المسرح المغربي.. من الفكرة إلى الجمال   
الأحد 1435/11/6 هـ - الموافق 31/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 12:54 (مكة المكرمة)، 9:54 (غرينتش)

نزار الفراوي-الرباط

من المحتوى الدرامي إلى الشكل الفُرجوي، من الرسالة الفكرية والأيديولوجية إلى الإبداع الجمالي الفني.. هكذا يلخص الباحث المسرحي المغربي عبد المجيد شكير مسار أب الفنون في المغرب، في كتابه الذي يحمل عنوان "حول الاهتمام الجمالي في المسرح المغربي".

ويرصد الباحث في هذا الكتاب الصادر ضمن منشورات وزارة الثقافة -والذي يقع في 183 صفحة- منعطفات الممارسة المسرحية فعلا وتنظيرا، وتعاقب أجيال من الرؤى والمقاربات التي اختلفت أولوياتها وبؤرة اهتماماتها في ما يخص توضيب عناصر الفرجة المسرحية، منذ مرحلة الاستعمار وحتى اليوم، في اتجاه التحول من ممارسة تعطي الأولوية للمضمون الفكري والبعد الأيديولوجي إلى ممارسة تهتم بالمنحى الفني والجمالي.

وقد حدد المؤلف أربعة مستويات لتحقق هذا المنحى الجمالي الفني في عينة من التجارب، على اختلاف مدارسها واختيارات روادها.

ويتعلق الأمر باقتراحات جمالية شملت أولا الفضاء المسرحي، وثانيا أدوات الاشتغال التقني من إضاءة وديكور وموسيقى وملابس، وثالثا التمثيل، ورابعا الكتابة الدرامية.

وأنتج تمازج هذه العناصر تجارب حداثية تراهن على إنتاج لغة مسرحية طافحة بالمتعة العميقة المتأتية من تأثيث خلاق للفضاء، واهتمام بالتعبير الجسدي والتشكيل "الكوريغرافي" وابتداع أشكال جمالية في تأليف النص تعطي الاعتبار لخصوصية الخشبة وخصائصها.

مشهد من مسرحية خربوشة التي تحكي قصة مقاومة امرأة للاستبداد بالغناء (الجزيرة)

رسالة مقاومة
يعود عبد المجيد شكير إلى الممارسة المسرحية إبان مرحلة الكفاح ضد المستعمر، حيث توجه الرواد إلى تبني أولوية الخطاب المباشر المحرض على المقاومة، وهو خيار تنبهت لفعاليته وشجعته الحركة الوطنية، وفي المقابل ظل المقوم الفني والعمق النظري غائبين في فعل فني وَسَمه وعي فطري وتقليدي.

هذا التوجه سيظل مهيمنا على بدايات المسرح المغربي بعد الاستقلال، بحيث دأب المتلقي على استقبال الظاهرة المسرحية بوصفها خطابا مباشرا يحمل أفكارا ومواضيع بالدرجة الأولى.

ولم تخرج عن هذا النطاق التجارب الاحترافية لرائدَي المسرح المغربي الطيب الصديقي وأحمد الطيب العلج، بل تجسد الخيار الموضوعي الفكري والأيديولوجي في مرحلة ازدهار مسرح الهواة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، من حيث "الارتباط بالقضايا الساخنة (الواقع المغربي، القضية الفلسطينية واللبنانية، الواقع الاجتماعي...) والاهتمام المركز بها على حساب الصنعة الفنية، وهو الشيء الذي حوّل العمل المسرحي في كثير من الأحيان إلى الهتاف المباشر والسقوط في الخطابية الشعارية القائمة على الاحتجاج"، بحسب الباحث.

أما في مرحلة لاحقة، فيتابع عبد المجيد شكير تبلور انتقال نوعي صوب ممارسة مسرحية مغايرة تعانق الأولوية الجمالية في العمل، وتقطع مع اجترار الخطابة السياسية والاجتماعية المباشرة. عندئذ، تبلور مسار انتقال من صيغة "ماذا يقول العرض المسرحي؟" إلى صيغة "كيف يقول العرض المسرحي؟".

وقد كان لإحساس المتلقي بالتخمة من خطاب أيديولوجي متكرر، حافزا على البحث عن بعد مغاير.

المسرح المغربي تطور من حيث المضمون والأداء وتقنيات العرض (الجزيرة)
إيجابيات النقد
ويوثق شكير في هذا السياق فضل الحركة النقدية في صناعة اللحظة الجديدة في تاريخ المسرح المغربي، حيث انتقل الفعل النقدي من قراءة تفسيرية تمتح من السياق التاريخي والاجتماعي، إلى نمط بديل يشتغل على البنيات الداخلية للخطاب المسرحي وعناصر تركيبه. إنه نمط يشتغل على المسرح لذاته لا لغيره، وقد انتعش هذا النمط النقدي في أحضان الدرس الجامعي، تجاوزا لما هو انطباعي تذوقي.

كما ساهم في إحداث هذه النقلة التي بدت جلية منذ منتصف الثمانينيات، ظهور ثلة من المخرجين المسكونين بنزعة تجريبية ورغبة في رسم أفق جمالي للممارسة المسرحية المغربية.

ويحرص الباحث على التأكيد بأن هذه النقلة النوعية الجديدة لم تكن تعني إبطال البعد الأيديولوجي والفكري في صناعة العمل المسرحي، بل تتمثل تقديمه في "قالب إبداعي يحترم الشرط الفني والضرورة الجمالية، والوعي بمكوناتهما الأساسية التي أصبحت تشكل الاهتمام الأول في إنجاز العمل المسرحي".

ومن قراءته في نماذج واسعة من العروض المسرحية المغربية، يخلص عبد المجيد شكير إلى أن الاشتغال الجمالي على مستوى العناصر الأربعة السالفة الذكر جاء متفاوتا، فعلى مستوى الكتابة الدرامية لم يكن الوعي بها أمرا جديدا، والجديد تمثل في بروز بعض الأشكال الجمالية الإضافية التي طورت مفهوم الكتابة في اتجاه الإدراك المسبق للركح واشتراطاته.

أما على مستوى الفضاء والأدوات التقنية، فيلاحظ الكاتب تطورا ملحوظا جعلهما أساس رصد البعد الجمالي في المسرح المغربي، الذي بات "يخرج من عنف الأيديولوجي وثقل الكلمة نحو ابتداع لغة بصرية يحتل فيها الجهاز السينوغرافي مكانة مركزية، مع ما يصاحب ذلك من استخدام متميز للإضاءة والديكور واللباس".

في المقابل، يسجل الكاتب أن مكون التمثيل ظل العنصر الأقل تجلية للبعد الجمالي في المسرح المغربي على الرغم من وجود طاقات قوية لدى الممثلين. وهو يعزو هذا التعثر إلى قصور في التكوين وعدم قدرة الإخراج على إدارة الممثل واستثمار طاقته في غالب الأحيان.

وينضاف كتاب "حول الاهتمام الجمالي في المسرح المغربي" إلى رصيد نوعي من البحث في الظاهرة المسرحية وقضايا فن الخشبة في المغرب والعالم العربي لدى عبد المجيد شكير، الحاصل على الدكتوراه في الجماليات المسرحية، والذي يمارس التدريس الجامعي في تخصص "الدراماتورجيا والنقد المسرحي".

وبالموازاة مع انشغاله البحثي الجامعي، يدير شكير فرقا مسرحية ويخرج أعمالها، مما يجعله مسرحيا يوازن بين الممارسة والتنظير. وقد سبق أن نشرت له الهيئة العربية للمسرح عام ٢٠١٣ كتابا بعنوان "عناصر التركيب الجمالي في العرض المسرحي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة