل إعادة تزويد الطائرات بالوقود والمعلومات الاستخبارية كما كان عليه الحال إبان الحرب الليبية.

ومضت غارديان في افتتاحيتها إلى القول إن عقدا من فشل السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والذي شكل "لطمة" لمكانة الولايات المتحدة في العالم وقلل من قيمة قوتها الرادعة، يعني أنها بدأت تيمم وجهها شطر الغرب إلى حيث منطقة المحيط الهادي التي تتطلع لحاملات الطائرات لاحتواء قوة الصين البحرية المتعاظمة.

وتناولت صحيفة بريطانية أخرى هي إندبندنت الموضوع من زاوية تأثيره على المملكة المتحدة وأوروبا.

وأشارت إلى أن وزير الدفاع البريطاني فيليب هاموند استغل زيارته الأخيرة إلى واشنطن للتشديد على ضرورة ألا تتلكأ أميركا في إنتاج الطائرات الحربية المصممة لحاملات الطائرات البريطانية.

ونقلت عنه القول للقناة الإخبارية الرابعة إن على الأوروبيين التجاوب مع هذا التغيير الذي طرأ على اهتمام الولايات المتحدة "ليس بنوع من التباهي والتفاخر بل بالمشاركة العملية إدراكا منهم بضرورة التعاون مع الأميركيين للحصول على أفضل مردود".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة