سؤال اللغة المحكية   
الأربعاء 1435/2/9 هـ - الموافق 11/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:38 (مكة المكرمة)، 11:38 (غرينتش)

أمير تاج السر

هناك سؤال وجه لي كثيرا، ولا بد أنه وجه لغيري من كتاب السرد، الذين لا يكتبون حوارات أو جملا من لهجتهم العامية في نصوصهم الروائية.

لماذا لا تكتب حوارات الشخوص بالعامية، خاصة أن بعض أولئك الشخوص لا يمكن أن يتحدثوا بالفصحى، كونهم أناسا عاديين وغير متعلمين أصلا؟

بالنسبة لي شخصيا، أنا أعتز باللهجات العامية لكل الشعوب العربية، باعتبارها هي لهجات الحوار اليومي، للشخوص والمجتمعات، ولن تجد أبدا شخصا يحكي بعربية فصيحة، حتى لو كان يخاطب آخر ليس من بلاده، إلا نادرا.

فغالبا ما يحكي بلغة بلده التي تربى عليها بغض النظر إن فهمه الآخر جيدا، أم لا، أو بلغة أخرى وسيطة مشهورة لدى الجميع كالعامية المصرية مثلا التي يفهمها كل مواطن عربي تقريبا ليس بسبب انتشار الأفلام والمسلسلات المصرية فقط، ولكن لانتشار الثقافة المصرية بجميع فروعها، منذ عهد ولأن المصريين عملوا منذ أزمنة بعيدة، في معظم البلاد العربية في مجالات مثل التدريس والطب وغيرهما، وبذلك أتيح الاحتكاك بهم أكثر من غيرهم من الشعوب العربية.

بالنسبة لتجربتي الكتابية، فمن حسن الحظ أنني أكتب سردا في الغالب، ولا ترد الحوارات كثيرا، وإن وردت، فهي مقاطع قصيرة فقط، لتبيين موقف ما، لا يمكن كتابته سرديا.

حين نجيء للحديث عن كتاب سردي، رواية أو مجموعة قصصية، فهو حقيقة لن يكتفي بمحلية المطالعة في البلد الذي ينحدر منه كاتبه، وسيذهب إلى بلاد أخرى قد لا تفهم عامية بلد الكاتب، خاصة إن كان قد نشر على المستوى العربي، أي في دار نشر واسعة الانتشار، أو ربما يسعى مستعرب أجنبي لترجمته للغة أخرى. هنا يبدو الأمر عصيا، أن توضع اللهجة غير المستخدمة خارجيا، في نص ينوي من كتبه، أن يصدّره إلى الخارج، ولا يكتفي بمطالعة قراء بلده فقط.

وعكس ذلك هناك كتّاب لم يكن همهم الأساسي أن يقرأهم أحد خارج بيئاتهم التي يتقنونها ويكتبون معاناة سكانها، وتوجهوا بإنتاجهم إلى مواطنهم، الذي هو مواطن خاص يسكن في إقليم لا يفهم لهجته معظم سكان البلاد.

ضرورات الكتابة
لقد كتب لي عدد من القراء في مناسبات عديدة، أنهم يبدون استغرابهم من الحوار الذي يدور بالفصحى داخل نصوصي، بين شخصيات بسيطة وقد لا تكون متعلمة لتتحدث بهذه الطلاقة، وكانوا يضربون مثلا في الغالب بشخصية مثل: علي جرجار في "العطر الفرنسي"، أو آدم نظر وجبروتي في "مهر الصياح"، وشخصية أبو زيد زيتون، الصحراوي البسيط الذي تبرع للمغني بكليته، في رواية "زحف النمل".. كان القراء يقولون إنهم يفضلون لو كنت استنطقت تلك الشخصيات بطبيعتها، وجعلتها تتحدث باللغة المحكية التي تستخدمها في أماكنها بشكل يومي، ولن تكون ثمة لهجة غيرها، حتى لو نقلت إلى نصوص فنية.
 
اتفق مع أولئك القراء أن الأمر يبدو فعلا خارجا عن المألوف، وفي الواقع لا يمكن أن يتحدث "زيتون" أو غيره من تلك الشخصيات هكذا، لكنها ضرورات الكتابة كما ذكرت، وأن النص ليظل نصا منتشرا وقابلا لقراءته في المغرب والجزائر مثلا، يجب أن يكون هكذا. بالمقابل كقارئ، أستطيع التفاعل مع نصوص المغرب والجزائر أكثر، لو كتبت بطريقة وسيطة، أستطيع فهمها.

كل صاحب لهجة محلية غير مستخدمة على نطاق واسع، يعي صعوبتها على غيره، ولذلك نرى الأفلام المغاربية، التي يتحدث أبطالها بلهجاتهم، توجد عليها ترجمة بالفصحى، هنا ليس ثمة غرابة في الأمر، ولكن مساعدة من صناع الفيلم في إدخال المشاهد الغريب، في جوه، وأيضا مساهمة في انتشاره، لأنه لم يصنع أصلا ليشاهده المغرب العربي فقط، وإنما جميع من يعشق السينما ويستمتع بما تنتجه.

بالنسبة لتجربتي الكتابية، فمن حسن الحظ أنني أكتب سردا في الغالب، ولا ترد الحوارات كثيرا، وإن وردت، فهي مقاطع قصيرة فقط، لتبيين موقف ما، لا يمكن كتابته سرديا.

صنعت العامية المصرية شهرتها منذ زمن بعيد، وأصبحت شبيهة بالفصحى من ناحية سعة التداول والفهم، حتى لدى الآخر غير العربي

على أنني أستخدم العامية أحيانا، وذلك حين أكتب قصائد تراثية داخل الروايات، أو أغنيات يرددها الجميع في مناسبات متعددة، وقمت بكتابة أغنيات المغني أحمد ذهب كلها باللهجة العامية، في زحف النمل.

ومن المؤكد أن تلك الأغنيات لم تقرأ بطريقة صحيحة ولم يصل مغزاها لآخرين لا يعرفون كيف تنطق وتفهم العامية السودانية التي كتبت بها، ولعل ذلك من أسباب عدم انتشار الأغنية السودانية، خارج نطاق الوطن إلا نادرا، برغم جمال كلماتها وتفرد ألحانها، وأن فيها قمما كبيرة، ساهمت بشكل واسع في إثراء الوجدان. المشكلة هنا هي أن تلك الأغنيات، تحتاج بالفعل إلى من يشرح معانيها حتى تفهم.

زمن انتشار اللهجة المحلية
بالنسبة للأعمال الكتابية المصرية -التي كتبت بالعامية- فهي كثيرة. هناك روايات كتبت كاملة بالعامية، سردا وحوارا، وأعمال أخرى كانت عاميتها في الحوار، ومع ذلك يقرأها الجميع بلا توعك ولا إحساس بعدم الفهم، فقد صنعت العامية المصرية شهرتها منذ زمن بعيد، وأصبحت شبيهة بالفصحى من ناحية سعة التداول والفهم، حتى لدى الآخر غير العربي، وشاهدت مترجمين أجانب يكتبون على سيرهم الذاتية، أنهم يجيدون العربية والمصرية.

هنا يستطيع الكتاب أن يستنطقوا الشخوص بعاميتهم بلا جدال، ولعل هذا هو السبب الذي جعل الصحافيين والقراء يسألون دائما عن سبب تحميل ألسنة الشخوص لدينا، بما لا تستطيع حمله في الواقع، قطعا يقارنون كتابتنا بالكتابة المصرية.

أستطيع أن أقول الآن، إن بعض اللهجات العربية المحلية بدأت تسطع، وذلك بعد دخول التكنولوجيا بشكل واسع، وأيضا ظهور القنوات الفضائية المتعددة، وإمكان مشاهدتها في أي مكان، وتبدو لي اللهجة الخليجية، من تلك اللهجات التي لم تعد مشكلة لدى الكثيرين، وشخصيا أستطيع فهم الحوار الذي يكتب بها داخل أي نص روائي أو قصصي، ولو استمر الأمر بهذه الوتيرة، قطعا سيأتي يوم، تصبح جميع اللهجات العربية، مفهومة وواضحة للجميع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة